وجاء هذا التصعيد الميداني في أعقاب مسيرة احتجاجية حاشدة ضمت أزيد من 2000 شخص، انطلقت من محيط المستشفى العسكري وجابت شوارع المدينة وصولا إلى مقر المندوبية الحكومية الإسبانية. ورفع المشاركون أعلام إسبانيا ورايات المدينة للمطالبة بترحيل الوافدين الجدد واستقالة مندوب الحكومة ورئيس الجهاز التنفيذي بيدرو سانشيز، محملين السلطات المركزية مسؤولية تفاقم الأزمة.
إتلاف الخيام وتدخل أمني عازل
ورغم الطابع السلمي للمسيرة في مجملها، انشق فصيل من المحتجين وتوجه مباشرة نحو شاطئ «إل ترامبولين»، حيث أظهرت مقاطع مصورة جرى تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي تقدم عشرات الأشخاص نحو الشاطئ، مرددين هتافات «هذا شاطئنا» و«ارحلوا أيها الغزاة».
واقتحم محتجون أجزاء من الموقع وأقدموا على اقتلاع الأغطية البلاستيكية والخيام ورمي الأغراض في البحر، بالتزامن مع رشق بالحجارة وملاسنات حادة بين الجانبين، في محاولة من المتظاهرين للاقتراب من النواة المركزية للتجمع.
ودفعت هذه التطورات الشرطة الوطنية الإسبانية إلى إنزال وحدات التدخل السريع ومكافحة الشغب لعزل الطرفين وتطويق المنافذ المؤدية إلى عمق المخيم. ودحضت المعطيات الميدانية والتقارير الأمنية، المنقولة عبر إذاعة «كادينا سير»، مزاعم ترويجية تحدثت عن إخلاء الشاطئ بالكامل، مؤكدة أن الأمر يتعلق بمحاولة طرد قسري باشرها مدنيون قبل تدخل الأمن.
وتخللت المواجهات أصوات طلقات تحذيرية أطلقتها القوات الأمنية كرادع لتفريق الجموع ومنع الاحتكاك المباشر، دون تسجيل استعمال للرصاص الحي أو وقوع إصابات. وأتاح هذا الطوق للمهاجرين التراجع مؤقتا نحو الرصيف البحري قبل استعادة مواقعهم تدريجيا بعد انسحاب المحتجين.
معضلة الإخلاء وغياب الحلول الدائمة
ويشكل «إل ترامبولين» منذ أواخر يوليوز الماضي أحد أكبر التجمعات العشوائية بالمدينة. وكانت السلطات الإسبانية قد نفذت في 20 غشت عملية لنقل نحو 1700 شخص، جرى تقديمها كإجراء طوعي، حيث وجه المهاجرون المنحدرون من دول جنوب الصحراء إلى مركز «لوما مارغاريتا» بينما حول المغاربيون إلى موقع «إل إمبولساميينتو» بمنطقة «لوما كولمينار».
وعقب عملية ترحيل واسعة واستنفار آليات البلدية لجمع أطنان النفايات وإزالة المتاريس، عاد قرابة ألف شخص لاحتلال رمال الشاطئ بمجرد رفع الترتيبات الأمنية وانقضاء أشغال النظافة.
وأعادت هذه العودة السريعة رسم مشهد الخيام المؤقتة ومخلفات الأطعمة والعبوات البلاستيكية في محيط توزيع الوجبات اليومية.
احتقان متراكم وتداعيات أمنية
وأفرز توالي عمليات الإخلاء والعودة المتكررة استياء عارما في أوساط الساكنة المحلية إزاء تعطل ارتياد الفضاء العام وغياب حلول جذرية، وهو الغضب الذي تحول إلى تحرك أحادي خرج عن الإطار القانوني وكاد يتسبب في صدام دموي.
ولم تكن أحداث الأربعاء معزولة عن سياق متوتر؛ إذ سبقتها بيوم واحد مواجهات أثناء توزيع وجبات الصليب الأحمر استدعت إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع لفض اشتباكات داخلية بين مهاجرين، حسب ما نقلته وكالة الأنباء «إيفي» عن مصادر أمنية.
وفي سياق أمني مواز أعقب توتر الشاطئ بساعات، أوقفت الشرطة 12 مهاجرا مغربيا للاشتباه في تورطهم في هجوم استهدف أربعة عسكريين بمنطقة «بنزو».
وأفادت ولاية الأمن في معطيات أوردتها «أوروبا بريس» بأن مجموعة تضم ما بين 30 و40 فردا حاصرت مركبة عسكرية ورشقتها بالحجارة في حدود الخامسة والنصف صباحا، ما اضطر الجنود للفرار مشيا تحت وابل الرجم، مخلفا إصابات وكدمات متفاوتة في صفوفهم.
واستفاقت منطقة «إل ترامبولين» صباح الخميس تحت حراسة مشددة، في ظل استمرار احتلال أجزاء من الشاطئ وبقاء معضلة الاستقرار المؤقت دون معالجة نهائية، ليغدو هذا المخيم تجسيدا حيا للشرخ الاجتماعي والضغوط الميدانية المتصاعدة في سبتة.
