وتعيد هذه المحطة التاريخية تسليط الضوء على هوس برتغالي امتد طوال القرنين الخامس عشر والسادس عشر للسيطرة على الشمال المغربي، عبر ثلاث حملات رئيسية حسم المغاربة اثنتين منها بانتصار ساحق.
حملت سبتة في الحقبة الرومانية اسم «سبتيم فراتريس»، أي «الإخوة السبعة»، في إشارة مرجحة إلى التلال السبع المطلة على شبه الجزيرة، قبل أن يتحور الاسم إلى سبتة بالعربية، ثم إلى «سيوتا» بالبرتغالية والإسبانية.
وشكلت المدينة مطلع القرن الخامس عشر موقعا استراتيجيا للتحكم في الملاحة بين الأطلسي والمتوسط، فضلا عن كونها المنفذ الشمالي الأبرز لطرق التجارة الصحراوية التي كانت تمر عبر سجلماسة وتغذي الحواضر المغاربية وصولا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.
وأمام الرغبة في احتكار المقطع التجاري الرابط بين المغرب وأوروبا، قررت لشبونة غزو المدينة متذرعة بمحاربة القرصنة، لتدشن خطوتها الأولى نحو بناء إمبراطوريتها البحرية.
وفي 21 غشت 1415، قاد الملك جواو الأول وأبناؤه، ومن بينهم هنري الملاح، إنزالا سريا محكما ضم نحو 50 ألف مقاتل على متن 200 سفينة، مكنهم عنصر المباغتة من إسقاط المدينة خلال يوم واحد.
وامتدت أطماع البرتغاليين لاحقا لبسط نفوذهم الكامل على الضفة الإفريقية لمضيق جبل طارق. وفي شتنبر 1437، حشد الأمير هنري الملاح قوة عسكرية تراوحت بين 6 و8 آلاف جندي لحصار طنجة بموافقة شقيقه الملك إدوارد الأول. واصطدمت الحملة بنقص الإمدادات وتفشي الأمراض أمام صلابة الدفاعات المغربية، لتبوء بالفشل سريعا بعدما دفع المغاربة بجيشين لنجدة المدينة وقطعوا خطوط الإمداد والماء عن المحاصرين.
«لم يكن في مصلحة البرتغال ولا المغرب إشعال فتيل الحرب، غير أن سيباستيان اعتبر مقترحات السلام اعترافا بالضعف»
واضطر البرتغاليون لتوقيع اتفاق استسلام يقضي بجلائهم مقابل تسليم سبتة للمغرب، غير أن لشبونة أخلت بالاتفاق لاحقا، متسلحة بمرسوم البابا يوجين الرابع الصادر عام 1442، والذي ألحق سبتة كنسيا بالبرتغال وشرعن سيطرتها عليها أمام العالم المسيحي، ليلقى الأمير الرهينة فرديناند حتفه في الأسر بمدينة فاس عام 1443.
وجاءت المحاولة الثالثة بعد أكثر من قرن، في وقت أخلت فيه لشبونة معظم ثغورها الأطلسية بالمغرب. وتحرك الملك الشاب سيباستيان الأول بدافع استعادة موطئ قدم في البلاد، مستغلا استنجاد محمد المتوكل به لانتزاع العرش مقابل التبعية للتاج البرتغالي عام 1577.
وحاول السلطان السعدي مولاي عبد الملك ثني الملك البرتغالي بشتى الوسائل الدبلوماسية مبينا عواقب الحرب، غير أن سيباستيان فسر تلك المساعي ضعفا وتشبث بقراره. وبالموازاة مع جهوده السياسية، حشد عبد الملك قواه الشعبية والعسكرية، متقدما لملاقاة القوات الغازية فور نزولها إلى الساحل.
وارتكب سيباستيان خطأ عسكريا فادحا صبيحة 4 غشت بصف جنوده في مربع محكم وظهره للنهر، مما شل حركة جناحه الأيمن وأغلق أمامه أي منفذ للانسحاب، بينما ناور مولاي عبد الملك بمرونة عالية موزعا صفوفه على هيئة هلال طوق به العدو.
وأسفرت معركة وادي المخازن عن هزيمة برتغالية ساحقة بمقتل 10 آلاف جندي برتغالي مقابل ألفي قتيل مغربي، فضلا عن أسر 15 ألفا، بينهم نحو 6 آلاف مقاتل، فيما لم تفتد الأسر إلا مئات قليلة من الفرسان النبلاء.
وشهدت المواجهة، التي خلدها التاريخ باسم «معركة الملوك الثلاثة»، مصرع القادة الثلاثة في يوم واحد؛ حيث قضى سيباستيان والمتوكل غرقا أثناء محاولة الفرار عبر الوادي، وتوفي مولاي عبد الملك مسموما في مستهل القتال. وتلقى المتوكل مصيرا مروعا بعد التمثيل بجثته وتطويفها في المدن المغربية ليخلد التاريخ لقبه «المسلوخ»، فيما بويع أحمد المنصور شقيق السلطان الراحل في ساحة النصر حاكما للمملكة.
وأودت تداعيات المعركة بالمملكة البرتغالية إثر شغور العرش، لتسقط تحت التاج الإسباني عام 1580 رفقة سبتة. وعندما استعاد البرتغاليون استقلالهم عام 1640، اختارت سبتة البقاء تحت حكم مدريد، وهو الوضع الذي جرى ترسيمه رسميا ضمن معاهدة لشبونة عام 1668.
