زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس لسبتة ومليلية.. استفزاز معلن يخالف منطق التهدئة

Le roi Felipe VI et de la reine Letizia.

الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا

في 02/10/2026 على الساعة 11:00

يأتي الإعلان عن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر الجاري كنغمة نشاز واستسلام مقنع أمام مزايدات اليمين واليمين المتطرف، وذلك في وقت بلغت فيه الشراكة المغربية الإسبانية مستويات غير مسبوقة من المتانة.

وتدفع هذه الزيارة، وهي الأولى للملك الإسباني منذ اعتلائه العرش، بالعلاقات الثنائية نحو ارتداد استعماري متجاوز، معاكسة بذلك كل مساعي التهدئة وحسن الجوار.

وتشكل خطوة فيليبي السادس وقرينته الملكة ليتيزيا تحولا غير مفهوم وغير موات على الإطلاق، بعد مضي قرابة عقدين على آخر زيارة لعاهل إسباني للثغرين المحتلين، والتي تعود إلى نونبر 2007 في عهد خوان كارلوس الأول.

وجرى ترتيب هذه الجولة باتفاق مشترك بين القصر الملكي الإسباني وحكومة بيدرو سانشيز، الذي لن يرافقهما في هذه المحطة، لتهبط بالزيارة الرسمية الأولى للملك منذ توليه الحكم سنة 2014 وسط مناخ سياسي مشحون بالتوتر.

وتحاول مدريد تسويق هذه الخطوة بأسلوب مكشوف عبر إلباسها رداء الروتين المؤسساتي الرامي إلى شد أواصر الصلة بين الدولة المركزية والمدينتين المحتلتين، غير أن الظرفية الحارقة تمنحها بعدا تصعيديا وتجعل منها نشازا دبلوماسيا صريحا.

واختار التاج الإسباني النزول فوق تراب الثغرين المغربيين غداة التوترات الصيفية في ملف الهجرة، مضحيا بالحكمة الجيوسياسية لينساق وراء النزعات الأكثر رجعية في مشهده الحزبي الداخلي.

ويطرح توقيت هذه المحطة علامات استفهام كبرى، خاصة وأن الروابط بين الرباط ومدريد حققت نضجا ملحوظا باعتراف كافة المراقبين.

وشيد البلدان خلال السنوات الأخيرة صرح شراكة استراتيجية وثيقة، قوامها التنسيق المستمر، وبناء الثقة المتبادلة، والتدبير المشترك للتحديات الأورومتوسطية الحارقة، وعلى رأسها تفكيك شبكات الجريمة المنظمة وتنظيم تدفقات الهجرة.

وبرمج القصر الملكي الإسباني هذا التنقل غداة أزمة التوترات الصيفية بسبتة، وهي الوقائع التي أشعلتها دعوات رقمية تحريضية لاقتحام السياج الحدودي قبل أن تتدخل القوات العمومية المغربية بالفنيدق وتطوقها بحزم وسرعة، لتقع المؤسسة الملكية الإسبانية في زلة غير محسوبة بينما تسعى الدبلوماسية المشتركة إلى ترسيخ الهدوء.

ويعيد هذا التحرك إحياء نزاع ترابي بائد بصورة مفتعلة، إذ يخضع فيليبي السادس لضغوط الأصوات المتشددة وتنامي نفوذ اليمين، موجها رسالة ملتبسة تمنح غطاء للمنادين باستغلال ورقة المدينتين السليبتين لضرب محور الرباط-مدريد والتصويب المباشر ضد المغرب.

وتتفاقم خطورة هذا التوجه في ظل مناخ عام مسموم يطغى على النقاش العام في إسبانيا، بعدما فجرت الأزمة موجة عارمة من العداء الموجه ضد المغرب، قادتها طبقة سياسية انتهازية.

وانخرطت نخب إيبيرية، بإسناد من منابر إعلامية تبحث عن شماعة لتعليق إخفاقاتها، في ترويج روايات خيالية وافتراءات مجانية طالت المصالح الأمنية والسلطات المغربية عبر اتهامات باطلة بالتساهل أو التواطؤ في تدفقات المعابر الفاصلة بين الفنيدق وسبتة.

ويتجاهل هذا الطرح عمدا التضحيات الجسيمة والمجهودات المضنية، المادية والبشرية، التي يبذلها المغرب لحماية المنطقة الحدودية وصد موجات الهجرة غير النظامية.

وشكلت تلك التطورات وقودا لعودة خطاب الكراهية بحدة، حيث تحول المهاجرون إلى أدوات استقطاب، ورافق ذلك خلط مقيت طال عموم الجالية المغربية التي جرى تصويرها كخطر دائم.

واندفع كل من «الحزب الشعبي» وتنظيم «فوكس» الشعبوي لاستثمار الموقف بانتهازية فجة، متخذين من سبتة ومليلية منصة للمزايدات والمناورات داخل البرلمان الأوروبي وفي وسائل الإعلام لاستهداف المملكة بنهج ممنهج، في بعث مكشوف لعقد استعمارية قديمة تتنافى كليا مع روح شراكة القرن الحادي والعشرين.

ويكرس العاهل الإسباني، بحضوره الرسمي في خضم هذا الانجراف الشعبوي، انطباعا مؤسفا يزكي أطروحات العداء والتطرف التي تروجها تلك التيارات الراديكالية.

وتمثل هذه الخطوة الملكية فوق أراض مغربية محتلة استفزازا حقيقيا لمشاعر الشعب المغربي ووجدانه الوطني.

ويثبت المغرب يوميا اتزانا لا غبار عليه وحسا استراتيجيا عاليا بالمسؤولية، ما رسخ موقعه كصمام أمان إقليمي وركيزة استقرار محورية في شمال إفريقيا تحظى بإشادة القوى الدولية الفاعلة.

وأمام هذا الدور البناء، يثير ارتماء إسبانيا الرسمية في أحضان حنين الإمبراطورية البائدة ورضوخها لابتزاز اليمين المتطرف خيبة أمل واسعة، إذ لا يمكن لأي تقادم زمني أن يمحو واقع الاحتلال الاستعماري الجاثم فوق تراب القارة الإفريقية، أو يمنح شرعية لخرجات استعراضية تروم التغطية على تعثرات التدبير الداخلي في مدريد.

وستسجل زيارة فيليبي السادس لسبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري كموعد ضائع مع التهدئة ورص الصفوف.

فالتاج الإسباني، وبسعيه لتقديم تطمينات لليمين بكافة أطيافه، يفرط في رصيد الثقة الذي بناه الجاران طيلة سنوات من العمل الميداني لبناء مستقبل مشترك حتمي.

وإذ أثبت التعاون الثنائي قدرة عالية على الصمود وتجاوز الهزات، فإن هذا التنقل يلقي بظلال قاتمة لا مبرر لها على شراكة واعدة تستحق مسارا أرفع بكثير من الحسابات الانتخابية الضيقة للطبقة السياسية الإسبانية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 02/10/2026 على الساعة 11:00