ويطرح هذا التسويق المبالغ فيه لصورة المهدي حيجاوي أكثر من علامة استفهام، تُسائل مدى جدية ومصداقية الصحافة الإسبانية، بل تُثير حتى تساؤلات حول سذاجتها ورعونتها في القبول بتناقضات صارخة في المسار المهني والسجل القضائي لشخص تلاحقه قضايا جنائية بالمغرب، وشبهة ارتكاب جرائم خطيرة فوق التراب الإسباني.
لكن يبدو أن السجال السياسي والنقاش العمومي المحتدمين داخل إسبانيا اليوم، بعد أزمة تدفقات الهجرة الأخيرة، جعلا الصحافة الإسبانية تزيغ عن وظيفتها الإخبارية، وتنحرف عن أخلاقيات المهنة الصحفية، وتبحث عن مهاجمة المغرب ولو اقتضى الأمر التسويق للوهم، والترويج للتناقضات الصارخة. بل إن هذا «التحامل الإسباني» الممنهج أعطى الفرصة لبعض الأصوات الحانقة والحاقدة داخل الجسم الإعلامي الإسباني لمهاجمة المغرب بسيل من الأخبار الزائفة.
السيد بيغاسوس... هل حان الوقت للاعتذار من السيد حموشي؟
نشرت صحف إسبانية عديدة من بينها ABC وEL debate مقالات متواترة تنسب فيها للمهدي حيجاوي بأنه السيد «بيغاسوس»، زاعمة بأنه هو الذي كان مسؤولا عن التجسس المعلوماتي بواسطة برمجيات إسرائيلية على هاتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز!
وإذا كان الإعلام الإسباني يجزم بتصديق هذه الفرضية، وينشرها بسذاجة لحمل الرأي العام الإسباني على تصديقها تحت وطأة الاستهداف المكثف لصورة المغرب، فعليه أن يعتذر اليوم للمدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، وأن يتبرأ من المقالات المغرضة التي طالت صورة هذا المسؤول الأمني الكبير لسنوات على أعمدة الصحافة الإسبانية.
فقد دأب صحفيون إسبان من قبيل فرانسيسكو كاريون واغناسيو سامبريرو على الترويج لمزاعم «فوربيدن ستوريز»، التي كانت تتهم عبد اللطيف حموشي باستخدام التجسس بواسطة نظام بيغاسوس. بل إن خيال البعض منهم ذهب بعيدا إلى حد الادعاء بأن هذا المسؤول الأمني الكبير قام بتجريب هذه البرمجيات على هاتفه الشخصي أولا قبل إطلاق حملة تجسس عالمية!!
واليوم، تناقض الصحافة الإسبانية مزاعمها السابقة، وترفع تهمة بيغاسوس عن المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، وتسدل الوصف على المهدي حيجاوي! فهل حان الوقت لاعتذار هذه الصحافة الإسبانية المتحاملة، ومعها منظمة العفو الدولية ومجموعة فوربيدن ستوريز، لعبد اللطيف حموشي؟ أم أن الجبهات هي التي اختلفت، وأن الضرورة تقتضي اليوم تضخيم صورة المهدي حيجاوي لتبرير الاستهداف المتواصل للأمن المغربي؟
وحتى لو سلمنا جدلا بجدية المزاعم التي نشرتها الصحافة الإسبانية حول المهدي حيجاوي، واعتبرناه فعلا هو السيد بيغاسوس، رغم أن المنطق ومجرى الأحداث يقول عكس ذلك. فلماذا لم يتحرك القضاء الإسباني لمحاكمته؟ وهو الذي تقول الصحافة الإسبانية إنه متورط في الهجمات السيبرانية على رأس هرم السلطة التنفيذية الإسبانية، وتزعم أنه يعيش حاليا متأرجحا بين شقة بمدريد ومنطقة قروية بمدينة كاسيريس.
تناقضات... تجمع بين السذاجة والصفاقة
لا يمكن للقارئ أن يتماهى، أو على الأقل أن يتقبَّل، ما تنشره الصحافة الإسبانية في الآونة الأخيرة حول المهدي حيجاوي. فقد تم تقديمه بأنه مسؤول عن الهجمات السيبرانية التي وقعت ما بين 2019 و2021، والحال أن الرجل تم عزله وتسريحه من المخابرات الخارجية المغربية في سنة 2010! وهذه المعطيات يمكن استنباطها حتى من السيرة الذاتية التي نشرها المهدي حيجاوي عن نفسه.
فهل يمكن القبول، عقلا ومنطقا، أن تُسند لشخص مطرود من الوظيفة بسبب إخلالات مهنية جسيمة، مهمة جاسوسية معقدة بعد مرور أكثر من عقد من الزمن من واقعة عزله؟ وكيف يمكن أيضا تفسير تناقضات الصحافة الإسبانية التي كانت تتهم سابقا المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية) بالتجسس بواسطة بيغاسوس، واليوم تمنح مشعل التجسس المزعوم للمهدي حيجاوي الذي كان محسوبا على المخابرات الخارجية؟
أكثر من ذلك، أردفت جريدة ABC الإسبانية بطاقتين متناقضتين للمهدي حيجاوي، على أساس تدعيم مزاعمها وحملتها الدعائية ضد المغرب، قبل أن تنسف هذه البطاقات سرديتها وتعصف بها بسبب تناقضاتها الفجة والصارخة.
لكن ما يثير الدهشة ويدفع القارى إلى حد الاعتقاد بأن الصحافة الإسبانية تئن تحت وطأة الغباء والسذاجة، هو أن تنشر جريدة ABC بطاقة مهنية للمهدي حيجاوي المعزول في سنة 2010، والحال أن مدة سريان البطاقة المنشورة تنتهى في 31 مارس 2014! أي أنها ظلت سارية المفعول في المستقبل لأكثر من أربع سنوات من واقعة طرده من الوظيفة.
ولكن من طرائف وهزليات البطاقة المنسوبة للمهدي حيجاوي، أنها تُظهر بوضوح علامات تزويرها وتحريفها. فلن يحتاج القارئ لتقنيات معلوماتية متطورة لاكتشاف صورية البطاقة وزورها، بدليل أنها تحمل أخطاءً لغوية لا يقبلها العقل والمنطق الإداري السليم.
فقد تضمنت بطاقة المهدي حيجاوي المزورة انتكاسات لغوية ووظيفية خطيرة، إذ تم تذييلها بتوقيع «المدير العاو» بدل «المدير العام»، وتصديرها باسم «المماكة المعربية» عوض «المملكة المغربية»، وتضمنت هويتها البصرية عبارة الإدارة العامة «للعراسات والمساندات»، والحال أنها المديرية العامة للدراسات والمستندات.
ورغم كل هذه الصفاقات والتناقضات الصارخة، تصر الصحافة الإسبانية على تمرير مغالطات جوهرية حول المهدي حيجاوي، محاولة تقديمه كحصى في حذاء المغرب، والحال أنها تمعن في فضح سذاجتها كلما أسرفت في التسويق لصورة مغالطة لهذا المجرم الهارب من العدالة.
بل إن هذه البطاقة المزورة المنسوبة للمهدي حيجاوي، جاءت لتناقض روايات الصحفيين الإسبان، بمن فيهم إغناسيو سامبريرو، والذين طالما تبنوا الرتبة العسكرية للمهدي حيجاوي، قبل أن تقدمه البطاقة الجديدة في صورة موظف مدني برتبة إدارية غير عسكرية.
اعترافات حيجاوي في قضية المنظري...
لا يمكن الحديث عن ملف المهدي حيجاوي دون ربطه بالتسريبات الأخيرة التي كشفت عنها مجموعة أطلس هاكرز، بشأن محادثات هذا الأخير مع النصاب هشام جيراندو الهارب من العدالة في كندا.
ومن المؤكد، أن الصحافة الإسبانية لم تستمع لهذه التسريبات ولن تَكثرت لها ، لأنها لا تخدم سرديتها ولا تُؤثث حملتها المكثفة ضد صورة المغرب! ففي هذه التسريبات، أفرغ المهدي حيجاوي كل ما في جعبته من معلومات وأخبار! وأضاف عليها مجموعة من الأكاذيب التي كان يزود بها هشام جيراندو من أجل نشرها لاستهداف المؤسسات الأمنية المغربية.
وقد ظهر على امتداد أسابيع، أن كل ما كان يُسرّبه في السر المهدي حيجاوي لهشام جيراندو هي مجرد أخبار عامة وفضفاضة، ومعلومات كيدية، ومعطيات منقولة عن أشخاص عاديين (حسب تصريحه)، لا ترقى لأن تكون معلومات حساسة، ولا ترقى أن يكون مصدرها مسؤول استخباراتي كبير كما توهم الصحافة الإسبانية قراءها اليوم.
لكن المعطى الأبرز في تلك التسريبات هي عندما تَحمَّس المهدي حيجاوي كثيرا واعترف صراحة بأنه هو من نفذ عملية تصفية هشام المنظري في سنة 2004 في جنوب إسبانيا. ورغم أن المجرى التعاقبي للأحداث يؤكد بأنه يكذب، خصوصا وأن شهادة نجله يزيد حيجاوي تؤكد بأن والده مريض بمتلازمة الكذب، إلا أن هذا «الاعتراف» يقتضي أن تتعامل معه السلطات الإسبانية بجدية، وتتعاطى معه كتبليغ محتمل عن جريمة يتوجب البحث فيه، لا أن تقفز عليه الصحافة الإسبانية وتتعامل معه بلامبالاة غريبة.
فهذه الانتقائية المفضوحة في التعامل الإسباني مع «معلومات» المهدي حيجاوي ضد المغرب، و«اعترافاته» ضد أمن إسبانيا، تؤكد بأننا إما أمام صحافة إسبانية ترزح تحت وطأة الغباء والسذاجة، لأنها تميل لتصديق إشاعات وتناقضات صارخة، وإما أننا في مواجهة حملة عدائية موجهة تروم التكالب على المغرب، ولو تطلَّب الأمر القفز عن الأخلاقيات المهنية والارتماء في براثن الحروب الهجينة التي تراهن على الأخبار الزائفة.
