فورين بوليسي: لماذا بات استرجاع المغرب لسبتة ومليلية حتمية تاريخية لا مفر منها؟

Des soldats espagnols déployés le long de la séparation entre Fnideq et Sebta.

انتشار جنود إسبان على طول الخط الفاصل بين فنيدق وسبتة. AFP or licensors

في 17/08/2026 على الساعة 12:00

فكك هوارد دبليو فرينش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كولومبيا، أوهام الاستعمار الإسباني في مدينة سبتة، عبر تحليل استراتيجي رصين نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية. واستعرض المراسل الدولي السابق لصحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل أزمة الهجرة الراهنة، مبرزا حتمية خضوع مدريد لمنطق البراغماتية عبر تسليم هذا الثغر المحتل إلى المغرب، لتصفية تركة الماضي الاستعماري وبناء مستقبل أكثر استقرارا.

تحتفظ الذاكرة التاريخية بمفارقة ساخرة وواضحة؛ فمدينة سبتة التي شكلت سنة 1415 نقطة انطلاق للتوسع الاستعماري الأوروبي داخل القارة الإفريقية، تجد نفسها اليوم بؤرة لانهيار آخر بقايا تلك الحقبة الإمبريالية. وتجسد أزمة الهجرة المتصاعدة على أسوار المدينة هذا التحول الجذري بدقة.

وفي هذا السياق، وضع الكاتب الأمريكي الدبلوماسية الإسبانية والأوروبية أمام حقيقة ساطعة تحاولان تفاديها باستمرار؛ إذ تجد مدريد نفسها مدفوعة بضغط التحولات الديموغرافية والواقعية الجيوسياسية إلى إعادة هذه المدينة إلى السيادة المغربية. فالإبقاء على جيب استعماري فوق الأراضي الإفريقية خلال القرن الحادي والعشرين يشكل نشازا تاريخيا صريحا، يجعل مسألة استعادة المغرب لأراضيه قضية وقت لا غير، وليست محل تشكيك أو افتراض.

استند فرينش، كاتب المقالات في «فورين بوليسي» والأستاذ بمعهد الصحافة في جامعة كولومبيا، إلى رصيد أبحاثه الفكرية البارزة، وفي طليعتها مؤلفاه «ولدوا في رحم السواد: إفريقيا والأفارقة وصناعة العالم الحديث» و«الانعتاق الثاني: نكروما، والوحدة الإفريقية، والمد العالمي للزنوجة».

وشرح الباحث الأمريكي أبعاد التوترات المحيطة بالثغر المحتل، ناسفا أسطورة السيادة الإسبانية الأبدية على المدينة.

استرجاع حتمي يفرضه منطق التاريخ

تتجه إسبانيا، وفق قراءة فرينش، نحو التخلي الاضطراري عن أطماعها في سبتة تحت وطأة المنطق السياسي والتحولات الهيكلية في الحوض المتوسطي.

ولا يعكس هذا المعطى مجرد تكهنات نظرية، بل يمثل موعدا تاريخيا لا مناص منه، حيث يوضح الأكاديمي الأمريكي: «أراهن على أن إسبانيا ستدرك في نهاية المطاف، تدريجيا وربما في القريب العاجل، حكمة التخلي عن مطالبها الترابية في إفريقيا انطلاقا من البراغماتية، وهي واقعية غابت حتى الآن عن البريطانيين في جبل طارق».

ويرتكز هذا الاستنتاج على عامل حاسم يتمثل في الصدمة الديموغرافية المتسارعة؛ فبينما تغرق القارة الأوروبية في شيخوخة سكانية غير مسبوقة، حيث لا يتجاوز معدل الخصوبة لدى النساء في إسبانيا أو إيطاليا طفلا واحدا في المتوسط، تشهد إفريقيا فورة شبابية متصاعدة.

ومن هذا المنطلق، يغدو الإصرار على تحصين حدود برية مغلقة وعسكرية على تخوم القارة السمراء، لحماية جيب معزول لا تتعدى مساحته كيلومترات معدودة، ضربا من العبث الجيوسياسي المحكوم عليه بالفشل المحتوم.

وضع قائم غير قابل للاستمرار

أصبح استمرار الهيمنة الإسبانية على سبتة خيارا غير قابل للحياة واستنزافا ماليا منهكا، حيث عرى فرينش التناقض الصارخ لوجود استعماري لا يفرز سوى أزمات دورية متلاحقة.

ويوضح الكاتب أن «الحفاظ على النظام العام في سبتة أمام تدفقات المهاجرين يكبد ميزانية الدولة تكاليف مالية باهظة ودائمة، ويفجر توترات داخل البيت الأوروبي نفسه».

ويحول الوضع القانوني والجغرافي لهذا الثغر إلى صاعق تفجير سياسي دائم، إذ يرى المحلل الأمريكي بصرامة أن التشبث بهذا الشريط الأرضي لم يعد يمنح سوى «مصدر اعتزاز للمواطنين الإسبان الغارقين في الحنين إلى حطام إمبراطوريتهم الغابرة»، بينما يواصل زعزعة التماسك الأوروبي بشكل متكرر.

وتتجلى هذه الهشاشة بوضوح مع تصاعد موجات الهجرة حين يتسرب الذعر إلى العواصم الأوروبية؛ حيث «سارعت إيطاليا، الجارة القريبة لإسبانيا، إلى فرض إجراءات مراقبة وتفتيش على القادمين من الأراضي الإسبانية للتأكد من عدم تسلل أي مهاجر إفريقي عبر الجيب الواقع شمال إفريقيا»، وهو ما يبرز بوضوح كيف يهدد الوجود الإسباني في سبتة استقرار فضاء شينغن والتضامن القاري برمته.

قصر نظر الإعلام الغربي

يكمن أبرز محاور تحليل هوارد دبليو فرينش في نقده اللاذع لطريقة تعاطي وسائل الإعلام الغربية مع الملف، واختزالها نزاعا تاريخيا يمتد لقرون في مجرد حادث أمني عابر.

وانتقد الكاتب بشدة هذا القصور التحليلي قائلا: «لقد صدمتني الرؤية الضيقة التي تبنتها منابر إعلامية واسعة في تغطية أحداث سبتة؛ إذ قدمت شريحة كبرى من التغطيات ما يجري على أنه مجرد أزمة هجرة عادية، وإن كانت حادة، مع التعامل مع الواقع الجغرافي القائم والخلفية التاريخية العميقة وراء العناوين الراهنة كأمر مسلم به لا يقبل النقاش».

وفي المقابل، يشكل فصل سبتة عن سياقها الاستعماري تشويها فاضحا للحقائق التاريخية. واستنادا إلى أبحاثه المنشورة في كتاب «ولدوا في رحم السواد»، شدد الباحث الأمريكي على أن السقوط في فخ التضليل الفكري يكمن في «تبني أطروحة تدعي أن البرتغال استحوذت على مستعمراتها في إفريقيا بدافع سهو أو صدفة عابرة (...) وأن سبتة مجرد تحفة أثرية وأثر تاريخي ينبغي على العالم قبوله اليوم دون التشكيك في انتمائه لأوروبا».

انفصام الدبلوماسية الإسبانية

يكشف المقال تناقضا جوهريا يعتري الدبلوماسية الإيبيرية؛ إذ تصر مدريد على إنكار حق المغرب المشروع في المطالبة بسبتة ومليلية، بينما تجند حماسا وطنيا متواصلا للمطالبة باستعادة صخرة جبل طارق من المملكة المتحدة.

ويشير فرينش بأصبع الاتهام إلى هذه الازدواجية الفاضحة، مبرزا أن «إسبانيا ترفض الحجج التاريخية والجغرافية التي يقدمها المغرب بشأن حقه المشروع في سبتة، لكنها تقدم في المقابل دفوعات متطابقة تماما بشأن جبل طارق».

ويصف الكاتب الوجود الإسباني فوق التراب الإفريقي بأنه «نشاز تاريخي يستحيل أن يصمد طويلا»، مؤكدا أن المنطق الذي تسوقه مدريد في مواجهة لندن ينسف بشكل قاطع مشروعية موقفها إزاء الرباط.

وأمام هذه القناعات الإسبانية الواهية، يعيد التاريخ التذكير بالدور التأسيسي للمغرب في جيوسياسية مضيق جبل طارق. فبينما تتشبث مدريد بنزاع ترابي في شمال إفريقيا، تؤكد الوقائع أن سلالة حاكمة انطلقت من المغرب هي من شيدت أصلا قلعة جبل طارق التي تطالب بها إسبانيا اليوم.

ويبرز فرينش هذه المفارقة التاريخية بسخرية لاذعة موضحا أن «جبل طارق تأسس في القرن الثاني عشر كمرصد عسكري محصن على يد الإمبراطورية الموحدية». وخلافا للموقف الإسباني الغارق في الماضي، يشيد الكاتب بالنضج الاستراتيجي للمغرب، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بـ «مطلب تاريخي تخلى عنه المغاربة منذ زمن طويل، وبمنطق بالغ التعقل والواقعية».

جذور الاحتلال وسقوط الأوهام

وسعيا لوضع قضية سبتة في سياقها الدقيق، يعود هوارد دبليو فرينش إلى بدايات الوجود الأوروبي الذي دشنه الأمير البرتغالي هنري الملاح سنة 1415.

ودحضا للروايات التمجيدية، يؤكد الكاتب أن الهجوم على المدينة الساحلية كان مدفوعا بأطماع مادية بحتة؛ حيث يوضح أن «ما كان يبحث عنه هنري لم يكن نشر المسيحية، ولا حتى ضم أراض شاسعة لمملكة أفيس، بل الاستحواذ على تدفقات الذهب الهائلة التي كانت تعبر من إفريقيا المتوسطية وأعماق الجنوب نحو أوروبا لقرون طويلة».

وفي مفارقة تاريخية أخرى، جاء انتقال سبتة من الوصاية البرتغالية إلى السيطرة الإسبانية نتيجة مباشرة لهزيمة عسكرية ساحقة تلقاها الغزاة فوق التراب المغربي. ففي سنة 1578، وخلال معركة وادي المخازن (معركة الملوك الثلاثة)، لقي الملك سيباستيان الأول حتفه، مخلفا فراغا عرشيا كبيرا في لشبونة، حيث يذكر فرينش أن «أزمة الخلافة البرتغالية في القرن السادس عشر نتجت عن غزو واسع للمغرب انتهى بكارثة عسكرية ومقتل الملك سيباستيان وجل أفراد عائلته».

واستغل فيليب الثاني ملك إسبانيا هذا الوضع ليستولي على العرش البرتغالي سنة 1580، وعندما استعاد البرتغاليون استقلالهم بعد ستة عقود، «تم التنازل للإسبان عن هذا الشريط من الأرض المغربية المعروف باسم سبتة».

غير أن العالم تبدل جذريا منذ ذلك الحين، وبات لزاما على مدريد، وفق فرينش، اتخاذ قرار شجاع يقطع مع هذا الإرث عبر إعادة الثغر إلى المملكة المغربية.

ويعبر الكاتب عن هذا الموقف الحاسم بوضوح تام قائلا: «في هذه المرحلة، يتعين على إسبانيا القيام بما يمليه العقل وإعادة هذا الإقليم، عديم الأهمية الجيوسياسية، إلى المغرب، مما يغلق نهائيا إمكانية استغلاله كباب خلفي للتسلل نحو فضاء شينغن الأوروبي».

ومن شأن هذه الخطوة أن تحرر مدريد من عبء تاريخي محرج، وتمنحها فرصة قيادة مقاربة أوروبية ناضجة ومستحدثة تجاه الجوار الإفريقي، متجاوزة «وهم إدارة حركة الشعوب القادمة من إفريقيا ودول الجنوب عبر الحلول الأمنية وحدها».

ويبقى إنهاء احتلال سبتة، في المحصلة، المدخل الأساس لتصفية التركة الاستعمارية وبناء فضاء رخاء مشترك ومستدام بين ضفتي المضيق.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 17/08/2026 على الساعة 12:00