قبل موسم الأمطار.. كم فقدت السدود المغربية من قدراتها التخزينية بسبب التوحل؟

سد الوحدة بجهة فاس-مكناس

في 17/09/2026 على الساعة 10:52

بعد موسم مطري استثنائي، عرف واردات مائية مهمة وارتفاعا لافتا في حقينات عدد من السدود، تتجه وزارة التجهيز والماء إلى تحيين المعطيات التقنية المرتبطة بعشرة سدود كبرى بالمملكة، من خلال تقييم حجم الرواسب والأوحال المتراكمة داخل حقيناتها، وإعادة تحديد قدرتها الفعلية على التخزين، في عملية تروم توفير صورة دقيقة عن وضعية هذه المنشآت قبل استقبال واردات مائية جديدة خلال الموسم المطري المقبل.

وتشمل العملية، حسب منصة «الما ديالنا»، التابعة لوزارة التجهيز والماء، سد وادي المخازن بإقليم العرائش، أحد أهم منشآت حوض اللوكوس، والذي تبلغ سعته التخزينية نحو 672.8 مليون متر مكعب. وقد عاش، خلال الموسم المطري الأخير، وضعية استثنائية، إذ تجاوز سعته الاعتيادية منذ السادس من يناير 2026، كما ارتفع مستوى المياه في حقينته بأربعة أمتار فوق المستوى التاريخي المسجل منذ بدء استغلال السد عام 1972، دون تسجيل اختلالات غير اعتيادية في المنشأة وتجهيزاتها.

وبالحوض نفسه، تشمل الدراسة سد الشريف الإدريسي، الواقع بإقليم تطوان، بسعة تخزينية تناهز 121.6 مليون متر مكعب، وسد النخلة الذي تبلغ سعته نحو 4.21 ملايين متر مكعب، ليكون أصغر المنشآت العشرة من حيث الطاقة التخزينية، فيما تكتسي هذه السدود أهمية في تعبئة الموارد المائية وتأمين حاجيات المناطق المستفيدة منها، ما يجعل معرفة حجم الرواسب المتراكمة داخل حقيناتها عنصرا أساسيا لتحيين قدرتها الفعلية على التخزين.

وفي حوض سبو، يبرز سد الوحدة، المقام على وادي ورغة إقليم وزان، والذي يعد من أكبر السدود بالمملكة، بسعة تخزينية تفوق 3.52 مليارات متر مكعب، وقد شهد خلال الموسم المائي الأخير ارتفاعا استثنائيا في الواردات، إذ بلغت نحو 3.809 مليارات متر مكعب بين فاتح شتنبر 2025 و14 فبراير 2026، أي ما يعادل 169 في المائة من متوسط سنة عادية، بينما بلغت نسبة ملء الحقينة في 13 فبراير 2026 نحو 93.56 في المائة، وهو ما استدعى مواصلة تدبير الواردات بشكل استباقي عبر عمليات تفريغ منتظمة للحفاظ على سلامة المنشأة واستيعاب أي واردات جديدة.

وتهم العملية أيضا سد المنصور الذهبي، المقام على وادي درعة بإقليم ورزازات، وسد الحسن الداخل على وادي زيز، إلى جانب سدود غيس ومحمد الخامس ووادي زا ومشرع حمادي بالمنطقة الشرقية، وهي منشآت تختلف من حيث حجم حقيناتها وطبيعة الأحواض التي تغذيها، وبالتالي تختلف أيضا كمية الرواسب التي يمكن أن تصل إليها بفعل انجراف التربة والجريان السطحي والتساقطات القوية، الأمر الذي يستدعي قياسا منفصلا ودقيقا لوضعية كل حقينة.

وتأتي هذه العملية في سياق هيدرولوجي عرف تحسنا كبيرا خلال الموسم الماضي، إذ بلغت الواردات المائية المسجلة بمختلف سدود المملكة بين فاتح شتنبر 2025 و28 يناير 2026 نحو 5.829 مليارات متر مكعب، فيما تم تسجيل أكثر من 5.407 مليارات متر مكعب منها خلال الفترة الممتدة من 12 دجنبر إلى 28 يناير فقط، أي ما يمثل حوالي 92.76 في المائة من مجموع الواردات المسجلة منذ بداية الموسم، وهو ما انعكس على حقينات السدود التي ارتفع معدل ملئها من 31.1 في المائة في 12 دجنبر إلى 75 في المائة في 28 ماي الماضي.

لكن خلف هذه الأرقام المتعلقة بالمياه المخزنة، توجد أرقام أخرى لا تظهر في نشرات الملء اليومية، وتتعلق بحجم الرواسب التي استقرت في قيعان السدود على مدى سنوات، فكلما حملت التساقطات والجريان السطحي كميات من التربة والرواسب نحو الأودية، انتهى جزء منها إلى الاستقرار داخل الحقينات، وهو ما يؤدي تدريجيا إلى تقليص الحجم المتاح للتخزين، لذلك ستعمل الدراسة الجديدة على قياس هذا التراكم ومقارنته بالمعطيات السابقة لتحديد مدى تطور ظاهرة التوحل.

ولهذا الغرض، ستعتمد العملية على رفوعات باثيمترية وطبوغرافية دقيقة لقياس أعماق ومساحات وأحجام المياه داخل الحقينات، إلى جانب تقنيات متعددة في المناطق العميقة والمناطق الأقل عمقا، بما يسمح بإعادة تشكيل تضاريس قاع الحقينة وإعداد نماذج رقمية دقيقة، ثم وضع منحنيات جديدة تربط بين منسوب المياه والمساحة وحجم التخزين.

وستمكن مقارنة القياسات الجديدة بالحملات السابقة، تحديد المناطق التي تعرف أكبر تراكم للرواسب، وقياس تطور حجم الأوحال داخل كل سد، مع محاولة تفسير مصادرها والعوامل التي تساهم في نقلها، خصوصا خلال الفترات التي تعرف تساقطات قوية وفيضانات، وهي المعطيات التي ستساعد في تحديد ما تبقى فعليا من السعة التخزينية لكل حقينة، بدل الاكتفاء بالسعة النظرية المسجلة عند إنشاء السد.

وستحظى حقينتا الشريف الإدريسي وغيس بتحليل أكثر تفصيلا، يشمل نمذجة هيدرولوجية ورسوبياتية لمحاكاة الجريان السطحي وانجراف التربة ونقل المواد الصلبة داخل الأحواض المائية، وستأخذ هذه النماذج بعين الاعتبار مجموعة من المعطيات المرتبطة بالتضاريس والتساقطات والحرارة والرياح والرطوبة واستعمالات الأراضي، إلى جانب الاستفادة من صور أقمار اصطناعية عالية الدقة.

وتتوزع الأشغال على مجموعتين تضم كل واحدة منهما خمسة سدود، على أن تستغرق مدة إنجاز كل مجموعة ثمانية أشهر، فيما تقدر الكلفة الإجمالية للدراسة بنحو 7.66 ملايين درهم، موزعة بين 4.86 ملايين درهم للحصة الأولى التي تشمل سدود وادي المخازن والشريف الإدريسي والنخلة والوحدة والمنصور الذهبي، ونحو 2.80 مليون درهم للحصة الثانية التي تهم سدود غيس ومحمد الخامس ووادي زا ومشرع حمادي والحسن الداخل.

وتكمن أهمية التشخيص الحالي في أن معرفة حجم الرواسب لا تسمح فقط بتحديد كمية السعة التي فقدتها الحقينات، وإنما توفر أيضا أساسا لاتخاذ قرارات لاحقة بشأن حماية السدود من التوحل أو استرجاع جزء من قدرتها التخزينية، خصوصا أن الدراسات العلمية حول السدود المغربية تؤكد أن المراقبة المنتظمة للرواسب والاعتماد على القياسات الباثيمترية ضروريان لتحديث منحنيات التخزين وتحديد تطور التوحل والقدرة المفيدة للحقينات.

وبذلك، تستعد المصالح المختصة للموسم المطري المقبل ليس فقط من خلال تتبع مستويات الملء والواردات المائية، وإنما أيضا عبر تحديث خريطة ما يوجد تحت سطح المياه، لمعرفة المساحة التخزينية المتاحة فعليا داخل كل سد، ورصد المناطق الأكثر تعرضا لتراكم الرواسب، بما يوفر قاعدة تقنية تساعد على تدبير الواردات المقبلة بشكل أدق والحفاظ على أكبر قدر ممكن من القدرة التخزينية للمنشآت المائية.

تحرير من طرف يسرى جوال
في 17/09/2026 على الساعة 10:52