أزمة المياه تستبد بالجزائر في قيظ غشت.. وجفاف الصنابير يشعل احتقان المواطنين

أزمة العطش في الجزائر تعمق معاناة المواطنين وتفضح الفجوة العميقة بين الشعارات السياسية وبين الواقع الميداني

في 20/08/2026 على الساعة 17:30

فيديوتواصل أزمة العطش الخانقة حصارها -منذ أسابيع- على العاصمة الجزائرية وضواحيها، لتكشف عن مفارقة فجة يعيشها بلد يمتلك ثروات نفطية وغازية هائلة ويصر حكامه على تسويق خطاب «القوة الضاربة» و«الجزائر الجديدة». فمع اشتداد قيظ شهر غشت الجاري، توالت الانقطاعات الحادة لمياه الشرب لتصيب عصب العاصمة بالشلل، واضعة ملايين المواطنين في مواجهة مكابدة يومية مريرة تبدد وهم «الأمن المائي» وتفضح عجز التدبير الحكومي عن تأمين أبسط شروط العيش الكريم داخل واجهة البلاد السياسية والإدارية.

وحسب ما رصدته وسائل الإعلام المحلية فإن الوضعية المائية داخل الجزائر العاصمة وضواحيها تكشف عن «اختلال هيكلي» يجعل التزويد اليومي معلقا على توازنات تقنية هشة مهددة بالانهيار عند أي طارئ.

وأبرزت تقارير إعلامية أن المدينة تحولت إلى «رهينة» لمحطات تحلية مياه البحر التي تؤمن وحدها أزيد من 60 في المائة من إجمالي الإمدادات، الأمر الذي يجعل أي عطل تقني أو خفض في طاقة الإنتاج بمحطتي «الحامة» أو «فوكة» سببا مباشرا في شلل شامل يعصف بإحدى عشرة بلدية دفعة واحدة، يتقدمها كل من الأبيار، والمرادية، وباش جراح، وحسين داي.

بنية هشة وشبكات متهالكة

تبرز معضلة التخزين الاستراتيجي كواحدة من أثقل الثغرات التدبيرية التي تؤرق العاصمة. إذ يقود ضعف سعة الخزانات الكبرى وغياب مخزون أمان يغطي فترات الصيانة الدورية إلى ارتباك حاد في برامج الضخ، ما يحول الأعطاب الميكانيكية العادية إلى أزمات عطش ممتدة لأيام تلغي نظام التوزيع اليومي لفائدة نظام تناوب قاسي.

إثر ذلك، تشير التقارير ذاتها إلى تتفاقم الأزمة بفعل التقادم المزمن لشبكة التوزيع التي تغيب عنها مشاريع التجديد الشاملة منذ عقود طويلة.

كما يؤدي رفع ضغط الضخ لتعويض الانقطاعات إلى تفجير القنوات المهترئة وارتفاع نسب التسربات، لتبتلع الأرض ما بين 30 و40 في المائة من المياه المنتجة قبل ملامستها لعدادات المنازل، فضلا عن انتشار الربط العشوائي الذي يستنزف التدفق ويحرم قاطني الطوابق العليا والمرتفعات من قطرة ماء.

وعلاوة على هذه الأعطاب البنيوية، تفرض شركة المياه والتطهير الجزائرية «سيال» جداول ضخ شاقة خلال ساعات الفجر المتأخرة، مجبرة الأسر على السهر الطويل لملء الأواني والخزانات المنزلية. وأنعش هذا الاضطراب المستمر تجارة الصهاريج الخاصة التي تفرض أسعارا ملتهبة تستنزف جيوب المواطنين، وتنعش سوقا سوداء موازية في ذروة قيظ شهر غشت الجاري.

وفي هذا السياق، يتساءل معلقون عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن حجم الكارثة الحقيقية في باقي الولايات والمدن الداخلية؛ فإذا كانت العاصمة، التي تحظى بالأولوية المطلقة وتستقر تحت أعين صناع القرار في «قصر المرادية»، تتخبط في هذا العطش المزمن، فكيف سكون حال الهامش والبلدات البعيدة المتروكة لمصيرها المجهول؟

سخط رقمي وغليان شعبي في وجه التبريرات

تحولت بلاغات شركة «سيال» إلى نذير شؤم دائم يثير حفيظة المواطنين، بعدما اعتاد الشارع الجزائري على مطالعة إعلانات متتالية تنذر في كل حين بانقطاع المورد الحيوي أو اضطراب جداول توزيعه عبر مختلف البلديات.

ورغم مسارعة المؤسسة للدفاع عن سمعتها التي هوت إلى مستويات غير مسبوقة وتبرير ارتباكها المستمر، فإن منصاتها الرقمية تحولت إلى فضاء لصب جام الغضب الشعبي، الأمر الذي دفع مواطنين إلى تأسيس صفحة خاصة على موقع فيسبوك أطلقوا عليها اسم «انقطاعات سيال» لتوثيق حجم المعاناة وجرد الأحياء المنكوبة بالعطش.

وفي هذا السياق، عكست تعليقات المواطنين حجم الاحتقان والشعور بالتهميش، إذ وثق أحد سكان بلدية الأبيار حرمانه رفقة جيرانه من المياه لأزيد من 24 يوما متواصلا، موضحا أن ضعف الضغط يحرم قاطني الطوابق العلوية من وصول أدنى صبيب إلى منازلهم.

وعبر المشتكي عن خيبة أمله بعد استنفاد كافة الاتصالات والتنقل الميداني إلى وكالة الشركة دون جدوى، متسائلا بحرقة واستنكار: «هل يُعقل أن نحرم من حق أساسي كالماء لأكثر من ثلاثة أسابيع؟ ألسنا مواطنين كباقي الناس لنعامل بهذا التجاهل؟»، في صرخة تعكس وصول صبر الساكنة إلى حافته أمام عجز المؤسسات المسؤولة عن تقديم حلول ملموسة.

وفي مقطع مصور يفيض سخطا ومرارة، لخص مواطن جزائري حجم القهر اليومي الذي تكابده الأسر، موجها سهام نقده اللاذع لشعار «الجزائر الجديدة» الذي تبخر أمام جفاف الحنفيات لخمسة أيام متواصلة.

ولم يجد المتحدث بدا من المطالبة بسخرية سوداء بتزويد السكان حتى بمياه البحر المالحة لقضاء أبسط الحاجيات وغسل ملابس العائلة المتراكمة، واصفا ما يحدث بـ«الموت البطيء» في وقت ينشغل فيه المواطنون بتعبئة «الجيريكات» والبراميل بالغطاسات اليدوية.

إثر ذلك، صب المواطن جام غضبه على تركيز الخطاب الرسمي على الترويج لـ«ثقافة التبليغ» والملاحقات الهامشية، بينما يعجز الشاب والمواطن البسيط عن نيل حقه الطبيعي في شربة ماء نظيفة، في مشهد يعري الفجوة السحيقة بين الشعارات السياسية المرفوعة والواقع المعيشي المتردي.

احتقان الولايات ونيران الغضب المحلي

امتدت نيران الغضب بسبب العطش لتتجاوز الفضاء الرقمي نحو مدن وولايات أخرى تعاني شحا مضاعفا، حيث شهدت بلدية «لغدير» بولاية سكيكدة حادثة احتراق واجهة مقر المجلس الشعبي البلدي، مخلفة أضرارا مادية بالمدخل الخارجي.

وبينما سارعت السلطات المحلية، من خلال وسائل الإعلام، إلى محاصرة الحادث ونفي أي خلفية احتجاجية وراءه، فقد عكست ردود فعل الساكنة على منصات التواصل الاجتماعي احتقانا ميدانيا محموما يربط الحادثة بموجة الانقطاعات القاسية لمياه الشرب التي تضرب المنطقة في عز الصيف، جراء تذبذب الإنتاج بمحطة التحلية وسد «زردازة»، مما جعل مقرات البلديات في مرمى السخط الشعبي أمام فشل الحلول الترقيعية وعجز الجهات الوصية عن ضبط برنامج توزيع عادل يحفظ كرامة المواطن.

أزمة حوكمة تعري خرافة الوفرة

تضع هذه الأزمة المركبة السلطات الجزائرية في مأزق سياسي وأخلاقي أمام الرأي العام، إذ يؤكد فشل تأمين مياه الشرب في قلب العاصمة أن الرهان على التوسع الكمي لمحطات التحلية دون رؤية للصيانة وتجديد الشبكات يظل مجرد حلول ترقيعية.

وهكذا، ستظل صنابير الجزائر الجافة شاهد إثبات يومي على أن عائدات المحروقات والشعارات الرنانة لم تفلح في تجنيب ساكنة بلد غازي ونفطي طوابير العطش ومطاردة قطرة ماء في قيظ الصيف.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 20/08/2026 على الساعة 17:30