فرض الموقع الاستراتيجي للمدينة وإشرافها المباشر على مضيق جبل طارق تحولها منذ العصور القديمة إلى أحد أكثر الموانئ تنافسا في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. وتعاقب على حكمها الفينيقيون، والإغريق، والقرطاجيون، والرومان، والبيزنطيون، قبل أن تستقر مغربية تحت حكم الأدارسة، والمرابطين، والموحدين، والمرينيين، مع فترات متقطعة خضعت فيها لنفوذ مملكة غرناطة.
تأسست سبتة خلال القرن السابع قبل الميلاد على يد بحارة فينيقيين أطلقوا عليها اسم «أبيلا»، في إحالة على جبل موسى الذي شكل في العصور القديمة العمود الجنوبي الإفريقي لـ«أعمدة هرقل». ويرجح أن لفظ «أبيلا» مشتق من أصل بوني يعبر عن «الجبل الشاهق» أو «جبل الله». واستقر بها لاحقا الإغريق الفوقيون القادمون من مرسيليا، ليعيدوا تسميتها بـ «هيبتا أديلفوي» أي «سبعة إخوة»، إشارة إلى التلال السبع المحيطة بها.
بسطت قرطاج سيطرتها على المدينة سنة 319 قبل الميلاد واحتفظت بها إلى غاية نهاية الحرب البونية الثانية سنة 201 قبل الميلاد. وظلت الحاضرة محتفظة بهويتها وثقافتها البونية حتى ضمها من طرف روما في القرن الأول الميلادي، حيث واصل السكان التحدث باللغة البونية كما توثق النقوش الجنائزية.
وخلال حقبة مملكة موريطنية –المغرب القديم– برزت سبتة كأحد الموانئ الرئيسية للمملكة إلى جانب «طنجيس» (طنجة) و«ليكسوس». وشهد عهد الملك يوبا الثاني، الممتد بين 25 قبل الميلاد و23 ميلادية، إدماج المدينة داخل الفضاء السياسي الروماني. وإثر اغتيال الإمبراطور كاليغولا للملك بطليموس سنة 40 ميلادية، وهو آخر ملوك موريطنية، وضعت روما يدها على المملكة وضمتها رسميا سنة 42 ميلادية بقرار من الإمبراطور كلوديوس، الذي قسمها إلى مقاطعتين: «موريطنية القيصرية» و«موريطنية الطنجية».
«تجسد أسوار سبتة وبوابة «باب فاس» المرينية الدور المحوري للمدينة كحاضرة مغربية مركزية في تأمين المضيق والتحكم فيه»
— برنارد لوغان
أُلحقت سبتة، التي عُرفت باسم «سبتيم فراتريس»، بولاية «موريطنية الطنجية» وأُديرت انطلاقا من «طنجيس» (طنجة)، ونالت لاحقا صفة مستعمرة رومانية منحت سكانها حقوق المواطنة. وشكلت الحاضرة موقعا متقدما لمراقبة المضيق، وميناء عسكريا وتجاريا بالغ الأهمية بين طنجية وولاية «بيتيكا» في هسبانيا.
استولى البيزنطيون على سبتة سنة 534 ميلادية في عهد الإمبراطور جستنيان. وعقب التوسع العربي وفقدان بيزنطة لممتلكاتها في المغربين الأوسط والشرقي، انحصر نفوذها في طنجة وسبتة، اللتين وجدتا نفسيهما في عزلة تامة وانقطاع كلي عن العاصمة.
وصل موسى بن نصير إلى مشارف سبتة سنة 708 ميلادية بعد سيطرته على طنجة، إلا أنه واجه دفاعات قوية من حاكمها البيزنطي الكونت خوليان. وفي سنة 709 ميلادية، سلم الأخير المدينة للمسلمين، ثم وفر سنة 710 ميلادية السفن اللازمة للعبور نحو إسبانيا، لينطلق فتح شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 711 ميلادية انطلاقا من طنجة وسبتة.
انتقلت المدينة سنة 788 ميلادية إلى سلطة الأدارسة، مؤسسي أول دولة مغربية. واستولى عليها سنة 931 ميلادية الخليفة الأموي بقرطبة، عبد الرحمن الثالث.
عادت سبتة في القرن الحادي عشر الميلادي إلى السيادة المغربية تحت نفوذ المرابطين، وشهدت سنة 1083 ميلادية ولادة علي بن يوسف. وانطلق من مينائها سنة 1086 ميلادية الزحف المرابطي لنصرة ملوك الطوائف في الأندلس أمام تقدم القشتاليين، حيث قاد يوسف بن تاشفين جيشه عبر المضيق نحو الشمال محققا نصرا حاسما في معركة الزلاقة في 23 أكتوبر 1086 ضد قوات الملك ألفونسو السادس ملك قشتالة.
ودخلت المدينة خلال القرن الثاني عشر الميلادي تحت إدارة الموحدين كامتداد طبيعي للدولة المغربية، لتتحول إلى قاعدة بحرية ومركزا عسكريا وتجاريا لتنظيم العمليات ضد الممالك المسيحية في إسبانيا.
بسطت الدولة المرينية مطلع القرن الثالث عشر الميلادي سيادتها على سبتة لتعيش المدينة عصرها الذهبي، وهو ما تشهد عليه الأسوار الدفاعية بطول 1500 متر المشيدة بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر لحماية المضيق والتحكم فيه. وضمت هذه التحصينات 7 أبراج مستطيلة بارتفاع 16 مترا وسمك تراوح بين 1.2 و1.9 متر تسبقها خنادق دفاعية، وتتوسطها بوابة ضخمة حملت اسم «باب فاس»، نسبة إلى عاصمة المرينيين.
وعصفت بالدولة المرينية أواخر القرن الرابع عشر الميلادي أزمة سياسية حادة أضعفت المغرب، فاستغلت البرتغال الظرفية في سياق توسعها لتشن حملة مباغتة سنة 1415 ميلادية، انتزعت على إثرها سبتة من السيادة المغربية.
