في صباح الخميس 20 غشت، حوصر شاطئ إل ترامبولين من قبل الشرطة الوطنية. طلب من المهاجرين، الذين كانوا ينامون على الرمال لما يقارب ثلاثة أسابيع، جمع أمتعتهم قبل التوجه، برفقة الشرطة، إلى مركزين مؤقتين للاستقبال افتتحتهما الحكومة الإسبانية.
غادر أكثر من 1200 شخص المخيم الذي نشأ عقب موجات التوافد الجماعي في 30 يوليوز. نقل المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء إلى لوما مارغريتا، التي تبعد أقل من كيلومتر واحد عن الشاطئ. أما القادمون من شمال أفريقيا، فتابعوا طريقهم إلى موقف سيارات «إل إمبولسامينتو» في لوما كولمينار.
وتبرر السلطات هذا الفصل بالاشتباكات التي وقعت في الأسابيع الأخيرة بين المجموعتين. وتدير «أكسيم» و«إنغلوبا» المرفقين معا، اللذين يتسعان لحوالي 1800 شخص، وفقا لإذاعة «كادينا سير».
ستتيح هذه العملية تنظيف الشاطئ وإزالة الأكواخ المبنية من الأغصان والقصب والكرتون والخيام وقطع القماش. مع ذلك، فإن اختفاء المخيم لا يمحو الظروف التي عاشها سكانه منذ نهاية يوليوز.
شاطئ يتحول إلى مركز استقبال
أصبح إل ترامبولين فعليا مركز استقبال. بسبب الاكتظاظ، لم يتمكن حوالي 1500 شخص من إيجاد مأوى في مركز احتجاز المهاجرين المؤقت. ومع ذلك، تشير تقديرات الشرطة إلى أن المخيم كان يستوعب أكثر من 3500 مهاجر وقت توزيع الوجبات.
خلال زيارة وكالة الأنباء الإسبانية، إيفي يوم 10 غشت، تم إحصاء نحو 20 مأوى عشوائي، اكتظ بعضها بما يصل إلى 15 شخصا. ينحدر ما يقارب 80 % من المقيمين فيها من دول جنوب الصحراء. وقد نظم نحو 150 سودانيا أنفسهم لجمع النفايات وصيانة هذا المكان الذي أصبح، لعدم وجود بديل أفضل، مسكنا لهم.
تم تجهيز عشرة مراحيض، ونحو 30 حماما، ونقاط مياه، وخيمة لتوفير بعض الظل في منطقة مفتوحة مجاورة. وكان الصليب الأحمر يؤمن توزيع الطعام يوميا، بالإضافة إلى بعض العلاجات الطبية. لكن الجوع والعطش وانعدام النظافة بدأت بالفعل تؤثر سلبا على الوافدين الجدد. وقد نددت عدة منظمات إنسانية بهذا الوضع علنا، واصفة إياه بأنه شكل من أشكال « التجريد من الإنسانية »، كما أفادت هيئة الإذاعة والتلفزة الإسبانية.
لا تعزى هذه الوضعية إلى العدد الهائل من الوافدين فحسب. فقد رفضت أربعة مواقع مقترحة لإقامة الخيام تباعا، لأسباب مختلفة، من قبل الحكومة المحلية أو وفد الحكومة المركزية. وشملت هذه المواقع ساحة الميناء، ومطحنة قديمة، وملعب كرة قدم، وعدة مستودعات بالقرب من تاراخال. وجاء الاتفاق الذي سمح بنقل المهاجرين يوم الخميس بعد نحو ثلاثة أسابيع من بدء الأزمة.
كانت أوجه القصور خطيرة لدرجة دفعت المدافع عن الشعب الإسباني إلى فتح تحقيق بمبادرة منه. وبعد تلقيه عدة شكاوى، طلب من الحكومة، والنيابة العامة، والسلطات المحلية في سبتة توضيحات بشأن توفير مياه الشرب الصالح للشرب، والحمامات، والملابس النظيفة، والطعام، والعلاجات الطبية، فضلا عن وضعية القاصرين غير المصحوبين بذويهم والذين تركوا دون حماية، وفقا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية.
500 أورو لقضاء أربع ليال في مستودع
أما أولئك الذين حاولوا الفرار من الشاطئ أو المخيمات، فلم يجدوا بالضرورة ما هو أفضل. ثلاثة مهاجرين وصلوا يوم 30 يوليوز، انتهى بهم المطاف في مستودع صغير، دفعوا 500 أورو للمبيت فيه لأربع ليال.
لم يكن المكان مزودا بحمام، واضطر المهاجرون التبول في قارورات. ازدهر هذا السوق السري تحديدا بسبب خوفهم من التشرد في الشارع، والتعرف عليهم، ثم ترحيلهم.
بعد شهادتهم لإذاعة كادينا سير، طردهم صاحب المكان دون إعادة أموالهم. اضطر أحدهم، وهو صباغ يبلغ من العمر 27 عاما من تطوان، إلى قضاء الليلة في الأحراش قرب أحد المخيمات.
«لم يعجبهم كشفي عن المبلغ بالتحديد»، هكذا أوضح. وأعلنت الحكومة المحلية لاحقا فرض عقوبات على ملاك العقارات الذين يستخدمون المساكن أو المستودعات أو غيرها من الأماكن لإيواء المهاجرين بشكل غير قانوني.
شراء الطعام تحت المراقبة
حتى أبسط الأمور، كشراء الطعام، أصبح صعبا. خلال الأيام الأولى للأزمة، انتشر الجيش الإسباني أمام بعض المتاجر الكبرى لضبط الدخول ومنع التجمعات.
يوم الأربعاء، نشرت صحيفة «دياريو ريد» لقطات مصورة خارج متجر ميركادونا، ونددت بنظام « التنميط العنصري » الذي شارك فيه جنود.
هذه الصور ليست حالة معزولة. فيوم 8 غشت، زارت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان عدة أحياء وشواطئ ومناطق أخرى ومركز سبتة لجمع شهادات وتقييم الوضع الإنساني.
وفي تقريرها الذي قدم في الرباط، أفادت المنظمة بنقص حاد في المياه والغذاء الذي يؤثر على مواطنين مغاربة ومصريين ويمنيين وسودانيين، بالإضافة إلى مهاجرين من دول أخرى في أفريقيا جنوب الصحراء.
كما أفادت المنظمة برصد وجود جنود وعناصر من الحرس المدني حول العديد من المتاجر الكبرى، مما صعب على المهاجرين الوصول إلى المتاجر لشراء الطعام والماء. وتؤكد هذه الملاحظة صور بثت لاحقا خارج متجر ميركادونا.
انتهاكات موثقة من قبل جمعيات مغربية
أدانت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان عدم كفاية أماكن الإقامة التي وفرتها السلطات المحلية. فقد اضطر العديد من المهاجرين إلى النوم في الشوارع والأزقة والغابات أو في أماكن مكتظة. وفي الوقت نفسه، قام سكان سبتة المغاربة والجمعيات المحلية بإنشاء ملاجئ مؤقتة للنساء والقاصرين والأطفال الصغار.
كان أحد هذه الأماكن، الواقع في حي سيدي مبارك، يؤوي ما يصل إلى 300 شخص، بمن فيهم نساء وقاصرون وأمهات مع أطفالهن. إلا أن المسؤول عنه حذر من أنه لم يعد بإمكانه الاستمرار في توفير المأوى، نظرا لتقاعس الإدارة المحلية عن توفير الطعام والأفرشة والأغطية. وحذرت المنظمة من أن إغلاق الملجأ يهدد بإعادة هؤلاء الأشخاص إلى الشوارع وتعريضهم للاستغلال وأشكال مختلفة من العنف.
وخلال مهمتها، جمعت المنظمة شهادات عديدة عن التحرش الجنسي والاعتداءات التي تعرض لها المهاجرون. كما فحصت المنظمة مقاطع فيديو وتصريحات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تنسب فيها بعض الانتهاكات إلى أفراد من الحرس المدني والجيش الإسبانيين.
ونظرا لخطورة هذه الاتهامات، دعت المنظمة إلى إجراء تحقيقات للتأكد من صحة هذه الوقائع، وتحديد المسؤوليات عند الاقتضاء. وأكدت أن السلطات الإسبانية ملزمة بحماية جميع الأفراد الموجودين في سبتة، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء والقاصرين، ولا سيما الفتيات.
وحذر رئيسها، نوفل البعمري، من أن المنظمة قد تلجأ إلى آليات الحماية الإسبانية أو الأوروبية أو التابعة للأمم المتحدة إذا لم يتم التحقيق في الحوادث المبلغ عنها. كما دعت المنظمة إلى اتخاذ تدابير ضد الخطاب العنصري والتمييزي الذي يستهدف المهاجرين، وخاصة ذلك الذي ينشره حزب فوكس وجماعة يمينية متطرفة صغيرة أخرى.
وتؤيد هذه التحذيرات الأرقام الصادرة عن النيابة العامة في سبتة، حيث أكدت لنيوترال أنه حتى 17 غشت، تم تقديم 13 شكاية رسمية بالاعتداء الجنسي إلى المحاكم.
سبق لوزارة المساواة الإسبانية أن حذرت من « الخطر الجسيم » الذي يواجه النساء والقاصرين الذين يجبرون على البقاء على الشواطئ وفي الغابات وغيرها من المناطق التي تفتقر إلى الحماية الكافية. وتستعد الحكومة الإسبانية الآن لنقل 500 قاصر يعتبرون من الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى شبه الجزيرة الأيبيرية. إلا أن هذه الخطة لا تزال مرهونة بالخلاف السياسي مع الأقاليم المستقلة التي ترفض استقبالهم.
ولم تكن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان الجمعبة المغربية الوحيدة التي دقت ناقوس الخطر. فقد اتهمت منظمة غير حكومية أخرى مؤثرة إسبانيا بالتخلي عن مسؤوليتها في استقبال المهاجرين، وشككت في الظروف التي نفذت فيها عمليات الترحيل.
من جانبها، وثقت جمعية رعاية الطفولة وتوعية الأسرة بالتعاون مع أكسيو إيد (ActionAid) حالات قاصرين أُعيدوا إلى مناطق في جنوب المغرب تبعد مئات الكيلومترات عن منازلهم. وأفيد أن بعضهم وجدوا أنفسهم بلا مواصلات ولا مأوى، بل وأحيانا بلا هاتف أو أي وسيلة للتواصل مع عائلاتهم.
تم إخلاء شاطئ إل ترامبولين يوم الخميس. لكن هذا لا يمحو الأسابيع الثلاثة التي نام خلالها مئات الأشخاص في العراء، معتمدين على تضامن السكان المحليين، وخضعوا للتفتيش حتى أمام المتاجر التي حاولوا شراء الطعام منها. كما أنه لا يتطرق إلى اتهامات سوء المعاملة أو حالة عدم اليقين التي يعيشها أولئك الذين ما زالوا ينتظرون معرفة مصيرهم، بين استقبالهم وتقديم طلبات اللجوء والترحيل.
