هذه الوثيقة الصوتية والمرئية غير المسبوقة، والذي يعد بمثابة قنبلة إعلامية مدوية، تهز أركان السلطة الجزائرية حاليا. من فرنسا، حيث يعيش مضطهدا وتحت التهديد المستمر من شبكات الاختطاف، مع مطالبة بالتسليم العاجل بناء على مذكرة توقيف صادرة عن الجزائر، كسر توفيق بن ناصر حاجز الصمت. هو نجل الجنرال الراحل العربي بن ناصر، أحد أبرز الشخصيات وأركان النظام القضائي العسكري الجزائري، وشقيق الكولونيل بوعلام بن ناصر، القنصل الجزائري السابق في أليكانتي وضابط المخابرات الخارجية السابق، تحدث مطولا مع الصحفي عبدو سمار. بثت هذه التصريحات، في شكل حوارات، على قناة عبدو سمار على اليوتوب.
انطلاقا من موقعه المتفرد كـ« ابن للجيش« ، الذي نشأ في كنف المقرات الآمنة للقيادة العليا، يكشف بن ناصر أسرار الدولة، والفساد المستشري، وجنون القادة، والحروب الضارية بين الأجنحة التي تنخر في أركان النظام الجزائري.
ابن المؤسسة
لفهم أهمية هذه التصريحات، لا بد من معرفة من هو توفيق بن ناصر. ولد في قلب المؤسسة العسكرية في البليدة، ونشأ في كنف والده، الجنرال العربي بن ناصر. انضم إلى الجيش عام 1973، وعمل قاضيا للتحقيق ثم مدعيا عاما في البليدة ووهران وقسنطينة. ترقى العربي بن ناصر إلى رتبة مفتش عام قبل أن يتولى قيادة المديرية المركزية للقضاء العسكري عام 1999. تلقى العربي بن ناصر تكوينا في علم الإجرام وعلم النفس في فرنسا وكندا، وكان، بحسب ابنه، قانونيا صارما ومهندسا للشرطة العلمية الجزائرية الحديثة.
نشأ توفيق في الوسط المادي والسياسي للنخبة الجزائرية. وقال: « كنا عائلة واحدة »، ويعدد أسماء جيرانه من كبار الشخصيات في المساكن العسكرية في وهران والبليدة ونادي الصنوبر: الجنرال عثمان طرطاق (الملقب بـ« البشير« )، الرئيس السابق للاستخبارات الجزائرية، والجنرال إسماعيل العماري، المدير السابق لدائرة مكافحة التجسس، والجنرال عبد الحميد بوهيدل، مدير البنيات التحتية العسكرية بوزارة الدفاع الوطني، والجنرال عبد الحميد بنداوود (الرئيس السابق للاستخبارات الخارجية)، والرئيس السابق لمديرية الأمن الخارجي، وكذا عائلة زروال. ويروي علاقات والده المباشرة بعائلة بوتفليقة (ولا سيما سعيد، شقيق الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة)، وبرئيس الشرطة السابق علي تونسي، وبمدير ديوان الجنرال توفيق سيئ السمعة، أحد مهندسي « العشرية السوداء » في الجزائر التي أودت بحياة 200 ألف شخص.
يرسم توفيق بن ناصر صورة أب صاحب مبادئ صارم. توفي العربي بن ناصر يوم فاتح شتنبر عام 2005 في حادث سير. حرمت هذه الوفاة المفاجئة أبناءه من حاميهم الطبيعي، مما عرضهم لاحقا لوحشية الطغمة الحاكمة.
هيئة أركان جاهلة ومصابة بجنون العظمة
حقائق توفيق بن ناصر تكشف عن التسيير العشوائي داخل الجيش الوطني الشعبي، لا سيما خلال الحكم المطلق للجنرال أحمد قايد صالح، رئيس الأركان السابق. يرسم بن ناصر صورة بئيسة لرجل ذي مستوى تعليمي متدن، تم فرضه في أعلى هرم السلطة. « لم يكن يعرف حتى ما هو الحمض النووي. كان يخلط كل شيء. كان من المستحيل إجراء أي نقاش عقلاني معه. كان ينتقل من المرح والود إلى البارانويا وفورة الغضب في رمشة عين ودون أي سبب »، هكذا يوضح توفيق بن ناصر، منتقدا عبثية نظام الترقيات العسكرية الجزائرية.
يكشف بن ناصر، الذي يعرف كواليس السلطة، عن أسلوب حياة قايد صالح الغريب ونزواته. فقد حول رئيس الأركان السابق القيادة إلى إقطاعية شخصية، يسير الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد وفقا لأهوائه. وإذا كان يدعي أنه يعيش حياة « متواضعة »، إلا أنه كان ينغمس في العديد من النزوات، مثل اقتناء حيوانات غريبة، وخاصة الطواويس، في منزله. وفي سيارته، كان يحب أن يستمع باستمرار إلى أغنية الراي نفسها، « زوالي وفحل »!. « كان الأمر لا يُطاق »، يتذكر بن ناصر.
تمثل وفاة قايد صالح المفاجئة ليلة 22 و23 دجنبر 2019 إحدى أهم الحقائق التي كشفها توفيق بن ناصر. فبحكم قربه من مواقع القرار، الذي أتاح له الوصول المباشر إلى خبايا السلطة، قدم بن ناصر رواية دقيقة ومفصلة عن وفاة أعادت تشكيل قمة هرم النظام الجزائري. لفهم ما رآه وسمعه، من الضروري استذكار العلاقة الوثيقة التي جمعته بالرجل القوي السابق للبلاد. فقد تولى بن ناصر شخصيا تدبير شؤون الإقامة الخاصة لقايد صالح.
ومنحته هذه الثقة وصولا مباشرا ودائما إلى منزل رئيس الأركان، مما سمح له بالبقاء على مقربة من محيطه وأطبائه وأقاربه.
مؤشرات على تصفيته
ووفقا لرواية توفيق بن ناصر، لم يكن رحيل قايد صالح نهاية عادية ولا مجرد سكتة قلبية. فقد أبلغ بن ناصر مباشرة بالحالة الصحية الطارئة التي ألمت بالجنرال في شقته. بعد وصوله إلى الشقة وتواصله مع المقربين منه، وصف جوا من الذعر وسرعة غير معتادة من جانب رجال الأمن الذين جاؤوا لتطويق المنطقة. وروى مشهد الفوضى العارمة داخل المنزل، حيث رأى جهاز إسعاف عاجز ومغلوب على أمره، وأوامر متضاربة، ورعاية طبية غير منظمة بشكل غريب للزعيم الفعلي للبلاد. وأضاف: بقع دماء كبيرة في حمام قايد صالح. وعلق قائلا: «لست طبيبا، لكن لا يتقيأ المرء دما على إثر سكتة قلبية».
وروى بن ناصر بأنه سمع شهادات وصرخات استغاثة من أقارب وعاملين في منزله كانوا حاضرين وقت الحادث. وصفوا جميعا رجلا كان واقفا قبل ساعات فقط، وكان قد ترأس اجتماعات سياسية هامة ونصب عبد المجيد تبون رئيسا للجمهورية.
ما يندد به توفيق بن ناصر بشدة باعتباره « وفاة مشبوهة »، والتي يرى فيها اغتيالا سياسيا أو تسميما، يستند إلى سلسلة من التجاوزات الأخرى التي لاحظها وسمعها في تلك الليلة نفسها وفي الأيام التي تلتها. فور تأكيد الوفاة، تم إبعاد الحارس الرئيسي لقايد صالح وطبيبه الشخصي، وعزلهما، ومنعهما من التحدث أو الإدلاء بروايتهما للوقائع للصحافة أو ضباط الجيش.
يكشف بن ناصر أنه في مواجهة شكوك صريحة أثيرت باحتشام من قِبل بعض الضباط رفيعي المستوى، كان الأمر المطلق الصادر عن السلطة الجديدة، ممثلة بعبد المجيد تبون والجنرال سعيد شنقريحة، هو منع أي تشريح للجثة. عاين بن ناصر المناورات التي هدفت إلى إغلاق التابوت بأسرع وقت ممكن وتنظيم جنازة رسمية بسرعة لإقبار الحقيقة والأدلة المادية التي قد تشير إلى وجود مادة سليمة مع الجنرال. كما عاين بعد ذلك عملية تطهير وحشية. أدى مقتل رئيس الأركان فورا إلى حملة ضد كل من يملك أسرار تلك الليلة.
حوكمَ أبناء قايد صالح، وقبض على مساعديه ونظر إلى الأشخاص الذين كانوا يديرون مقر إقامته، مثل بن ناصر نفسه، على أنهم شهود غير مرغوب فيهم يجب تحييدهم، مما دفع بتوفيق بن ناصر إلى المنفى واتخاذ القرار النهائي بكشف كل الحقائق. تكمن المفارقة المأساوية للنظام الجزائري في مصير قايد صالح. فبينما كان هو المهندس لظهور النظام السياسي الجديد، وتنصيب عبد المجيد تبون رئيسا، محي اسمه من الذاكرة الرسمية بمجرد دفنه. الرجل الذي كانت سلطته مطلقة أُلقي به في مزبلة التاريخ، وجرت تصفية جناحه بشكل ممنهج، وسجنهم، أو إجبارهم على المنفى على يد الأشخاص الذين ساهم في وصولهم للسلطة.
فساد بنيوي وحرب طاحنة
من خلال ما كشفه لعبدو سمار، يعري توفيق بن ناصر الجانب المالي والمادي لنظام عسكري يعمل كطغمة مغلقة وفاسدة للغاية. ويصف مؤسسة تحولت إلى أوليغارشية اقتصادية. لم يعد الجيش الجزائري يحمي « النظام » فحسب، بل إمبراطورية مالية تحول امتيازاتها للحفاظ على نمط حياة قادة الجيش وذويهم.
تكشف هذه الحقائق عن اختلاسات واسعة النطاق في ميزانيات الدفاع الوطني، التي لم تتأثر بأي تخفيض. وتعمل المؤسسة العسكرية وفق آلية الإفلات من العقاب، حيث تسمح التعيينات العليا بالاستيلاء على الأموال العامة. فعلى سبيل المثال، يتهم الجنرال عبد القادر لشخم (الرئيس السابق لقسم الإشارة والمعلومات) باختلاس مبالغ فلكية تقدر بنحو ملياري دولار، من خلال التلاعب الممنهج بفواتير معدات الاتصالات العسكرية والتوفر على حسابات سرية في الخارج.
ومن أبرز الجوانب التي تناولها توفيق بن ناصر وضع « أبناء الطغمة » العسكرية. ففي الجزائر، فإن مجرد أن يكون المرء ابن ضابط رفيع المستوى يمنح إمكانية الحصول على قروض بنكية بغير ضمانات، وتراخيص استيراد حصرية، وأراض مملوكة للدولة.
وهكذا، أصبح أبناء أحمد قايد صالح (عادل وبومدين) بين عشية وضحاها من كبار أباطرة العقارات والصناعات الغذائية في شرق الجزائر، بفضل دعم وتعليمات والدهم. فقد امتلكوا مطاحن، وصحفا، وشركات نقل، وأراض فلاحية مملوكة للدولة بيعت بدينار رمزي.
وهناك أيضا حالة خالد تبون، أحد أبناء الرئيس عبد المجيد تبون، المتورط في فضيحة ضبط 701 كيلوغرام من الكوكايين في ميناء وهران. يظهر سجنه الأولي وتبرئته السريعة لاحقا الحماية التي يحظى بها أبناء الطبقة الحاكمة. يعترف توفيق بن ناصر نفسه بأنه، بصفته ابن جنرال، انتقل إلى عالم الأعمال في الجزائر في بيئة كان فيها اسم العائلة مفتاحا تجاريا سحريا.
يستخدم الفساد كأداة للرقابة المتبادلة داخل القيادة العليا. تتغاضى القيادة عن قضايا فساد الضباط طالما بقوا أوفياء. بمجرد أن يفقد جنرال مكانته أو يخسر صراعا على السلطة (كما حدث في عهد شنقريحة)، يعاد فتح ملفاته المالية من قِبل القضاء العسكري لتبرير إقالته تحت ذريعة «محاربة الفساد».
وبينما تخضع ميزانيات الصحة والتعليم والبنية التحتية لإجراءات تقشفية صارمة، تبقى ميزانية وزارة الدفاع الوطني بمنأى عن المراقبة من قبل مجلس المحاسبة. ويضمن هذا الملاذ المالي استمرار امتيازات الطغمة الحاكمة.
ويؤكد هذا التدبير القائم على المحسوبية داخل المؤسسة العسكرية تحليل بن ناصر: فبعيدا عن الخطابات الوطنية الرنانة، بني النظام الجزائري على أساس حماية المصالح الاقتصادية للجنرالات وممتلكات أبنائهم، على حساب موارد البلاد وشعبها.
ويتمثل التيار الخفي في صراع داخلي بين الأجنحة والأجهزة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حملة التطهير المستمرة داخل أجهزة المخابرات، حيث تم عزل ما لا يقل عن 14 رئيسا لهذه الأجهزة منذ عام 2020، أي مباشرة بعد تولي الرئيس تبون منصبه. وتظهر هذه التغييرات المحمومة نظاما يعيش حالة من البارانويا الدائمة، حيث يسعى كل جناح إلى تحييد الآخر. في هذه الحرب «التي تستعمل فيها كل الوسائل»، استهدفت عائلة بن ناصر: إخوته في الجيش والشرطة، الذين اعتقلوا أو اضطهدوا لمنع تسريب أسرار الدولة التي بحوزتهم.
ومن هنا جاء الزلزال الذي أحدثه في الجزائر، والغضب الشعبي العارم الذي رافقه. بعد أن أصبح الهدف الرئيسي للنظام، يتعرض بن ناصر لحملة قذف واسعة من قِبل وسائل الإعلام العسكرية الرسمية وغير الرسمية، وضغوط متواصلة لضمان تسليمه. وهو يعلم أن النظام الجزائري لن يغفر لأحد « أبنائه » كشفه الغسيل المتسخ للديكتاتورية العسكرية على الملأ.
