سبتة: البرلمانية الأوروبية إيلاريا ساليس تفتح النقاش الذي سعت مدريد لتفاديه بأي ثمن

رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تلقي خطابها السنوي حول حالة الاتحاد خلال جلسة عامة للبرلمان الأوروبي، في 16 شتنبر 2026 في ستراسبورغ. AFP or licensors

في 17/09/2026 على الساعة 07:00

نسفت البرلمانية الأوروبية الإيطالية إيلاريا ساليس الرواية الرسمية الإسبانية بشأن مدينة سبتة، بعدما نفت عنها صفتي الإسبانية والأوروبية واصفة إياها بأنها «أثر متبق من مخلفات الاستعمار الأوروبي». وأربكت هذه المداخلة سيناريو نقاش نقلته التشكيلات الحزبية الإسبانية إلى ستراسبورغ لمطالبة الاتحاد بالتضامن والتمويل وممارسة الضغط على المغرب، ليتحول المسار نحو سجال محرج فكك دلالات الوجود الأوروبي فوق التراب الإفريقي وأبعاده التاريخية.

كانت جملة واحدة كافية لبعثرة أوراق النقاش الأوروبي حول سبتة، حين صدحت ساليس من منصة البرلمان الأوروبي قائلة: «سبتة ليست إسبانيا، وسبتة ليست أوروبا». ولم تكتف النائبة الإيطالية بانتقاد المقاربة الأوروبية في تدبير ملف الهجرة أو مهاجمة خطاب اليمين، بل قوضت المنطلق الترابي الذي بنت عليه مدريد هجومها الدبلوماسي داخل قبة البرلمان.

وقدمت ساليس، المنتمية إلى تحالف «الخضر واليسار» والناشطة ضمن كتلة «اليسار»، المدينة بوصفها نشازا استعماريا غير مبرر، مؤكدة: «جغرافيا تقع المدينة في إفريقيا، وتاريخيا تشكل أثرا من مخلفات الاستعمار الأوروبي». وانطلاقا من هذا التناقض البنيوي، شددت المتحدثة على ضرورة تفكيك ملابسات محاولات العبور الجماعي للمهاجرين يومي 30 و31 يوليوز، معتبرة أن اليمين سارع إلى تحويل تلك الوقائع إلى «دعاية عنصرية وقومية ضيقة».

واستنكرت البرلمانية الإيطالية تدفق ملايين اليورو من ميزانية الاتحاد الأوروبي لتحصين «هذه الرقعة من الأرض الإفريقية»، رابطة الوفيات المسجلة خلال محاولات الدخول بـ«خزي الحسابات الجيوسياسية والعقلية الاستعمارية التي لا تزال تسكن أوروبا». وتجاوزت ساليس ذلك بتأكيدها أن أوروبا لا تملك أي مسوغ يمنحها الحق في مصادرة حرية التنقل، «بما في ذلك داخل القارة الإفريقية».

وسارعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى الرد داخل القاعة ذاتها دفاعا عن مقاربة نقيضة تماما، إذ صرحت خلال خطاب حالة الاتحاد: «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا، وأوروبا ستكون إلى جانبكم».

وعملت الحكومة الإسبانية طوال أسابيع على نقل الأزمة إلى المستوى الجماعي الأوروبي عبر التماس تمويلات إضافية، وتدخل الوكالات المتخصصة، وتعزيز انتشار عناصر وكالة «فرونتكس»، بغية انتزاع اعتراف سياسي يكرس حدود سبتة حدودا خارجية للمنظومة الأوروبية برمتها. وجاءت النتيجة عكسية؛ إذ قاد تدويل الأزمة أوروبيا إلى إطلاق نقاش جماعي حول الطبيعة الجغرافية والسيادية للمنطقة.

ويجانب الصواب من يختزل خرجة ساليس في مجرد صوت شاذ، خصوصا أنها انطلقت من قلب المؤسسة التي تلح إسبانيا في مطالبتها بتحمل التكاليف السياسية والمالية والميدانية لحماية سبتة. وكشفت هذه المداخلة أن الدعم الأوروبي ليس شيكا على بياض، وأن نقل الملف إلى بروكسيل منح قوى سياسية أوروبية مساحة مشروعة للنبش في الشرعية التاريخية للسيادة الإسبانية على الثغر.

ولم تنفرد ساليس بفتح هذه الثغرة، إذ وجهت البرلمانية السويدية عبير السهلاني، عن كتلة «تجديد أوروبا»، تساؤلا لنظرائها حول ما إذا كانوا يدركون الموقع الجغرافي الحقيقي لسبتة، والفارق بين «الوجود الجغرافي في أوروبا» و«الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي». ورغم خلو كلامها من التشكيك المباشر في السيادة الإسبانية، إلا أنه أبان عن اتساع رقعة التساؤل حول الخلط بين المعطى الجغرافي والانتماء المؤسساتي، حتى خارج فضاء كتلة أقصى اليسار.

ودأبت إسبانيا في السابق على حصر الخلاف في إطاره الثنائي مع المغرب، متفادية الخوض في جوهر النزاع السيادي. أما داخل البرلمان الأوروبي، فقد تحولت الحدود إلى مادة خاضعة للتداول المشترك، الأمر الذي أتاح للنواب تفكيك خلفيات هذا الامتداد الأوروبي في إفريقيا، وهو المنعطف الذي فرضته ساليس واضعة الجميع أمام مسؤولياتهم السياسية.

كلفة تدويل الملف في بروكسيل

وتحركت إسبانيا في بروكسيل بثلاث استراتيجيات مشتتة بدل خطة موحدة ومتجانسة. وراهنت حكومة بيدرو سانشيز على تدويل براغماتي التمست من خلاله دعما ماليا لتعزيز الاستقبال والمراقبة وعمليات الترحيل، مطالبة بإسناد ميداني من «فرونتكس» و«يوروبول» ووكالة اللجوء الأوروبية. واستجابت المفوضية بضخ 114.7 ملايين يورو لصالح مدريد مع بحث انتشار أطول لفرونتكس، في مسعى لتقاسم أعباء الطوارئ دون نسف جسور التعاون مع الرباط، وهو المسار الذي تراه الحكومة المركزية ركيزة لا غنى عنها.

واختار الحزب الشعبي المعارض تدويل الأزمة سياسيا لإحراج خصومه، متبنيا تنظيم جلسة استثنائية تحت عنوان «الهجمات الهجينة الأخيرة وتوظيف المهاجرين في سبتة، وضرورة وجود رد منسق لحماية الحدود الخارجية للاتحاد».

وأقر المتحدث باسم الحزب، بورخا سيمبر، برغبة تشكيله في «أوربة» القضية، ليس لجلب الدعم للمدينة فحسب، بل لتوجيه إدانة أوروبية لتدبير سانشيز وزيادة منسوب الضغط على المغرب.

وبرز في المسار نفسه تحرك قاده رئيس الحكومة المحلية بسبتة، خوان فيفاس، الذي كثف اتصالاته بمسؤولي بروكسيل للمطالبة بترحيل فوري للمهاجرين، وتمويلات مستدامة، وتعزيزات أمنية هيكلية، انطلاقا من قناعته بعدم جدوى ارتهان أمن المدينة لتعاون جار لا يعترف بسيادة إسبانيا على الأرض.

والتقت المساعي الثلاثة ظاهريا خلف شعار «سبتة هي أوروبا»، مع تباين جوهري في الغايات؛ فبينما تسعى الحكومة المركزية لنيل التضامن المالي دون التضحية بالشراكة مع الرباط، يطالب الحزب الشعبي بمحاسبة سياسية وإدانات حادة، في حين يضغط فيفاس لفك الارتباط بالتنسيق مع المغرب. وحول هذا التضارب قبة البرلمان الأوروبي إلى مرآة عكست صراع الاستقطاب الداخلي الإسباني.

«هجوم هجين» دون إثباتات رسمية

وحمل عنوان النقاش شحنة سياسية مبيتة، إذ تحيل مفردات «الهجمات الهجينة» والتوظيف إلى وجود تخطيط منظم يروم ضرب الاستقرار، رغم أن الجهة التي تقف خلف الوقائع لم تحدد هويتها رسميا حتى الآن.

وأعاد بيدرو سانشيز تأكيد غياب أي قرينة تثبت تورط الدولة المغربية في تنظيم موجات النزوح الأخيرة. وكشفت الوثائق الاستخباراتية الإسبانية رصد نداءات تحريضية عبر شبكات التواصل جرى إخطار مسؤولي مدريد ونظرائهم في الرباط بها في حينها، دون رصد أي صلة لمؤسسات مغربية بالعملية. وزكى تقرير لاحق لقيادة الحرس المدني هذا المعطى، بعدما استبعد وجود أي رابط يجمع الأحداث بالسلطات الأمنية المغربية أو بشبكات تهريب منظمة، وفق ما وثقته مذكرة صادرة عن مصلحة الأبحاث في البرلمان الأوروبي.

ودفع هذا التوصيف الجلسة بعيدا عن تدبير طوارئ الهجرة نحو منطق الصدام والتهديد الخارجي، دون توجيه اتهام صريح، وهو الفراغ الذي استغلته الأطراف لترويج سردياتها الحزبية.

ورمت البرلمانية دولوريس مونسيرات المغرب بمسؤولية الأحداث «فعلا أو تقصيرا»، ناعتة سانشيز بـ«المتواطئ والشريك»، في حين طالب خورخي بوكسادي عن حزب «فوكس» اليميني المتطرف بتجميد اتفاقية الشراكة مع المغرب، ووقف صرف المساعدات المالية، وتشديد القيود على منح التأشيرات وبطاقات الإقامة للمغاربة.

وتصدى الاشتراكيون لهذه المزايدات بحزم؛ إذ هاجمت إيراتخي غارسيا استغلال اليمين لملف سبتة بغرض تصفية حسابات داخلية، محذرة من مخاطر الترحيل العشوائي للقاصرين وطالبي اللجوء. ودعا مقترح الحزب الاشتراكي إلى توجيه الشكر للمغرب تقديرا لجهوده في التعاون، مع التشديد على متانة الشراكة الثنائية ونجاعتها، على النقيض من مسودة نواب الحزب الشعبي التي طالبت الرباط بتحمل أعباء مراقبة الحدود واستعادة المهاجرين قسرا.

ويحسم البرلمان موقفه عبر التصويت على لائحة غير ملزمة قانونا، بيد أن ارتداداتها السياسية تظل وازنة؛ فأي مساس صريح بالمغرب أو تلويح بإعادة تقييم اتفاقية الشراكة كفيل بخلخلة توازن استراتيجي تسهر المفوضية الأوروبية على صيانته بحذر.

المفوضية تتمسك بالشراكة مع المغرب

واختار المفوض الأوروبي المكلف بالشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، خطابا واقعيا بعيدا عن التشنج، واصفا ما جرى بـ«اختبار التحمل» للجاهزية الأوروبية، مع إبراز عدم وصول أي مهاجر إلى عمق القارة أو اختراق فضاء شنغن. وربط برونر هذه النتيجة مباشرة بنجاعة التنسيق الميداني مع المغرب، مؤكدا استعداد المملكة لاستقبال العائدين الذين لا تتوفر فيهم معايير البقاء القانوني.

ونسفت هذه المواقف جوهر خطاب التصعيد، لإدراك المفوضية استحالة تدبير مسارات الهجرة الغربية وتأمين العودة دون مساهمة وازنة من الرباط. وسجل تقرير لمركز الأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي أن بوصلة بروكسيل تتجه بوضوح نحو تعميق التعاون ورفع سقف الدعم المالي، بعيدا عن أي رغبة في التباعد أو التوتر.

وتزامن ذلك مع معطيات كشفت توجيه البعثة الدبلوماسية المغربية لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي رسالة لنواب أوروبيين، أكدت فيها جاهزية المملكة لإعادة قبول مواطنيها والقاصرين غير المصحوبين المعنيين بالأحداث، مذكرة بمواقف الحكومة الإسبانية التي برأت الرباط من أي دور في التنسيق أو التدبير.

وأثارت هذه الخطوة حفيظة جهات إسبانية سارعت إلى تصوير الرسالة في قالب مناورة للضغط على البرلمان، مطلقة العنان لتأويلات تفتقر للسند الملموس، في ظل تعذر الاطلاع على النص الكامل للمراسلة.

وطفا التناقض الأوروبي مجددا على السطح؛ ففيما يلوح نواب بمعاقبة الرباط، تبحث المفوضية عن تمتين الشراكة معها لتفعيل تدابير الإرجاع ذاتها. وتطالب مدريد أوروبا بتحمل مسؤولية حماية الحدود، في حين تواصل بروكسيل إدارة هذا الملف عبر مد الجسور مع المغرب.

ويبقى المتغير الأهم متمثلا في نجاح ساليس في بعث السؤال الشائك الذي سعت مدريد إلى دفنه طويلا؛ فبدل أن يفضي تدويل الأزمة إلى إسناد مطلق لسياسة الحدود والضغط على الرباط، ذكرت البرلمانية الإيطالية بأن وضع سبتة في واجهة السياسة الأوروبية يستدعي حتما مساءلة التاريخ والجغرافيا، ويكشف التناقض الصارخ في فرض خط حدودي أوروبي فوق أرض إفريقية.

وجاء رد رئيسة المفوضية قطعيا دون أن يقوى على تبديد الإشكال الحقيقي الذي أثارته ساليس؛ إذ لم تعد سبتة ملفا محصورا في الأروقة الثنائية بين الرباط ومدريد، بل باتت موضوعا مفتوحا للنقاش الأوروبي، وبسياقات لم تخطر يوما على بال المفاوض الإسباني.

وقد تقر اللائحة الأوروبية التضامن مع إسبانيا وتدعو لمضاعفة الرقابة، غير أنها لن تمحو المعضلة السياسية التي تفجرت في الجلسة العامة؛ فكلما أفرطت مدريد في ربط سبتة بالهوية الأوروبية، صعب عليها منع البرلمانيين الأوروبيين من التساؤل حول هوية سبتة وماهيتها الوجودية في الأصل.

تحرير من طرف فائزة غول
في 17/09/2026 على الساعة 07:00