الجزائر: النظام يشهر عقوبة الإعدام لخنق الشارع وتطويق الغضب الاجتماعي

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال ترؤسه اجتماعا لمجلس الوزراء، تناول مشروع قانون العقوبات، 6 شتنبر 2026

في 07/09/2026 على الساعة 19:37

فيديوأشهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورقة عقوبة الإعدام لاحتواء نقمة الشارع المتصاعدة، إثر موجة حرائق دامية التهمت ما لا يقل عن 13 ولاية شمال وشرق البلاد، مخلفة أزيد من مئة قتيل وخسائر فادحة. وسارعت السلطة العسكرية، عبر بيان مجلس الوزراء المنعقد برئاسة تبون يوم 6 شتنبر 2026، إلى إعلان توجه لتعديل عاجل لقانون العقوبات يقضي بتشديد وتفعيل عقوبة الإعدام بحق مشعلي النيران ومختطفي القاصرين، في خطوة تكشف مسعى لتحويل صدمة الفاجعة إلى أداة ترهيب وضبط سياسي محكم.

أظهرت مخرجات بيان مجلس الوزراء لا تتجاوز حدود المناورة الاتصالية التي تسوق للرأي العام نصوصا سارية المفعول أصلا داخل المنظومة التشريعية. فالقانون الجنائي الجزائري يحسم في فصله «396» فرض عقوبة الإعدام صراحة على كل من يتورط في حريق عمدي أودى بحياة أشخاص، بالتوازي مع مقتضيات قانون سنة 2020 الخاص بمكافحة اختطاف الأطفال الذي يقر الجزاء الجنائي ذاته حال اقتران الفعل بوفاة الضحية.

وعلى هذا النحو، يكشف التلويح الرئاسي بالمقتضيات الردعية عن رغبة في استعراض الحزم الشكلي أمام تذمر شعبي يهدد الواجهة الرسمية.

وتحاول السلطات تصدير الأمر كإجراء صارم لحماية الساكنة، متجاهلة واقع الترسانة المتاحة التي لم تمنع تكرار المأساة، الأمر الذي يضع الخطوة برمتها في خانة الهروب إلى الأمام والالتفاف على التساؤلات الحارقة المرتبطة بضعف الجاهزية الاستباقية وتواضع إمكانيات الإغاثة الميدانية.

مناورة تشريعية لنصوص قائمة

فضح عبدو السمار، الإعلامي الجزائري ومدير موقع «ألجيري بارت»، خلفيات هذا القرار، واصفا إعلان تبون بأنه «استعراض سياسي خاوٍ يروج لإجراءات قائمة سلفا» ولا يخرج عن نطاق «فن الإعلان عما هو موجود أصلا».

وأوضح السمار، في تحليل بثه عبر منصته الرقمية، أن المنظومة الجنائية الجزائرية تتضمن هذه العقوبات بوضوح تام ودون أدنى فراغ تشريعي، إذ يقر الفصل «396» من قانون العقوبات صراحة إعدام كل من يضرم نارا عمدا تفضي إلى وفاة إنسان، إلى جانب قانون سنة 2020 لمكافحة اختطاف الأشخاص الذي ينص على الجزاء ذاته حال اقتران الفعل بموت الضحية.

واستدل السمار بواقع الممارسة القضائية اليومية، مبرزا أن المحاكم الجنائية الجزائرية، وفي مقدمتها محكمة الدار البيضاء بالعاصمة، تصدر أحكام الإعدام دوريا في قضايا الجنايات الكبرى والاعتداءات وحرائق منطقة القبائل السابقة، حيث طالت تلك القرارات معارضين وصحافيين وموقوفين في قضايا رأي.

ويؤكد هذا المعطى أن الغاية من استدعاء الترسانة الزجرية لا ترتبط بسد ثغرات قانونية غير موجودة، بل تهدف إلى خلق غطاء جنائي متشدد يمهد لتقنين تصفية المعارضة وترهيب الفضاء العام.

شماعة «الإرهاب» والهروب إلى الأمام

تتزامن هذه الإجراءات مع لجوء السلطة إلى تسويق مقولة «الإرهاب» وتضخيم هاجس المؤامرة التي تستهدف أمن الدولة، دون الاستناد إلى نتائج تحقيقات علنية وشفافة تكشف هوية الفاعلين أو تثبت وجود مخطط تخريبي منظم.

ويشير السمار في هذا السياق إلى أن المزايدة بمصطلح الإعدام تمثل استغلالا مكشوفا لعواطف العائلات المنكوبة ومحاولة للالتفاف على التقصير الميداني، في وقت تطالب فيه الساكنة بمحاسبة المسؤولين عن إخفاقات التدخل وتأمين التجهيزات الجوية واللوجستية لفرق الوقاية المدنية لإنقاذ الأرواح، بدل الاكتفاء بنصوص انتقامية تصرف الأنظار عن التآكل المعيشي والاحتقان الشعبي المتراكم.

وفي هذا الاتجاه، تشكل استراتيجية «هندسة الخوف» رافعة مركزية لشل أي حراك شعبي كامن في الشارع الجزائري، عبر تصدير صورة العدو الداخلي المتربص بالمجتمع.

وتتيح هذه البيئة الأمنية المشحونة مبررات مريحة لخنق الأصوات المنتقدة لتدبير الشأن العام، محولة ملف الحرائق من مأساة بيئية وإنسانية إلى ورقة لترسيخ الردع والرقابة المشددة على كل نفس احتجاجي.

المأزق الدبلوماسي للرئاسة

يمثل التلويح بإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام منعرجا خطيرا ينذر بإنهاء التجميد الفعلي المطبق بالجزائر منذ سنة 1993. فرغم توالي صدور أحكام الإعدام طيلة ثلاثة عقود، ظل تعليق تنفيذها خيارا يحمي التوازنات القضائية ويمنع ارتكاب مظالم لا يمكن تداركها، وهو المسار الذي بات مهددا بالتقويض لصالح التشدد الأمني.

وأكد السمار أن تبون يملك، من واقع صلاحياته الدستورية، إمكانية تفعيل الإعدام فورا دون حاجة إلى تعديل تشريعي مستعجل أو انتظار مصادقة البرلمان، وذلك بمجرد رفض التماسات العفو الرئاسي وترك الأحكام القضائية تأخذ مسارها التنفيذي المباشر.

ويصطدم هذا التوجه بحسابات دولية دقيقة تضع النظام أمام مأزق دبلوماسي حقيقي؛ إذ تلتزم الجزائر بقرارات التجميد العالمي لعقوبة الإعدام وتصوت لصالحها دوريا داخل أروقة الأمم المتحدة منذ عام 2007.

ويرى مراقبون أن التهديد بالرجوع إلى مقاصل التنفيذ يتحول إلى ورقة ابتزاز ظرفية تروم امتصاص الصدمة وشراء الوقت، وسط شكوك واسعة في رغبة الرئاسة تحمل كلفة التراجع عن الالتزامات الدولية ومواجهة الإدانات الحقوقية الخارجية.

استقطاب حزبي وتباين في قراءة الردع

أفرزت هذه التحركات انقساما لافتا داخل الطبقة السياسية، إذ سارع التجمع الوطني الديمقراطي، القوة الثانية في صفوف الموالاة البرلمانية، إلى مساندة التوجه الرئاسي وتبرير تشديد العقوبات بحجم الخسائر المأساوية التي مست الأرواح والغطاء البيئي، مشيدا بتدابير التعويض وترميم السكنات.

وشاركت جبهة العدالة والتنمية، ذات التوجه الإسلامي، الموقف ذاته بالدعوة إلى إعلاء حقوق الضحايا وأحكام الشريعة، رافضة تحويل شعارات حقوق الإنسان إلى وسيلة لإفلات الجناة من العقاب الرادع.

وعلى الطرف النقيض، قادت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنون، جبهة الرفض الصريح للتعديلات، مؤكدة خلال اجتماع حزبي ولائي أن مواجهة الجرائم الخطيرة لا يمكن أن تتم بإزهاق أرواح المدانين، ومشددة على أنه «لا يمكن محاربة القتل بالقتل».

ونبهت حنون إلى أن الأحكام القضائية تصدر عن قضاة معرضين للخطأ، محذرة من إقرار عقوبات لا رجعة فيها تهدر مصداقية العدالة، ومطالبة بتركيز جهود الدولة على معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية الكامنة خلف تنامي الجريمة، بدل التسرع في إقرار تعديلات تشريعية فرضت الرئاسة تقديمها قبل 15 شتنبر.

ويعكس لجوء النظام العسكري إلى التلويح بقطع الأعناق ارتباكا بنيويا في إدارة الأزمات الوطنية الكبرى، حيث تتحول العقوبة الجنائية من أداة إنصاف إلى وسيلة لإعادة ضبط التوازنات وتأمين الواجهة الرسمية. ويثبت مسار الأحداث أن النظام يستثمر في فواجع الكوارث الطبيعية لتمرير نصوص تصعيدية، تضمن له حصانة سياسية دائمة وتكبح جماح أي تحرك ميداني يهدد استقراره.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 07/09/2026 على الساعة 19:37