أثارت دعوة تبون من ألمانيا موجة عارمة من السجال والتشكيك، وسط اتهامات متزايدة للنظام العسكري بمحاولة نصب «فخ سياسي» لتكميم ما تبقى من الأصوات الحرة.
وجاءت هذه الردود، التي تزامنت مع تزايد الضغوط الدولية بشأن ملف الحريات في البلاد، لتكشف الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي العابر للحدود والواقع الحقوقي المأزوم داخل البلاد.
تبون و«المعارضة الحضارية»
حاول الرئيس الجزائري توجيه إشارات مغازلة لمعارضي النظام في الخارج، مدعيا حق كل مواطن في الانتقاد وإبداء الرأي، شريطة الالتزام بما وصفه بـ«المعارضة الحضارية».
وشدد تبون، خلال لقائه مع أفراد من الجالية ببرلين في زيارة رسمية تدوم يومين، على أن الاختلاف في الآراء لا يتعارض مع الانتماء الوطني، داعيا إلى تقديم البدائل والحلول بدل الاكتفاء بالانتقاد، مشيرا إلى النماذج الغربية في ترسيخ ثقافة الحوار.
غير أن التعهدات الشفهية لتبون تصطدم بواقع حقوقي متأزم ترصده كبريات المنظمات الدولية، في ظل تزايد ملاحقة الناشطين والصحفيين بموجب تشريعات فضفاضة تتعلق بالأمن العام ونشر الأخبار، الأمر الذي يضع مصداقية هذا «الانفتاح» على المحك.
الجزائريون ردا على تبون: «إنه فخ يا جورج»
لم تتأخر ردود الفعل الشعبية على خطاب الرئيس، إذ قوبل المقطع المرئي الذي بثته القنوات الرسمية ببرود شديد وسخرية لاذعة من قبل مواطنين جزائريين عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتحولت العبارة السينمائية الشهيرة «إنه فخ يا جورج» إلى وسم تداوله المتابعون للتحذير من مغبة تصديق وعود رموز النظام الجزائري، معتبرين الدعوة شراكا يستهدف استدراج المغردين خارج سرب النظام.
وعجت مساحة التعليقات بتهكم مرير يربط مباشرة بين العودة المقترحة والاعتقال الفوري، حيث كتب أحد المعلقين ساخرا: «مرحبا بهم في سجن الحراش»، فيما أضاف آخر بحسرة: «مرحبا بالمعارضة لكن المحاكمات الصورية وسجن الحراش في انتظارهم».
وعبر ناشطون عن حجم الفجوة بين الخطاب والواقع المرير، مؤكدين: «نحن نعيش في الواقع، وهو عكس ما تصرح به»، وأوضح معلق أن « مجرد كبس زر الإعجاب «لايك» أو كتابة تعليق بسيط أو مشاركته على وسائل التواصل الاجتماعي قد يقود صاحبه مباشرة وراء القضبان في جزائر تبون المنتصرة ».
وامتدت الانتقادات لتطال البنية الأمنية والسياسية للبلاد، إذ علق مواطن بغضب: «الحراش في انتظاركم.. لا ثقة في حكم العسكر»، بينما قارن آخر الأوضاع بالدكتاتوريات الأكثر انغلاقا قائلا: «لقد صدقناك يا تبون.. تقول كلمة تدخل للحبس.. كوريا الشمالية رانا فيها».
ولم يخل التفاعل من توجيه أصابع الاتهام للرئيس شخصيا بتحمل مسؤولية تسميم الأجواء العامة، حيث واجهه معلق بالقول: «يا عمي تبون.. أنت الذي شجعت الشباب على السب والقذف والكراهية والفتنة بين الشعوب في خطاباتك، والآن تأتي لتمثيل دور الحكمة في وسائل الإعلام».
حقوقيون: شعارات فاقدة للمصداقية
دخلت المنظمات الحقوقية على خط السجال، حيث أكد رشيد اعوين، مدير منظمة شعاع لحقوق الإنسان، أن تصريحات تبون تفتقر تماما للمصداقية في ظل استمرار الآلة القمعية وتقييد الحريات الأساسية.
وأوضح اعوين، في تصريح لـLe360، أن الواقع يشهد استمرار احتجاز أزيد من 200 معتقل رأي، مع تواصل الملاحقات القضائية بتهم المساس بالمصلحة الوطنية والإرهاب بناء على المادة 87 مكرر المثيرة للجدل.
إقرأ أيضا : النظام الجزائري يواصل استغلال القضاء لتكميم الأفواه وتصفية الساحة من المعارضين
وكشف مدير المنظمة الحقوقية الكائن مقرها في لندن عن «استمرار الضغوط والممارسات التضييقية عبر بعض المصالح القنصلية في الخارج، والتي تشترط توقيع تعهدات تمس حرية التعبير مقابل الحصول على وثائق رسمية أو جوازات السفر».
وتزامنت هذه التطورات مع خيبة أمل واسعة سادت الأوساط السياسية والحقوقية في البلاد، عقب مرور ذكرى عيد الاستقلال في 5 يوليوز دون صدور أي عفو رئاسي يشمل معتقلي الرأي، على عكس ما جرت عليه العادة في المناسبات الوطنية.
«شعاع» تبدد وعود تبون
أبرزت منظمة «شعاع» في بيان تفصيلي نشرته على موقعها الإلكتروني، الهوة العميقة بين لغة الخطاب الرسمي للنظام الجزائري والواقع المعيش. وذكرت أن الساحة السياسية تشهد تواصل الملاحقات القضائية بحق ناشطين وسياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، إثر ممارستهم السلمية لحرية الرأي والتعبير.
وامتد هذا التضييق، بحسب توثيق المنظمة، ليطال مواطنين عاديين لمجرد إبداء آرائهم حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، بل وصل الأمر إلى منتخبين وأعضاء في المؤسسات التشريعية بسبب مواقفهم السياسية وممارستهم لدورهم الرقابي الطبيعي.
وأوضحت شعاع أن التضييق على المعارضة في الداخل يتخذ أشكالا متعددة من بينها الاعتقالات، والمنع التعسفي من السفر، وفرض القيود الصارمة على الأحزاب والجمعيات والنقابات، بالتزامن مع إقصاء الأصوات المستقلة من وسائل الإعلام، الأمر الذي أفرغ التعددية السياسية من مضمونها الفعلي. وأكدت المنظمة استنادا إلى قاعدة بياناتها استمرار احتجاز أزيد من 200 معتقل رأي في السجون الجزائرية بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية.
ولم تسلم الجالية المقيمة في الخارج من هذه الملاحقات، إذ لفتت المنظمة إلى صدور أحكام قضائية بحق عدد من المعارضين والناشطين المقيمين خارج الحدود بسبب مواقفهم. وجددت التذكير ببيانها الصادر في 14 أكتوبر 2025 بشأن ممارسات التضييق والضغط التي تمارسها بعض المصالح القنصلية بحق مغتربين بسبب آرائهم السياسية أو نشاطهم الحقوقي.
إقرأ أيضا : الجزائر: نداء تبون لمعارضي الخارج.. «تسوية سياسية» أم «فخ» للاستدراج؟
ووجهت المنظمة انتقادات لاذعة لما سمي بمبادرة «لم الشمل» وما أعقبها من إجراءات تسوية أقرها مجلس الوزراء في يناير 2026. ورأت أنها لم ترتقِ إلى مستوى المبادرات الحقيقية القائمة على احترام الحقوق وسيادة القانون، لكونها اشترطت التزام المستفيدين بعدم العود إلى الأفعال محل المتابعة، وربطت العودة إلى الوطن أو الحصول على الوثائق الرسمية، بما فيها جوازات السفر، بتعهدات تمس حرية الرأي والتعبير بشكل مباشر ودون ضمانات قانونية تحمي أصحابها من الملاحقة القضائية اللاحقة.
وفي سياق متصل، شددت الهيئة الحقوقية على أن ملف الحقوق والحريات في الجزائر ظل محل مراسلات متكررة من لدن المقررين الخاصين للأمم المتحدة المعنيين بحرية التعبير، وتكوين الجمعيات، ومناهضة الاعتقال التعسفي، وهي مراسلات تستوجب استجابة عملية وجادة من السلطات بدل الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية العابرة.
وخلصت المنظمة إلى أن الترحيب الحقيقي بالمعارضة لا يقاس بالوعود الشفهية، بل بإرادة سياسية فعلية تترجم فورا إلى الإفراج عن معتقلي الرأي، ووقف الملاحقات القضائية ذات الخلفية السياسية، ورفع القيود عن العمل الجمعوي والحزبي والإعلامي، مع احترام استقلال القضاء وإنهاء توظيف الخدمات القنصلية والوثائق الإدارية وسيلة للضغط أو المساومة، وضمان حق جميع الجزائريين في العودة إلى وطنهم دون تمييز.
