يوم 29 يوليوز 2026، قدم اتحاد شركات الطيران الإفريقية نظرة شاملة على الربط الجوي في القارة. ويكشف تقرير المسارات والربط الجوي، الذي يغطي النصف الثاني من عام 2025 ويستند إلى معطيات دليل الطيران الرسمي لأفضل 100 مسار في كل قطاع (محلي، وبين الدول الإفريقي، ودولي)، عن أجواء متعددة السرعات.
استنادا إلى هذه الوثيقة، يكشف التحليل المقارن لأحجام المسافرين، وتركز المحاور، والتوزيع الجغرافي عن فائزين بارزين، وروابط ضعيفة، ومنطقة جغرافية غائبة: وسط إفريقيا.
المسارات الداخلية
مع 13.4 مليون مسافر على أفضل 100 خط، يعد قطاع المسارات الداخلية الأكبر بين القطاعات الثلاثة. تهيمن دولتان على معظم التدفقات الأكبر. يتصدر مسار كيب تاون- جوهانسبرغ القائمة بـ1.99 مليون مسافر، يليه مسار ديربان- جوهانسبرغ، بـ1.39 مليون مسافر. ويحتل المسار السياسي والاقتصادي النيجيري أبوجا- لاغوس المرتبة الثالثة (850 ألف مسافر)، يليه مباشرة مسار كيب تاون- ديربان (650 ألف مسافر) ومسار كيب تاون- لانسيريا (450 ألف مسافر).
وباختصار، تستحوذ جنوب إفريقيا على أربعة من أفضل خمسة مسارات محلية. يؤكد التقرير على أهمية مسارات كيب تاون- جوهانسبرغ وأبوجا- لاغوس، مشيرا إلى دورها المحوري في تعزيز أهمية المسارات الداخلية الرئيسية، التي تعد بمثابة شرايين حقيقية للتنقل والنشاط الاقتصادي على المستوى الوطني.
إلا أن احتكار جنوب إفريقيا لأكبر المسارات الداخلية يخفي واقعا أكثر تعقيدا. ففي تصنيف المراكز حسب عدد مرات ظهورها ضمن أفضل 100 مركز، تتصدر أديس أبابا القائمة بـ13 مركزا، متقدمة على جوهانسبورغ (12 مركزا) ولاغوس (12 مركزا). لا توجد أي خطوط ربط لإثيوبيا ضمن أفضل 5 مراكز، لكنها تتميز بشبكة أكثر كثافة على المستوى الداخلي. ويعكس هذا شبكة داخلية كثيفة ولكنها مجزأة، تعتمد على عدد كبير من خطوط الربط بدلا من عدد محدود من الممرات الرئيسية، وهو نموذج يختلف بنيويا عن نموذج جنوب إفريقيا.
مسارات بين البلدان الإفريقية
لا تزال الرحلات الجوية بين الدول الإفريقية في مرتبة متأخرة: 4.1 مليون مسافر على أفضل 100 خط، أي أقل بثلاث مرات من المسارات الداخلية. مع ذلك، تظهر المسارات الخمسة الأولى صورة واضحة. إذ يصل عدد المسافرين على خط طرابلس- تونس إلى ذروته عند 380 ألف مسافر، ما يعكس محدودية حركة التنقل بين ليبيا وجارتها.
أما خط هراري- جوهانسبرغ (225 ألف مسافر) وخط مقديشو- نيروبي (70 ألف مسافر) فيبرزان الروابط الاقتصادية والجالية بين جنوب إفريقيا والقرن الإفريقي وشرق أفريقيا. يليهما خط الجزائر- تونس (150 ألف مسافر) وخط عنتيبي- نيروبي (130 ألف مسافر).
ويشير التقرير إلى أن «الربط الجوي بين الدول الإفريقية لا يزال مركزا حول أربعة محاور رئيسية: جوهانسبرغ، ونيروبي، وتونس، والقاهرة». وهكذا، تتصدر جوهانسبرغ القائمة بـ22 حضورا ضمن أفضل 100، تليها نيروبي (14) ثم تونس (12)، ثم القاهرة (12)، وأخيرا الدار البيضاء (10).
وبالتالي، تمر معظم الروابط الإقليمية عبر عدد محدود من نقاط الدخول، بدلا من شبكة مباشرة بين الأسواق الثانوية. وإذا كان هذا الأمر يضمن نوعا من الصلابة للمراكز القائمة، إلا أنه يعيق ظهور ممرات جديدة ويجعل النظام عرضة للاكتظاظ.
avion d’Ethiopian Airlines sur une piste régionale. Sans figurer dans le top 5 des routes domestiques, Addis-Abeba s’impose comme premier hub par le nombre de liaisons (13 apparitions), grâce à un maillage dense de petites lignes.. DR
المسارات الدولية
يتميز قطاع الرحلات الدولية (9.3 مليون مسافر على أفضل 100 خط) بطابعٍ لا لبس فيه: الربط بين شمال أفريقيا وفرنسا. وترتبط أفضل خمسة خطوط دولية مزدوجة بباريس حصريا. ويحتل خط الجزائر- باريس شارل ديغول (556 ألف مسافر) وخط الجزائر- باريس أورلي (480 ألف مسافر) المركزين الأول والثاني، يليهما خط أورلي- ريونيون (450 ألف مسافر)، ثم خط أورلي- تونس (440 ألف مسافر)، وأخيرا خط أورلي- مراكش (380 ألف مسافر). وتجمع هذه الخطوط بين السياحة، والزيارات العائلية، وتدفقات الجالية.
يسجل مطار باريس أورلي 20 حضور ضمن أفضل 100 مطار دولي، ومراكش 18 حضورا، وباريس شارل ديغول 12 ، والقاهرة 11، والجزائر 10. ويخلص التقرير إلى أن: «الربط الدولي يميل بشدة نحو ممر واحد، شمال إفريقيا (الجزائر، تونس، المغرب، مصر) إلى فرنسا، بدلا من التوجه نحو الشرق الأوسط أو الخليج كما كان الحال في فترات سابقة».
هذا التوجه يعرض شركات الطيران والاقتصادات لخطر الاعتماد الثنائي، بينما يبقي مناطق شاسعة من إفريقيا جنوب الصحراء غائبة فعليا عن قائمة أفضل 100 مطار للرحلات الطويلة.
مطار واحد فقط تمكن من دخول قائمة أفضل 5 مطارات محورية في جميع القطاعات الثلاثة: مطار القاهرة، بحصوله على 8 حضور للمسارات الداخلية، و12 للمسارات الإفريقية، و11 للمسارات الدولية. يعكس هذا دورها كحلقة وصل متكاملة متعددة النطاقات بدلا من كونها مركزا رئيسيا واحدا، وهو تكوين أكثر صلابة حتى وإن كان لا يزال يركز المخاطر على مدينة واحدة. لا يهيمن أي مطار على أي قطاع، فالبنية يبقى موزعا. تتصدر أديس أبابا المسار الداخلي، وجوهانسبرج المسار الأفريقي، وأورلي المسار الدولي، دون أن تتجاوز حصتها نسبة متواضعة من الإجمالي.
تشير الدراسة إلى «تناظر اتجاهي ملحوظ» عبر معظم المسارات، بمتوسط اختلال أقل من 3%. ثلاثة استثناءات تؤكد هذه القاعدة. يظهر مسار دار السلام- زنجبار الداخلي اختلالًا بنسبة 20.5%، والمسار الإفريقي نيروبي- زنجبار بنسبة 12.2%. في كلتا الحالتين، تعد زنجبار وجهة سياحية موسمية ذات حركة نقل وافدة كثيفة. على الصعيد الدولي، يرفع مؤشر الغردقة-زيورخ نسبة الاختلال إلى 7.3%، وهو ما يكشف عن نفس منطق المنتجعات الساحلية المصرية الموجهة نحو أوروبا. ويوصي التقرير قائلا: «تشير هذه الاختلالات، على الرغم من كونها متواضعة في الحجم الإجمالي، إلى طلب غير موسمي، ومن المفيد توقعه لتعديل الطاقة الاستيعابية».
إدماج شمال إفريقيا وعزلة وسط إفريقيا
يمكن ملاحظة إحدى أكثر الأمور دلالة في مؤشر الربط بين المناطق الفرعية في إفريقيا. تتميز شمال أفريقيا بمعدل داخلي يبلغ 74%، ويصل إلى 34% مع غرب إفريقيا، وهو أفضل معدل إقليمي له. أما جنوب إفريقيا، فيستقر عند 49% داخليا، و3% فقط مع غرب إفريقيا. ويصل شرق إفريقيا إلى 48% داخليا، و22% مع جنوب إفريقيا، لكنه ينخفض إلى 7% مع غرب إفريقيا.
لا تزال منطقة وسط أفريقيا معزولة إلى حد كبير: 45% داخليا، و21% مع الشمال، و15% مع الغرب، و13% مع الشرق، و10% مع الجنوب. تظهر خرائط المسارات النشطة أن تشاد والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى تكاد تخلو من الخطوط، على الرغم من مساحتها. هذه المناطق لا يمكن تحديدها بمجرد تصنيف أفضل 100 مسار، تحديدا لأنها غير مدرجة. هذه هي النقطة السوداء الأكثر إثارة للقلق فيما يتعلق بالاندماج القاري.
امام هذا الواقع، يحدد التقرير مسارات استراتيجية يجب استكشافها. تظهر الفجوة بين 4.1 مليون مسافر داخل أفريقيا و13.4 مليون مسافر محليا الإمكانات الكبيرة للتطور التي يعد بها سوق النقل الجوي الأفريقي الموحد. لكن الطريق لا يزال محفوفا بالتحديات. أصبح «تقييم نشر طائرات ذات أحجام مناسبة على المسارات الأفريقية ذات الحجم المنخفض، أو غير المتوازنة، أو التي تعاني من نقص الخدمات» مسألة ملحة. يقترح التقرير أيضا مراقبة حقوق الحرية الخامسة لكسر الاحتكار الحالي لمراكز جوهانسبرج/نيروبي/تونس/القاهرة. ويدعو التقرير إلى دراسة ما إذا كان التمركز المفرط لممر المغرب الكبير-فرنسا ظاهرة مؤقتة أم خللا بنيويا حقيقيا، قبل استخلاص أي استنتاجات لتخطيط الشبكة.
ولا يقتصر هذا التقرير الصادر عن اتحاد شركات الطيران الإفريقية على مجرد تصنيف، بل يقدم منظورا أوسع بكثير. فهو يكشف عن جغرافية اقتصادية لا يزال فيها الإرث التاريخي والديمغرافية وندرة المراكز تحدد تدفقات حركة النقل الجوي. تهيمن جنوب أفريقيا على المسارات المحلية، بينما يحتكر المغرب الكبير المسارات الدولية، وتحافظ حفنة من المطارات الرئيسية على ربط إقليمي يبقى، في معظمه، وعدا سياسيا لا واقعا ملموسا بالنسبة لغالبية الأفارقة.






