برنارد لوغان يكتب: ما مدى العراقة التاريخية للدولة الجزائرية؟

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 30/06/2026 على الساعة 11:00

مقال رأيهنا يكمن الفرق الجوهري مع المغرب، الذي تواجد كدولة قبل أكثر من ألف عام من فرض الحماية، والتي لم تكن سوى مرحلة عابرة في تاريخه الممتد عبر الألفية. إثر ذلك، يثير مجرد استحضار هذا الواقع ردود فعل عاطفية متشنجة لدى بعض المثقفين الجزائريين، الذين يطغى على سلوكهم الطابع الشوفيني أكثر من الحس الوطني، وهما أمران مختلفان تماما.

أثار مقالي المنشور في موقع Le360 تحت عنوان «إلى متى سيستمر المؤرخون الجزائريون في ركوب أساطير التاريخ المزيف؟»، رد فعل من علي فريد بلقاضي، الذي أجاب في موقع جزائري تحت عنوان «كاتب المخزن برنارد لوغان أو التصفية المنهجية للتاريخ الجزائري».

وفي معرض حديثه عني، كتب فريد بلقاضي قائلا: «بالنسبة لهذا العقل المتوسط الذي بات على مر السنين أحد أبرز كتاب الأطروحات التاريخية الوهمية للمخزن، فإن أي طعن في أطروحته القائلة بأن الجزائر صنيعة الاستعمار الفرنسي لا يندرج ضمن التاريخ، بل يعكس مرضا هوياتيا».

يمكن أن نسجل هنا ملاحظة أولى، إذ يبدو غريبا، بل ومضحكا، أن يجرؤ مؤرخ جزائري يدافع بضراوة وضد كل واقع ملموس على فكرة الاستمرارية التاريخية للجزائر منذ العصور القديمة، على وصف العمق التاريخي الموثق للمغرب بالوهمي، وهو الدولة القائمة منذ عهد الأدارسة والتي استمرت عبر سلالاتها الحاكمة المتتالية.

وفي المقابل، نجد أن الوهم الحقيقي يكمن في حالة الجزائر التي تحدث عنها الجنرال ديغول، صانع وجودها نفسه، بعبارات واضحة.

قال ديغول في 16 شتنبر 1959: «منذ فجر التاريخ، لم تكن هناك وحدة جزائرية، وبالأحرى سيادة جزائرية. فالقرطاجيون، والرومان، والوندال، والبيزنطيون، وعرب دمشق، وعرب قرطبة، والأتراك، والفرنسيون، توالوا على دخول هذا البلد دون أن تنشأ في أي وقت من الأوقات، وبأي شكل من الأشكال، دولة جزائرية».

ومن الناحية العلمية، أتبنى تماما الموقف نفسه الذي عبر عنه الجنرال ديغول، بمعنى أنني لا أنكر قط المحطات التاريخية التي شهدها تراب الجزائر الحالية، لكنني أؤكد، تماشيا مع طرح ديغول، أنه قبل مجيء فرنسا «لم تكن هناك وحدة جزائرية، وبالأحرى سيادة جزائرية»، والأمر لا يعني مطلقا أننا كنا أمام مجالات غير مأهولة أو مجتمعات تفتقر إلى التنظيم.

«شكلت تلمسان وبجاية إمارات في غاية الازدهار والتوهج، لكنهما لم تصنعا الدولة الجزائرية، في حين أسست فاس ومراكش دولة ممتدة عبر الألفية»

وتتمثل الملاحظة الثانية في كون أطروحتي مبنية على البراهين، في حين يكتفي فريد بلقاضي بافتراض أطروحته، متلاعبا بالوقائع لتقويلي ما لم أقله. حيث كتب قائلا: «لكي يثبت أن الجزائر لم تكن موجودة قبل فرنسا، يتوجب على برنارد لوغان أن يجرد الجزائر بالتوالي من شعوبها القديمة، ومعالمها الصحراوية، وممالكها العريقة في العصور الوسطى، وسلالاتها الحاكمة، وإيالتها... ثم يشير إلى الفراغ الذي صنعه بنفسه كدليل على صحة ادعائه».

كيف يمكن لفريد بلقاضي أن يكتب مثل هذه الحماقة، إلا إذا كان لم يطالع أي كتاب من مؤلفاتي؟ وعلى سبيل المثال لا الحصر، أفردت الجزء الأول كاملا من كتابي «تاريخ الجزائرات من الأصول إلى يومنا هذا»، الصادر سنة 2025 عن دار النشر « إليبس »، لعنوان رئيسي هو «الجزائرات الأمازيغية»، حيث أفضت فيه بالحديث عن النميديين، والمور، ومملكة المازيسيل، وماسينيسا، ويوغرطة وغيرهم. وفي الجزء الثاني، خصصت فصولا عدة للممالك الوسيطية، مفردا فصلا كاملا لبجاية وتلمسان بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر، بينما يتمحور الجزء الثالث بالكامل حول الإيالة العثمانية.

يتطلب الأمر إذن جرعة زائدة من الجهل أو سوء النية للجرأة على كتابة أنني أجرد «الجزائر بالتوالي من شعوبها القديمة، وممالكها في العصور الوسطى، وسلالاتها، وإيالتها»، في حين أن كتابي يتمحور بالتحديد حول هذه الحقب.

وللتذكير، وضعت أيضا كتابين هما «تاريخ الأمازيغ» و«تاريخ شمال إفريقيا»، ولم يقرأهما بلقاضي بالتأكيد، وضمنتهما تحليلات مسهبة حول الشعوب القديمة والممالك الوسيطية والسلالات الحاكمة والإيالة. وبدل النقل الأعمى للمعلومات المغلوطة الواردة في صفحتي على ويكيبيديا، كان الأجدر بفريد بلقاضي قراءة كتبي قبل صياغة مقاله.

وفي الواقع، لا نتحدث أنا وبلقاضي عن الشيء نفسه، فأنا أتناول «الجزائرات» بصيغة الجمع، بينما يتحدث التاريخ الرسمي الجزائري عن «الجزائر» بصيغة المفرد. وحين أتطرق إلى الجزائرات، بدءا من الممالك الأمازيغية القديمة، فإنني أبرز تعاقب محطات تاريخية كانت في غاية التوهج أحيانا، غير أنها لم تندمج قط لتشكل دولة جزائرية، وأتحدى من يثبت لي العكس، إذ إن الاندماج الفعلي الحالي تشكل إبان الحقبة الاستعمارية الفرنسية وليس قبلها.

هنا يكمن الفرق الجوهري مع المغرب، الذي تواجد كدولة قبل أكثر من ألف عام من فرض الحماية، والتي لم تكن سوى مرحلة عابرة في تاريخه الممتد عبر الألفية. إثر ذلك، يثير مجرد استحضار هذا الواقع ردود فعل عاطفية متشنجة لدى بعض المثقفين الجزائريين، الذين يطغى على سلوكهم الطابع الشوفيني أكثر من الحس الوطني، وهما أمران مختلفان تماما.

يمكن للمؤرخين الجزائريين المدافعين عن التاريخ الرسمي الذي خطته جبهة التحرير الوطني و«النظام» منذ سنة 1962 أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج ويوجهوا الشتائم، لكنهم لن يتمكنوا من طمس حقيقة تاريخية ساطعة تؤكد وجود استمرارية للدولة في المغرب منذ خمسة عشر قرنا، رغم ما شهده هذا المسار من فترات صعود وهبوط. وقد لخصت هذا المعطى مرارا في جملة واحدة: شكلت تلمسان وبجاية إمارات في غاية الازدهار والتوهج، لكنهما لم تصنعا الدولة الجزائرية، في حين أسست فاس ومراكش دولة ممتدة عبر الألفية.

ولا ينطوي هذا القول على أي إساءة للجزائر، وكما كتبت في مناسبات عديدة، فإن البندقية، وجنوة، وفلورنسا، وبافاريا، وفلانديرز، وغيرها من الكيانات الراسخة في تاريخها المزدهر، لا تعاني من أي عقدة وجودية لكونها لم تؤسس إيطاليا أو ألمانيا أو بلجيكا.

تكمن المشكلة في أن الشوفينية الوطنية المفرطة والحساسية الزائدة لدى بعض المثقفين الجزائريين لا تمتلك النفس الطويل والمستوى نفسه، وربما يرجع ذلك إلى افتقارها للعمق ذاته.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 30/06/2026 على الساعة 11:00