فضيحة الانتخابات التشريعية في الجزائر: بين مقاطعة الأحياء وتصويت الأموات

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعد إدلائه بصوته في الانتخابات التشريعية يوم 2 يوليوز 2026

في 07/07/2026 على الساعة 14:59

فيديولم تسفر نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية عن أي جديد يذكر، بل أعادت رسم نفس ملامح المشهد السياسي التقليدي من خلال منح أحزاب الموالاة أغلبية مريحة داخل المجلس الشعبي الوطني الجديد، بالتزامن مع تراجع لافت لأحزاب المعارضة الإسلامية والقوائم الحرة.

وراء الصورة المضخمة التي روج لها الإعلام الرسمي عبر مشاهد منتقاة بعناية لشباب يتوافدون على مكاتب التصويت، كشفت الأرقام الرسمية عن تسجيل أضعف نسبة مشاركة في تاريخ الاستحقاقات النيابية بالبلاد، الأمر الذي يعري زيف الخطاب الدعائي المحيط بالعملية برمتها.

وهوت نسبة التصويت إلى 20.79 في المائة، حيث لم يتجاوز عدد المصوتين 4.9 ملايين ناخب من أصل نحو 24 مليونا مسجلين في الهيئة الناخبة، وحدث هذا الانكفاء الشعبي الحاد على الرغم من مشاركة 33 حزبا سياسيا وعودة قوى الكتلة الديمقراطية للمنافسة.

وجرت هذه المحطة وسط حملة فاترة حاولت ما يسمى بـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» تبريرها بـتزامن الاستحقاقات مع موجة حر شديدة وانشغال المواطنين بمتابعة بطولة كأس العالم لكرة القدم»، وهي تبريرات واهية تحجب دلالات العزوف الشعبي الحاد.

وسارع رئيس السلطة بالنيابة كريم خلفان إلى التخفيف من عمق المقاطعة بادعائه أن «العزوف عن التصويت ليس خصوصية جزائرية»، قاطعا مسافات طويلة في مقارنة هذا النفور القياسي بما هو قائم في «الديمقراطيات العريقة» في أوروبا وأمريكا وآسيا، في محاولة مكشوفة للالتفاف على الواقع، ومبالغة في الإشادة بـ«شفافية» عملية لم يعد يثق فيها الشعب.

هندسة برلمانية على مقاس قصر المرادية

حافظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على صدارة النتائج بنيله 90 مقعدا من أصل 407 مقاعد. ورغم بقائه القوة الأولى، إلا أنه واصل منزلق التراجع بفقدانه ثمانية مقاعد مقارنة بتشريعيات 2021، وشتان بين واقعه اليوم وحصوله على 164 مقعدا في عهدة 2017.

وفي المقابل، برز شريكه التقليدي في الموالاة، «التجمع الوطني الديمقراطي»، كأكبر الفائزين في هذه المحطة إثر رفعه تمثيله البرلماني من 58 مقعدا سابقا إلى 73 مقعدا حاليا، مستعيدا بذلك موقعه المتقدم كقوة ثانية داخل الغرفة الأولى.

الرقم الانتماء السياسي داخل الوطن خارج الوطن المجموع
1حزب جبهة التحرير الوطني850590
2التجمع الوطني الديمقراطي710273
3جبهة المستقبل570259
4حركة مجتمع السلم4343
5حركة البناء الوطني370138
6الأحرار300232
7صوت الشعب1717
8جبهة القوى الاشتراكية1212
9حزب الحرية والعدالة0606
10حزب الفجر الجديد0606
11حزب الكرامة0505
12حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية0404
13جبهة العدالة والتنمية0404
14حزب العمال0303
15حزب جيل جديد0303
16حزب تجمع أمل الجزائر0303
17حزب الوحدة الوطنية والتنمية0202
18حركة النهضة0202
19حزب التجديد الجزائري0101
20حزب التحالف الجمهوري0101
21حزب جبهة الجزائر الجديدة0101
22حزب جبهة الحكم الراشد0101
23حزب جبهة المواطنين الأحرار0101

وامتدت مكاسب تيار السلطة لتشمل «جبهة المستقبل» التي ارتقت إلى 59 مقعدا، بالتزامن مع تحقيق حزب «صوت الشعب» لأكبر قفزة انتخابية برفع حصته من ثلاثة مقاعد إلى 17 مقعدا، وهو تكتل أعلن سابقا دعمه المطلق لترشح الرئيس عبد المجيد تبون.

وبناء على هذه المعطيات، أضحت أحزاب الأغلبية الرئاسية تحوز رسميا نحو 277 مقعدا، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع مع انضمام النواب المستقلين والتنظيمات الصغيرة، مما يمنح الرئيس عبد المجيد تبون غطاء سياسيا مريحا لتمرير السياسات الاقتصادية ومشاريع القوانين الحساسة، وسط أزمة غلاء خانقة تؤرق الأسر الجزائرية.

فضيحة «الأموات» تعري العبث الانتخابي

لم يقف المشهد عند حدود المقاطعة الشعبية القياسية، بل امتد ليفجر فضائح من العيار الثقيل كشفت عورة العملية الانتخابية برمتها.

وجاءت الشهادة هذه المرة من قلب معسكر الموالاة، حيث طالب رئيس حركة البناء الوطني، عبد القادر بنقرينة، المعروف بتزلفه المطلق للنظام، بفتح تحقيق عاجل إثر تواتر معلومات تؤكد تصويت مئات الأموات في بعض مكاتب الاقتراع.

وكشف بنقرينة أن أجهزة الدولة مطالبة بالتحري حول تقييد أصوات 2200 متوفى صوتوا في ثلاثة مراكز اقتراع ببلدية عزيل عبد القادر بولاية بريكة، واصفا هذه الواقعة بأنها أسوأ من تجاوزات مماثلة شهدتها العاصمة، مما أطلق موجة عارمة من السخرية السوداء على منصات التواصل الاجتماعي.

وجاء هذا التلاعب الفج ليزيد من تآكل مصداقية مسار يفتقر أصلا للشرعية الشعبية، ومما يكرس الهوة السحيقة بين سلطة تبحث عن واجهة دستورية وبين مواطنين يصارعون يوميا من أجل لقمة العيش وتأمين حاجياتهم الأساسية.

دلالات المقاطعة وسقوط وهم التغيير

يرى مراقبون أن هذا العزوف القياسي يمثل رسالة سياسية جماعية بليغة تتجاوز مجرد الامتناع الفردي العابر، فهو يجسد قطيعة تامة لحبل الثقة بين الشارع والمؤسسات المنتخبة، لا سيما أنها ثاني انتخابات نيابية تعقب حراك 22 فبراير 2019 الذي طالب بتغيير جذري ومحاربة الفساد.

وفي هذا السياق، كتب نوري إدريس، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة محمد لمين دباغين في الجزائر، أنه «لا يمكن منطقيا مطالبة المواطنين بمشاركة سياسية عبر الصناديق بالتزامن مع حرمانهم من ممارسة السياسة في الفضاء العام»، مشيرا إلى أن «الحملة الانتخابية أفرغت تماما من أي سجال حقيقي أو نقد لسياسات الحكومة الحالية إثر إحكام السلطات قبضتها على الحقل العام.»

ويرى مدير منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» رشيد عوين، أن نسبة المشاركة المتدنية «تعكس عمق أزمة الثقة والقطيعة القائمة بين شريحة واسعة من الجزائريين والمسار السياسي الذي تشكل عقب محطة الانتخابات الرئاسية لسنة 2019».

وزاد عوين موضحا أنه «لا يمكن بأي حال قراءة هذه النتائج بمعزل عن الظروف التي سبقت الاقتراع، وفي مقدمتها العزوف الواسع والمقاطعة، ناهيك عما رافق العملية الانتخابية برمتها من سجال حول شروط المنافسة والمشاركة السياسية».

من جهته، أكد البرلماني السابق عن الجالية، عبد الوهاب يعقوبي، أن «امتناع أربعة أخماس الهيئة الناخبة يطرح سؤالا جوهريا حول جدوى عملية تحولت في نظر المجتمع إلى مجرد إجراء شكلي صوري لا يفضي إلى تغيير حقيقي في موازين القرار والتأثير الحقيقي».

وتأسيسا على ما سبق، يتضح جليا أن الانتخابات في البيئة السياسية الجزائرية الحالية ليست سوى آلية صورية تفتقر لأبسط مقومات التنافس الديمقراطي النزيه، إذ يوظفها النظام العسكري كأداة ضبط وهندسة يتم التحكم بمدخلاتها ومخرجاتها بدقة لخدمة مصالح النواة الصلبة للنظام ورموزه، بعيدا كل البعد عن تطلعات البلاد والعباد في التغيير والعيش الكريم.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 07/07/2026 على الساعة 14:59