قضية سبتة: وثائق جلاء الحقيقة تفجر مزيدا من الارتباك في إسبانيا

مهاجرون يعودون إلى المغرب بعد عبورهم الحدود متجهين إلى سبتة، في 31 يوليوز 2026. AFP or licensors

في 10/09/2026 على الساعة 10:52

أشعل الإفراج عن وثائق سرية تخص أحداث سبتة سجالا سياسيا وإعلاميا محتدما في إسبانيا، متوزعا بين روايتين متناقضتين؛ تحاول الأولى توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب، بينما تستهدف الثانية تدبير حكومة بيدرو سانشيز للأزمة.

وسارع الجهاز التنفيذي الإسباني إلى التدخل لفرض روايته وتطويق الجدل، مشددا على أن جهاز الاستخبارات رصد بالفعل دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غير أنه لم يصدر قط أي إخطار يفيد بحدوث تدفق جماعي وشيك، ولم يقدر عدد المشاركين المحتملين بـ180 ألف شخص.

وفى بيدرو سانشيز بتعهده أمام مجلس النواب بشأن كشف المعطيات المتاحة لدى السلطات الإسبانية إبان التدفقات نحو المدينة، إذ نفذت حكومته هذا الالتزام يوم الأربعاء.

وأتاحت مدريد الاطلاع على قرابة 40 وثيقة ومذكرة ومراسلة أمنية صيغت بين فاتح يوليوز وفاتح غشت. وتصدر هذه الوثائق عن المركز الوطني للاستخبارات «CNI»، ومركز استخبارات القوات المسلحة، إضافة إلى الشرطة الوطنية والحرس المدني، فضلا عن تضمن الملف مبادلات مباشرة جمعت الاستخبارات بمندوبية الحكومة في سبتة وإحدى وحدات الحرس المدني.

وبعكس التوقعات الرسمية التي روجت للمبادرة كخطوة تعكس الشفافية، لم تضع هذه الخطوة حدا للجدل السياسي، بل كرست انقساما حادا في قراءة المعطيات فور خروجها إلى العلن.

وانقسمت المنصات الإعلامية الإسبانية إزاء الملف إلى تيارين متصارعين؛ ركز التيار الأول على فقرات تصف تحركات القوات المغربية لمحاولة الترويج لفرضية «التساهل» من جانب الرباط، في حين انصب تركيز التيار الثاني على أداء حكومة سانشيز ومدى سرعة تفاعلها، مستنكرا بقاء معلومات أمنية حساسة دون تحويلها إلى إنذار رسمي مبكر.

واستأثرت المراسلات المؤرخة في 29 يوليوز، أي عشية تدفق آلاف المهاجرين، بحصة الأسد من السجال الدائر، بعدما رصدت منشورات متداولة عبر الشبكات الاجتماعية تحث على الدخول غير النظامي تزامنا مع احتفالات عيد العرش، مع الإشارة إلى مجموعتين تضمان معا نحو 180 ألف متابع.

وسرعان ما تلقفت أطراف حزبية وإعلامية هذا الرقم، محاولة توظيفه كدليل على علم السلطات الإسبانية المسبق بحجم الأحداث المرتقبة.

توضيحات حاسمة من قصر «المونكلوا»

وعقب ساعات قليلة من الكشف عن الملف، بادرت الحكومة الإسبانية إلى توجيه بيان توضيحي عبر وكالة «إيفي» لقطع الطريق على هذه التفسيرات.

وأكدت رئاسة الحكومة، من قصر «المونكلوا»، أن المركز الوطني للاستخبارات لم يوجه أي إنذار رسمي بشأن وصول حشود غفيرة إلى سبتة، مبرزة أن مراسلات 29 يوليوز اقتصرت على رصد منشورات عبر تطبيقي «فيسبوك» و«واتساب» تدعو لمحاولة دخول المدينة خلال عيد العرش.

وفندت الرئاسة بشدة القراءات المتعلقة بحجم المجموعات الافتراضية، موضحة أن حصر 180 ألف متابع لم يشكل تقديرا لعدد المشاركين المحتملين، بل انحصر في قياس الجمهور المفترض الذي وصلت إليه الرسائل المبثوثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وانطلاقا من هذا التوضيح، ترى الحكومة أن أطرافا سقطت في فخ الخلط بين حجم متابعي المجموعات الرقمية وبين التقديرات الميدانية للأشخاص المنتظرين عند المعبر، مؤكدة خلو الوثائق من أي بيانات تتيح توقع تعبئة تماثل ما شهده يوما 30 و31 يوليوز.

وفي السياق ذاته، لفت الجهاز التنفيذي إلى أن الاستخبارات لم تصدر أي إشعار رسمي عبر قنوات التسلسل القيادي المعتمدة، حيث لم يتلق رئيس الحكومة أو أي وزير في فريقه إخطارا مباشرا بالواقعة.

وجرى تمرير تلك المعلومات عبر محادثات هاتفية وتطبيق «واتساب» مع ديوان مندوبية الحكومة بسبتة والوحدة المركزية الخاصة رقم 3 التابعة للحرس المدني، الأمر الذي يعكس، بحسب «المونكلوا»، أن الاستخبارات لم تصنف تلك المؤشرات بدرجة الخطورة التي تسوقها منابر إعلامية اليوم.

وشددت الحكومة على أن استشعار خطر حقيقي ووشيك كان سيقتضي تفعيل المساطر المعتمدة وإحالة الإنذار إلى أعلى هرم القيادة فورا، وهو ما لم يحدث إطلاقا.

وعلى النبرة ذاتها، دافع وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، عن هذا الموقف في بروكسيل عقب لقاءات جمعته بمسؤولين أوروبيين، مصرحا: «حسب علمي، لم يحذر أي تقرير من تدفق بهذا الحجم».

وأشار ألباريس إلى أن مسؤولي وكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» أكدوا بدورهم خلو أنظمة الرقابة بالأقمار الاصطناعية من أي نشاط غير معتاد عند الحدود، مضيفا أن «المعطيات لم تكن تنذر البتة بأي حدث يخرج عن المألوف».

وهكذا أسدل الستار على الجدل المتجدد بصوت إضافي داخل التخبط السياسي والإعلامي الإسباني حول سبتة، بعدما تحولت الوثائق الموجهة أصلا لتبيان الحقائق إلى مادة تغذي صراع الروايات حول المغرب، وأداء الاستخبارات، وطريقة تدبير حكومة بيدرو سانشيز للأزمة.

تحرير من طرف فائزة غول
في 10/09/2026 على الساعة 10:52