برنارد لوغان: «درر» التاريخ الجزائري المزيف

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 11/08/2026 على الساعة 11:00

مقال رأيرسمت فرنسا الحدود الصحراوية لمصلحة الجزائر، متيحة لها وراثة المساحة الأكبر من الصحراء التي لم تمارس عليها أي سيادة تاريخية. عقب استقلالها، انتصبت الجزائر وريثا ترابيا للإدارة الاستعمارية الفرنسية، رافضة الاعتراف بكون المملكة المغربية، القائمة كدولة منذ القرن الثامن الميلادي، تعرضت لبتر ترابي من طرف السلطة الاستعمارية لصالح كيان ولد في الأول من يوليوز 1962، أي بعد اثني عشر قرنا من نشأة الدولة المغربية.

وفي إطار الاشتغال على مؤلف جديد، أتاحت متابعة المنصات الرقمية الجزائرية إعادة اكتشاف مغالطات التاريخ المزيف في هذا البلد. يبرز ضمن هذا الطرح مقال نشرته صحيفة «TSA» بتاريخ 21 دجنبر 2024 بقلم عائشة مرابط تحت عنوان: «ليست فرنسا من أنشأ الجزائر أو منحها اسمها كما تروج دعاية نشطة»، حيث يقدم المقال تلخيصا مكثفا للجاهز الفكري في الخطاب الرسمي الجزائري عبر أربعة محاور أساسية.

أولا: تسمية الجزائر

أطلقت السلطات العثمانية على إيالتها اسم «جزائر الغرب» (Cezayir-i Garp)، وهو المصطلح الذي يعني «جزر الغرب». في 14 أكتوبر 1839، أُطلق اسم «الجزائر» رسميا على المناطق الخاضعة للتوسع الفرنسي بقرار من وزير الحرب الجنرال أنطوان فيرجيل شنايدر خلال حكومة سول الثانية، عبر توجيه موجه إلى الحاكم العام الجنرال فاليه.

ثانيا: حرب الرمال

ادعت عائشة مرابط أن الجزائر تعرضت، فور استقلالها، لمحاولة اقتطاع عسكري لجزء من أراضيها من طرف المغرب. غير أن الوقائع الميدانية تثبت معطيات مغايرة؛ ففي 8 أكتوبر 1963 بمنطقة فكيك، شنت القوات الجزائرية هجوما مفاجئا ضد الحراسات المغربية المرابطة في حاسي بيضا، تينجوب، وتينفوشي، قبل محاولتها السيطرة على فكيك.

ردت القوات المسلحة الملكية في 14 أكتوبر باستعادة حاسي بيضا وتينجوب، متقدمة نحو شريط بشار-تندوف بالتزامن مع سيطرة الطرف الجزائري على منطقة إيش.

«الجزائر الحالية، التي لم تكن موجودة كدولة قبل سنة 1962، خضعت لأكثر من أربعة قرون من الاستعمار التركي ثم الفرنسي؛ وهنا يكمن المسكوت عنه النفسي الذي يتأسس عليه التاريخ المزيف للجزائر، ويدفع مدونيه إلى ترويج مغالطات صارخة»

—  برنارد لوغان

حسمت القوات المغربية مواجهات حاسي بيضا وتينجوب بانتصارات ميدانية في 25 أكتوبر، لتصبح على مشارف تندوف في 28 من الشهر ذاته.

ورغم التفوق الميداني للمغرب، واجهت الرباط عزلة دبلوماسية مقابل دعم حظيت به الجزائر من الكتلة الشرقية والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية.

ثالثا: ادعاء الأسبقية السياسية

تسوق عائشة مرابط مقولة مفادها أن كتابات المؤرخين الموثوقة تثبت وجود وسيادة ما كان يسمى «جمهورية الجزائر».

بيد أن الحديث عن «جمهورية» مجانب للواقع التاريخي الذي يؤكد أن الأمر يتعلق بـ«إيالة تركية». فالجزائر الحالية، التي لم تكن موجودة كدولة قبل سنة 1962، خضعت لأكثر من أربعة قرون من الاستعمار التركي ثم الفرنسي.

وهنا يكمن المسكوت عنه النفسي الذي يتأسس عليه التاريخ المزيف للجزائر، ويدفع مدونيه إلى ترويج مغالطات صارخة، من قبيل ما خطته الكاتبة نفسها بخصوص الحدود بين المغرب الأوسط والمغرب الأقصى حين ادعت أن أية مراجعة حدودية يجب أن تتجه لصالح الجزائر.

رابعا: قضية المغرب الشرقي

زعمت الكاتبة أن القبائل الصحراوية في الجنوب كانت تدين بالولاء للجزائر.

ويمثل هذا الادعاء إنكارا صريحا للحقائق، إذ طالبت فرنسا بمنطقتي «توات» و«تيديكلت» عامي 1884 و1886، رغم أن سكانهما أعلنوا تاريخيا البيعة للسلطان المغربي، وكان مقره بفكيك ممثلا بقائد مكلف بإدارة واحات توات (راجع في هذا الصدد مقالا ممتازا نشره كريم سراج في موقع Le360 بتاريخ 14 يونيو 2026).

وفي 5 غشت 1890، أبرمت فرنسا وبريطانيا اتفاقية سرية لرسم نفوذهما في إفريقيا. ومقابل اعتراف باريس بالحماية البريطانية على جزيرتي زنجبار وبمبا، حصلت فرنسا على الضوء الأخضر لاحتلال الصحراء الوسطى والغربية لضمان منفذ نحو الجنوب باتجاه النيجر وبحيرة تشاد، بغية ربط مستعمرة الجزائر بالساحل الإفريقي.

بناء عليه، تقرر احتلال واحات توات أواخر دجنبر 1899، إثر الاستيلاء على «عين صالح» في 29 دجنبر، تلاه التوغل في واحات تيديكلت وقورارة وتوات. ثم تم التوصل إلى «اتفاقيات الحدود» في ماي 1902، التي أقرت نوعا من السيادة المشتركة الفرنسية المغربية على منطقة كانت مغربية تاريخيا.

وفي أكتوبر 1903، احتلت القوات الفرنسية مدينة «بشار» التي كانت ترابا مغربيا خالصا، يتيح موقعها الاستراتيجي التحكم في منطقة «گير» العليا وواحات توات ومسالك السودان. تحول الاسم لاحقا إلى «كولومب بشار»، قبل أن تعود إلى اسمها الحالي كمنطقة مغربية ألحقها الاستعمار بالجزائر.

علاوة على ذلك، ألحقت فرنسا مدينة «تندوف» بالجزائر، رغم أن الإدارة المغربية ظلت قائمة على وادي درعة وتندوف التابعة لخليفة تافيلالت، حيث كان القواد يعينون بظهائر سلطانية مغربية. وتحفظ الوثائق والأرشيفات المغربية أدلة إدارية دامغة تثبت هذه الحقيقة.

وعند نهاية الحماية سنة 1956، كانت تندوف تابعة إداريا لجهة أكادير المغربية، على غرار «فور ترينكي» (بير أم غرين حاليا) في موريتانيا. ورغم ذلك، سمحت فرنسا لجيش التحرير الوطني الجزائري بالتمركز في تندوف في يوليوز 1962 بدلا من الجيش المغربي، لتتحول المدينة المغربية إلى سيادة جزائرية.

وهكذا، حددت فرنسا الحدود الصحراوية لصالح الجزائر التي تلقت كإرث استعماري معظم مساحة الصحراء دون أن تكون لها أي سيادة عليها. وعقب استقلالها، انتصبت الجزائر كوارث ترابي لفرنسا، رافضة الاعتراف بأن المغرب الممتد منذ القرن الثامن قد اقتطعت أجزاء من ترابه لصالح دولة خرجت إلى الوجود في الأول من يوليوز 1962، أي بعد اثني عشر قرنا من ولادة المملكة.

وبناء على هذه الأساطير التاريخية، تخلص الكاتبة الجزائرية عائشة مرابط إلى القول إن الجزائر ستظل كما كانت دائما، جزائرية.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 11/08/2026 على الساعة 11:00