هل ألهبت الولائم الانتخابية أسعار الدجاج بالمغرب؟ مهنيون يكشفون أسباب الأزمة وموعد انفراجها

طبق "الدجاج المحمر" يعد من بين أقوى وسائل استمالة الناخبين خلال مواسم الولائم الانتخابية في المغرب

في 19/09/2026 على الساعة 10:06

قفزت أسعار لحوم الدجاج قفزة لافتة في أسواق المغرب تزامنا مع انطلاق الحملة الانتخابية الممهدة لتشريعيات 23 شتنبر 2026، كاسرة مسارا طويلا من الركود والانهيار السعري الذي شهده القطاع طيلة الصيف. وصعد سعر تقسيط الكيلوغرام في أسواق العديد من المدن الكبرى من 17 درهما ليبلغ 24 درهما، الأمر الذي أطلق موجة تكهنات تربط بين هذا الغلاء وشراهة الاستهلاك التي تفرضها الولائم الحزبية لاستمالة أصوات الهيئة الناخبة.

وحرك هذا التوقيت الحرج شكوكا شعبية عارمة ربطت غلاء الدجاج بحمى الولائم الانتخابية، وسط سجال متصاعد حول مدى مسؤولية مطابخ المرشحين عن هذا الاشتعال المفاجئ. وكشفت مصادر متفرقة من أوساط باعة الدجاج بالتقسيط بالدار البيضاء عن تسجيل تدفق استثنائي في الطلبيات من طرف بعض «الدكاكين الانتخابية»، التي سارعت إلى حجز كميات ضخمة لتأمين ولائم الإطعام الجماعي الموجهة لاستمالة أصوات الناخبين داخل الدروب والأحياء الشعبية، الأمر الذي عزز فرضية تورط هذا الاستهلاك الحزبي المكثف في تجفيف معروض الأسواق ودفع ثمن الكيلوغرام نحو عتبة 24 درهما.

وليمة انتخابية باذخة

تحولت واقعة «قصريات المدهوسة» المنسوبة إلى البرلماني عن حزب الحركة الشعبية بإقليم سيدي قاسم، عبد النبي العيدودي، إلى إحدى أبرز المحطات الدالة على توظيف الإطعام الجماعي في المشهد الانتخابي المغربي.

وتفجرت الواقعة إثر تداول مقاطع مصورة توثق اصطفاف 196 من القصاع الفخارية المحملة بطبق «المدهوسة» المغطى بالدجاج، في مشهد استعراضي واسع داخل نفوذه بجماعة الحوافات بمنطقة الغرب، لإطعام مئات المواطنين والأنصار.

وفي هذا الصدد، تجاوز الحدث نطاقه المحلي ليتحول إلى مادة سجال سياسي وإعلامي لافت على منصات التواصل الاجتماعي. ورأت فعاليات مدنية وحقوقية أن استعراض تلك الكميات الكبيرة من الطعام يعكس شكلا صارخا لـ«ديمقراطية البطون»، حيث يتم استغلال هشاشة العالم القروي لتوجيه أصوات الناخبين عبر الولائم والوجبات الدسمة بدل التنافس بالبرامج والمشاريع التنموية.

وعلى النقيض من ذلك، دافع عن تلك المأدبة مقربون من البرلماني، المعروف بخرجاته الخطابية المثيرة للجدل تحت قبة البرلمان، معتبرين إياها تعبيرا أصيلا عن «الكرم الغرباوي» وتقاليد الضيافة القروية المتوارثة.

وشدد أنصار العيدودي على أن استقبال وفود القبائل والزوار في البادية لا يستقيم دون إكرام الحاضرين بالطبق التقليدي للمنطقة، نافين أي علاقة مباشرة للوليمة بمحاولات استمالة الهيئة الناخبة أو التأثير على إرادتها.

وبالتوازي مع تلك التبريرات، تحولت «قصريات العيدودي» إلى رمز تهكمي من تحول بعض المقرات الحزبية إلى مطابخ ضخمة تجفف منابع العرض وتلهب بورصة التقسيط.

لغة الأرقام تكشف أسباب الأزمة

بيد أن تشريح الفاعلين المهنيين للواقع الميداني يقدم رواية مغايرة تماما تدحض فرضية الاستهلاك الانتخابي، وتضع انكماش العرض في صلب الأزمة الراهنة. إذ أكد مهنيون في قطاع الدواجن عبر معطيات الميدان أن حركة التداول تشهد انكماشا وليس طفرة طلب.

وجزم مصطفى منتصر، رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن (APVE)، بأن ربط الغلاء بموائد الحملات مجرد وهم يفتقر للسند، مستدلا -في تصريح لـLe360- بانحدار حجم الإنتاج الوطني بنسبة قاربت 40 في المائة، بعد تراجعه من 12.5 مليون إلى نحو 7.5 مليون كتكوت أسبوعيا.

وتقاطع هذا الموقف مع تأكيدات محمد عبود، رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، الذي استبعد بدوره تأثير الحملة الانتخابية. وكشف عبود، في تصريح مماثل، أن عدد الشاحنات المحملة بالدواجن المتدفقة على سوق الجملة بالدار البيضاء سجل خلال الأيام الأخيرة تراجعا حادا مقارنة بفصل الصيف، ما يدحض -حسبه- أي فرضية تتحدث عن ضغط استهلاكي استثنائي ناجم عن التجمعات الحزبية.

تصادم الرؤى بين دورة الإنتاج وحرب الاحتكار

ترجع جذور هذا الاختلال في ميزان العرض والطلب، بحسب مصطفى منتصر، إلى مرحلة ما قبل عيد الأضحى التي شهدت وفرة إنتاجية قياسية قوبلت بتراجع حاد في الطلب، مما أفضى إلى تكدس الطيور داخل المزارع وهبوط الأسعار نحو مستويات مدمرة تراوحت بين 6 و8 دراهم للكيلوغرام بمناطق الإنتاج.

ودفعت هذه الخسائر المتلاحقة أفواجا من المربين نحو الخروج القسري من الدورة الإنتاجية والعزوف عن ملء الحظائر خلال شهري ماي ويونيو، في حين اضطر أصحاب الحاضنات إلى التخلص المبكر من أمهات الدواجن بعدما تدنى ثمن الكتكوت إلى حدود 30 سنتيما، وهو ما انعكس على شكل شح قاسي في الإمدادات مع حلول شهر شتنبر.

وعلى النقيض من هذا الطرح المبرر بآليات السوق، وجه محمد عبود أصابع الاتهام مباشرة إلى أصحاب المفاقس الكبرى، متهما إياهم بـ«تعمد تقليص الإنتاج لهندسة أزمة مفتعلة ترفع الأسعار وتتيح لكبار الفاعلين مراكمة أرباح خيالية على أنقاض رؤوس أموال المربين الصغار».

ودعا مصطفى منتصر لتطويق هذه الاختناقات المتكررة، إلى «تفعيل وحدات التبريد وتشجيع المجازر الصناعية على استيعاب الفوائض وتجميدها إبان وفرة الإنتاج لطرحها أوقات الندرة».

متى ستتراجع أسعار الدجاج؟

يرهن مهنيو القطاع عودة التوازن إلى أسواق الدواجن باستكمال دورة الإنتاج ومعالجة الاختلالات البنيوية التي تحكم سلاسل التوريد.

وفي هذا الصدد، توقع منتصر مصطفى استمرار قلة المعروض وارتفاع الأسعار طيلة شهر شتنبر والنصف الأول من شهر أكتوبر، قبل أن تسلك الأثمنة مسارا تنازليا نحو مستوياتها المعتادة، المحددة بين 12 و14 درهما للكيلوغرام، ابتداء من أواخر شهر أكتوبر وخلال شهري نونبر ودجنبر.

وأوضح رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن أن استعادة السوق لاستقرارها تستوجب انقضاء دورة التربية والتسمين التي تتعدى 70 يوما بين التفقيس والعلف، تزامنا مع استئناف المربين لنشاطهم داخل الضيعات.

وعلى النقيض من هذه الروزنامة التقنية، ربط محمد عبود أي انفراج حقيقي بتفكيك قبضة اللوبيات ولجم مضاربات الوسطاء، معتبرا أن استقرار السعر في مستويات عادلة تخدم القدرة الشرائية يمر حتما عبر وفاء الأطراف الموقعة على عقد البرنامج بالتزاماتها، خاصة خفض تكاليف الإنتاج وتوجيه المنتوج نحو المجازر الصناعية المعتمدة.

ونبه رئيس الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم إلى أن غياب الشفافية في تدبير السوق سيجعل أي تراجع في الأسعار مجرد هدنة مؤقتة، محذرا من استمرار الوضع الحالي الذي ينذر بتكرار سيناريو أزمة اللحوم الحمراء وعجز القطاع عن تأمين الاكتفاء الذاتي للمواطنين.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 19/09/2026 على الساعة 10:06