سانشيز ينسف مجددا الرواية المعادية للمغرب ويؤكد غياب أي أدلة تدين الرباط في أحداث سبتة

رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، أمام مجلس النواب، يوم 3 شتنبر 2026 في مدريد. AFP or licensors

في 03/09/2026 على الساعة 17:00

جدد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، من منصة البرلمان، تأكيده القاطع على غياب أي معطيات أو دلائل، صادرة عن هيئات وطنية أو دولية، تثبت تورط المغرب في التخطيط لدخول المهاجرين غير النظاميين إلى سبتة أو تدبيره. وطالب سانشيز بتقديم توضيحات وافية حول حقيقة دور «المركز الوطني للهجرة والحدود» (Cenif) في هذه التطورات، معلنا في الآن ذاته نشر كافة الوثائق والتقارير الأمنية المحررة قبل أحداث 30 و31 يوليوز الماضي.

وقطع سانشيز الطريق أمام القراءات الموجهة التي هيمنت على النقاش الإعلامي والسياسي داخل إسبانيا وخارجها خلال الساعات الماضية، مشددا على أن مدريد لا تملك أدنى مؤشر ينسب إلى الرباط هندسة هذا التدفق البشري.

وتنسجم هذه المواقف مباشرة مع التوضيحات الرسمية التي قدمها المدير العام للشرطة الوطنية، فرانسيسكو باردو، لوزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، حيث نفى وجود أي تقرير أمني يوجه أصابع الاتهام إلى السلطات المغربية بشأن تنظيم الوقائع.

ورغم تصدر الادعاءات الموجهة ضد المغرب واجهة العناوين الإخبارية والبرامج الحوارية التلفزيونية، لم يحظ نفي الشرطة بنفس التغطية والاهتمام. وتواصل بعض المنابر الإعلامية ترويج الرواية الأولى المبنية على مقتطفات من وثيقة مدرجة في تحقيق قضائي، متجاهلة استبعاد السلطات الإسبانية نفسها لفرضية وجود عملية مدبرة من الجانب المغربي.

غياب تام للأدلة المؤسساتية

أعلن بيدرو سانشيز موقفا حاسما إزاء التحقيقات الجارية، مؤكدا أمام النواب: «لا يمكن إطلاقا الاستنتاج بأن هذه العملية دبرت في المغرب». وأوضح رئيس الجهاز التنفيذي أن أيا من المؤسسات المستشارة لم تدل بما يعزز هذه المزاعم.

وتابع سانشيز بنبرة حازمة: «أؤكد لكم أن أيا من تلك المؤسسات، تماما مثل المصالح الدبلوماسية والمفوضية الأوروبية ومختلف الهيئات الدولية، لم تحل إلى الحكومة الإسبانية أدلة ملموسة تفيد بتخطيط المغرب لهذه الأحداث أو ترتيبها».

ويبقى مسار التحقيق مفتوحا على كافة الاحتمالات، إذ تعهد سانشيز بنشر أي مستجدات قد تطفو على السطح والتعاطي معها وفق المقتضى، بيد أن جوهر الموقف الحكومي ظل جليا؛ إذ تفتقر إسبانيا في ظل البيانات المتاحة لأي سند يخول لها تحميل الرباط مسؤولية التخطيط.

ونسفت هذه المعطيات الصريحة السردية المشيدة حول وجود تقرير شرطي افتراضي يورط المملكة مباشرة، وهي الرواية التي سارعت أطراف سياسية إلى استغلالها للمطالبة بتقديم استقالات وإجراء انتخابات مبكرة، إلى جانب تصعيد الخطاب المناهض للمغرب قبل التحقق من طبيعة الوثائق المروجة وخلفياتها.

مساءلة المركز الوطني للهجرة والحدود

ركز رئيس الحكومة جانبا وافرا من تساؤلاته على خلفيات تحركات «المركز الوطني للهجرة والحدود» التابع لجهاز الشرطة الوطنية.

وتساءل سانشيز باستغراب: «لماذا أحجم المركز عن إحالة أي مذكرة إخبارية محررة بتاريخ 29 يوليوز إلى رؤسائه ضمن سلسلة القيادة في الشرطة أو في وزارة الداخلية؟».

وطالب رئيس السلطة التنفيذية بكشف أسباب حجب مضامين التقرير الذي طلبته قاضية بالمحكمة الوطنية، بالنظر إلى حساسيته وارتباطه بأمن الدولة، دون إطلاع قيادة الشرطة أو دوائر القرار الحكومي على تفاصيله.

وأبرز سانشيز أمام أعضاء الغرفة التشريعية: «لماذا لم تحل وثيقة أعدت بطلب قضائي، وتحمل تداعيات تمس أمن الدولة، إلى المسؤولين المباشرين المعنيين أو إلى الحكومة الإسبانية؟ هذا تحديدا ما ينتظر تقديم إجابات واضحة بشأنه أمامكم».

وتكتسي هذه المسألة أهمية بالغة عقب الكشف عن إصدار القاضية تعليمات بعدم مشاركة مخرجات التحقيق القضائي مع القيادة الأمنية العليا إلا بترخيص مسبق، ما ينقل السجال من مجرد فحص نصوص الوثائق إلى مسارات تداولها وأطرها القانونية، فضلا عن التوظيف السياسي والإعلامي لفقرات مجتزأة منها.

دور محوري للتعاون المغربي في عمليات الإرجاع

شدد سانشيز على أن إدارة تداعيات التسلل الجماعي ما كانت لتتحقق لولا التعاون الميداني المباشر مع المغرب. فبمجرد ضبط الحدود، انصبت الأولوية التنفيذية على التكفل بالمهاجرين وترحيل من لا يملكون سندا قانونيا للإقامة فوق التراب الإسباني دون إبطاء.

واقتضت الخطة تعزيز الموارد البشرية المتخصصة في تدبير الهجرة، ورفع الطاقة الاستيعابية لمراكز الاستقبال المؤقتة، بالتوازي مع تفعيل «تنسيق وثيق ومباشر مع السلطات المغربية». ولولا هذا التنسيق المشترك، لاستحال بلوغ تلك النتائج على المستويين اللوجستي والقانوني.

وكشف رئيس الحكومة عن عودة نحو 50 ألف شخص إلى المغرب في غضون أقل من 24 ساعة، ليرتفع الرقم بعد 72 ساعة إلى 63 ألف شخص، ما يمثل أزيد من 90 في المائة من مجموع الوافدين بشكل غير نظامي. ووصف سانشيز هذه التدابير بأنها «إحدى أسرع عمليات الإرجاع المنفذة في تاريخ أوروبا المعاصر»، مشيرا إلى إشادة المفوضية الأوروبية بنجاعة هذا التدخل.

وفي سياق متابعة العمليات الميدانية، أفاد المتحدث بترحيل 3658 مهاجرا صوب المغرب، ونقل 3300 شخص إلى خارج سبتة منذ 10 غشت الماضي. وأسفرت التدابير المتخذة عن إخلاء الشوارع من 1530 شخصا عبر حلول الإيواء أو الإرجاع أو الترحيل، فيما تعتزم السلطات تسوية وضعية ما لا يقل عن 1500 شخص إضافي خلال الأسبوعين القادمين للتخفيف من حدة الضغط المتواصل على المدينة.

تباين في القنوات الدبلوماسية

تطرق سانشيز إلى التصريحات الصادرة عن مسؤولين حكوميين مغربيين بخصوص مدينتي سبتة ومليلية، مشيرا إلى عقد لقاء مع سفيرة المغرب بمدريد، كريمة بنيعيش، في 21 غشت الماضي، لإبلاغها برفض مدريد لتلك المواقف ووصفها بأنها «غير مقبولة».

وكان وزير الشؤون الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، قد صرح سابقا بأن مدريد عبرت عن موقفها «عبر مختلف القنوات الدبلوماسية المتاحة»، دون الإفصاح وقتها عن انعقاد اللقاء المذكور. واختتم سانشيز هذه الجزئية بالتشديد على المنظور الإسباني بالقول: «سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وستظلان كذلك إلى الأبد».

انتفاء الإنذارات الاستباقية الاستثنائية

نفى رئيس الحكومة توصل فريقه بأي إشعار تحذيري يتيح توقع حجم هذا التدفق الاستثنائي قبل وقوعه.

وجاء رد سانشيز قاطعا عند سؤاله عن وجود مؤشرات مسبقة: «الجواب واضح: لم نتلق أي إنذار». وأوضح أن الفريق الحكومي دقق في مختلف الرسائل والمذكرات المحالة من القوات الأمنية و«المركز الوطني للاستخبارات» وباقي المصالح المختصة إلى السلطات السياسية ومندوبية الحكومة في سبتة.

وأكد سانشيز للنواب: «أؤكد لكم خلو تلك الوثائق من أي عناصر تتجاوز التوصيف الروتيني للبيانات الدورية والإنذارات العادية، كما لم تتوقع أي منها حجم الوقائع أو احتمالية حدوثها بتلك الشاكلة».

واستحضر المسؤول الإسباني تقرير وكالة «فرونتكس» الدوري الذي لم يشر إلى أي تدفق وشيك، مستحضرا أيضا مذكرة «المركز الوطني للهجرة والحدود» التي خلصت إلى عدم وجود ما يثير القلق في تفاعلات شبكات التواصل الاجتماعي، مع الإشارة العابرة إلى أن هدوء البحر قد يشجع محاولات فردية للعبور عبر الحواجز الصخرية، دون أن ترقى لدرجة التحذير من واقعة بهذا الحجم.

ودحض سانشيز الاتهامات القائلة باطلاع حكومته على الخطر واختيارها عدم التحرك، مصرحا بحزم: «من السخف الاعتقاد بأن الحكومة علمت بالأمر مسبقا وقررت بإرادتها عدم التدخل».

نشر الوثائق كاملة ومراجعة آليات التنسيق

حسم رئيس الوزراء الجدل القائم بإعلانه إصدار تعليمات لتجميع كافة التقارير المنجزة خلال الأيام السابقة للوقائع وعرضها للعموم.

وأبرز سانشيز هذا التوجه بقوله: «لا تملك الحكومة ما تخفيه في هذا الملف. وقد أصدرت أوامري بنشر ملف يضم كافة التقارير دون استثناء، ليتسنى لوسائل الإعلام والمواطنين الاطلاع عليها مباشرة وبشفافية».

وسيتيح هذا الإجراء مقارنة المذكرات الروتينية والإنذارات المتاحة بالوثائق المرفوعة للقضاء لاحقا، علاوة على التحقق مما إذا كانت الرواية المهيمنة على الساحة السياسية تعكس حقيقة تلك التقارير، أم أنها وليدة توظيف لمقاطع مقتطعة من سياقها الأصلي.

وعلى صعيد التعاون الثنائي، أعلن سانشيز إطلاق مراجعة لآليات العمل المشترك مع المغرب لتفادي تكرار مثل هذه الظروف مستقبلا.

وأوضح في هذا الصدد: «نعكف على مراجعة شاملة لمنظومة التنسيق والإنذار المشترك مع الدولة المغربية، وسنعمل على إرساء ضمانات إضافية تمنع تكرار ما شهدته المدينة في 30 يوليوز المنصرم».

وجدد رئيس الحكومة تمسكه بحتمية الحفاظ على علاقات حسن الجوار والتعاون مع الرباط، وهو التوجه الذي أكدته السلطات المغربية برفضها استغلال ملف الهجرة وسيلة للضغط وتأكيدها على استمرار الحوار مع مدريد، ليختتم كلمته بالتأكيد: «يتعين علينا مواصلة التعاون مع المغرب والحفاظ على علاقات حسن الجوار، مع التسليم التام بأن صيغ هذا التعاون مدعوة للتطور إثر ما جرى».

تحرير من طرف فائزة غول
في 03/09/2026 على الساعة 17:00