غضب في الجزائر إثر بث التلفزيون التونسي خارطة للمغرب تضم «الصحراء الشرقية»

Capture d'écran de la séquence diffusée par la chaîne publique tunisienne El Wataniya affichant une carte du Maroc incluant le territoire du Sahara oriental.

لقطة شاشة للمقطع الذي بثته قناة "الوطنية" التونسية العامة، تظهر خريطة للمغرب متضمنة أراضي الصحراء الشرقية

في 13/06/2026 على الساعة 20:38

أثار بث القناة الوطنية التونسية خارطة للمغرب تشمل أراضي «الصحراء الشرقية»، في ما وصف بـ«الهفوة التقنية»، رد فعل غاضب ومتشنج من النظام الجزائري الذي سارع إلى المطالبة باعتذار رسمي. خطوة تكشف بوضوح حجم القلق المتزايد الذي يعتري قصر المرادية تزامنا مع المفاوضات الجارية بشأن قضية الصحراء.

ولم يتطلب الأمر سوى رسم بياني بسيط على شاشة التلفزيون التونسي ظهرت فيه خارطة للمغرب تضم أراضي الصحراء الشرقية، ليفجر أزمة عصبية في هرم السلطة الجزائرية. وخلف الطابع الهامشي لهذه «الهفوة» المرتكبة في بلد يقع تحت النفوذ المباشر للنظام الجار، تتوارى حقيقة سيكولوجية أعمق؛ هلع وجودي يربك نظاما يطارده شبح تركيبته الترابية، وتؤرقه الشرعية التاريخية للمغرب في صحرائه الشرقية.

ووقعت الحادثة خلال البث المباشر لبرنامج «ستوديو المونديال» المواكب لإقصائيات كأس العالم 2026 على القناة الرسمية «الوطنية». وخلال العرض، تفاجأ المشاهدون، ومعهم السلطات الجزائرية، بظهور خارطة جغرافية غطى فيها العلم المغربي كامل الصحراء، وامتد ليشمل جزءا كبيرا من المنطقة الغربية للأراضي التي اقتطعتها فرنسا الاستعمارية وضمتها إلى الجزائر.

Capture d'écran de la séquence où la chaîne publique tunisienne El Wataniya affichant une carte du Maroc incluant le territoire du Sahara oriental.

وجاء رد فعل نظام الجزائر سريعا ودون تأخير؛ إذ تحركت الآلة الرسمية وفيلق من الناشطين السيبرانيين على منصات التواصل الاجتماعي لممارسة ضغوط قصوى على تونس. وأمام حجم الجدل المتصاعد، تسرب الارتباك إلى ردهات التلفزيون التونسي، ليتدخل مقدم البرنامج في اليوم الموالي مباشرة على الهواء مستعرضا اعتذارا علنيا، ومبررا ما حدث بالخطأ غير المقصود.

وفي السياق ذاته، سارع المدير العام للتلفزيون التونسي، شكري بن نصير، إلى تقديم اعتذار رسمي، معلنا عن اتخاذ عقوبات صارمة في حق التقنيين والمسؤولين عن تمرير تلك اللقطة، إلى جانب فرض إجراءات مراقبة صارمة ومشددة مستقبلا.

هذا السلوك ليس غريبا؛ فليست هذه المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يظهر فيها النظام الجزائري بكل هذا التحسس والتوجس كلما جرى الاقتراب من ملف «الصحراء الشرقية»، ولو كان ذلك بمقدار سمك خط قلم على خارطة.

الخوف الوجودي من الحدود الاستعمارية

وفي وقت تسير فيه النقاشات حول ملف الصحراء بخطى متسارعة تحت الإشراف الأمريكي ورعاية الأمم المتحدة، تكشف الجزائر تدريجيا عن هواجسها الكبرى. فالأمر بالنسبة إلى قادة الجزائر في مرحلة ما بعد المفاوضات وإنهاء النزاع، الذي يتجه حتما نحو مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، لا يتوقف عند مصير الأقاليم الجنوبية، بل يرتبط بقضية وجودية أعمق تتجلى في تحصين الحدود الموروثة عن «الجزائر الفرنسية».

وفي قراءة دالة نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سلطت الباحثتان سابينا هينبرغ وزهيرة مديني الضوء على الخلفية التاريخية لهذا النزاع.

وتأسيسا على «اعترافات» استقتها الباحثتان من دبلوماسيين جزائريين، تأكد أن معركة الحدود هي الرهان الحقيقي بالنسبة إلى الجزائر، المرعوبة من فكرة إعادة طرح ملف «الصحراء الشرقية» بشكل رسمي، وهي الأراضي المغربية الضاربة في التاريخ والتي بترتها فرنسا الاستعمارية لتوسيع مقاطعتها في شمال إفريقيا.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن مشاركة الجزائر في المحادثات لا تستهدف الدفاع عن الساكنة، بل تبحث عن ضمانات قطعية؛ مفادها أنه بمجرد إغلاق ملف الصحراء نهائيا على أرضية الحكم الذاتي، يتعين على الرباط ألا تطالب بأراضيها التاريخية التي ضمتها فرنسا.

ويعود هذا الهوس بالحدود إلى بدايات تأسيس الجزائر المستقلة. وتكشف أرشيفات مصلحة التوثيق الخارجي والتجسس المضاد الفرنسية (SDECE) عن وثيقة رسمية تعود إلى سنة 1966، تعد مفتاحا لفهم سيكولوجية السلطة الجزائرية، وقد صيغت أثناء مؤتمر أديس أبابا الذي نظمته منظمة الوحدة الإفريقية.

وفي تلك الفترة، التي تلت مباشرة الإطاحة بالرئيس أحمد بن بلة من قبل العسكري هواري بومدين، أكد الممثل الجزائري حرفيا أنه «من الوهم منح الاستقلال لإقليم لا يتعدى سكانه 50 ألف نسمة»، مشددا على أن «الجزائر لا يمكنها الوقوف موقف المتفرج تجاه مصير الصحراء الإسبانية».

وبعبارة واضحة، كانت الجزائر في سنة 1966، وهي التي تصنف نفسها «مكة الثوار»، تدعم علنا استمرار الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء، لغرض وحيد يتجلى في معاكسة المطالب المشروعة للمغرب.

بناء على ذلك، فإن الدعم اللاحق الممنوح لجبهة «البوليساريو» يندرج ضمن استمرارية جيوسياسية واضحة؛ هدفها منع المملكة من تعزيز عمقها الاستراتيجي الذي قد يحيي، عاجلا أم آجلا، قضية الصحراء الشرقية.

وكما كان الحال في سنة 1966، لا يكترث النظام الجزائري مطلقا بمصير الساكنة؛ فبعدما تلاشت طموحاته في تأمين منفذ مباشر نحو المحيط الأطلسي، انكمشت استراتيجيته في خط دفاعي صرف.

وهو ما أشار إليه تحليل معهد واشنطن تلميحا بالقول إن التعتيم المفروض على مضمون المفاوضات السرية الجارية يأتي بطلب ملح من الدبلوماسية الجزائرية، التي تحاول إخفاء أوراقها للتغطية على مخاوفها الوجودية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 13/06/2026 على الساعة 20:38