انطلقت شرارة الرفض لهذا القرار عقب إعلان «التنسيقية الوطنية للطلبة الموظفين والمأجورين» مقاطعة شاملة لرسوم التسجيل التي أقرتها الجامعات العمومية في إطار ما يسمى بـ«التوقيت الميسر»، رافضة تأدية المبالغ المحددة في 5.000 درهم بسلك الإجازة، و15.000 درهم بالماستر، و20.000 درهم بالدكتوراه.


وتفاعلت الأوساط الأكاديمية والنقابية والسياسية بقدر كبير من الاحتقان والرفض إثر الشروع الميداني في تنزيل مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، ولا سيما ما تلاه من خطوات إجرائية صادرة عن مجالس عدة جامعات عمومية تقضي بفرض واجبات تسجيل مالية مرتفعة لمتابعة الدراسة في صيغة «التوقيت الميسر» الموجهة بالأساس للطلبة الموظفين والمأجورين.
مقاطعة طلابية ورفض للحيف المالي
تمسكت «التنسيقية الوطنية للطلبة الموظفين والمأجورين» بخيار المقاطعة الشاملة لتسديد هذه الرسوم إلى حين إلغائها أو مراجعتها جذريا.
واستغربت التنسيقية شديد الاستغراب ما وصفته بـ«انعدام أي معايير موضوعية أو مؤشرات دخل اعتُمدت لتحديد هذه المبالغ المالية»، متسائلة عن مدى «استحضار الجهات الوصية للتفاوت الحاد في الأجور بين صغار الموظفين وبسطاء الأجراء بالقطاع الخاص مقارنة مع التكاليف المفروضة».
وأكدت الهيئة ذاتها أن هذا القرار ينطوي على «حيف اجتماعي صارخ» بالنظر إلى أن «الاستثمار في تطوير الكفاءات عبر البحث العلمي ينعكس رأسا على تجويد خدمات المرفق العمومي والإنتاجية الاقتصادية، مما يجعل فرض رسوم مالية ضخمة بمثابة عقاب لهذه الفئة على طموحها الأكاديمي بدل تشجيعها ورعايتها».
مآخذ حقوقية وتحذير من التمييز
وفي قراءة حقوقية وقانونية أكثر تفصيلا، نبه الحقوقي نوفل البعمري، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، إلى أن فرض هذه المبالغ يطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بمدى انسجام القرار الإداري مع الالتزامات الدستورية والمواثيق الدولية للبلاد.
وأوضح البعمري أن الفصل 31 من الدستور يفرض على السلطات العمومية تعبئة كل الوسائل لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من حق التعليم العصري الميسر الولوج وعلى أساس الكفاءة وحدها، مشددا على أن تحويل القدرة المالية إلى شرط ضمني للتحصيل العلمي يكرس تمييزا يرفضه أسمى قانون بالبلاد.
واستشهد البعمري بالمادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللتين تؤكدان أن التعليم العالي يجب أن يُتاح للجميع بالتساوي وعلى أساس الاستحقاق العلمي، معتبرا أن جعل تكلفة الدراسة تلتهم الجزء الأكبر من الأجور يمس مباشرة بحق الأسر في العيش الكريم وتكافؤ الفرص.
انتقادات سياسية لخيار «التسليع»
وعلى الساحة السياسية والنقابية، دخل «تحالف اليسار» على خط الأزمة عبر بيان حاد الحجة تحذر فيه مكوناته من التأسيس لخوصصة زاحفة للمرفق الجامعي وإخضاعه لمنطق السوق والطلب.
وقدم البيان مقاربة رقمية للوضع، مشيرا إلى أن كلفة المسار الأكاديمي الكامل للطالب الأجير قد تتجاوز 140 ألف درهم، وهو مبلغ يساوي أكثر من ثلاث سنوات ونصف من الأجر الكامل لأجير يتقاضى الحد الأدنى للأجور المحدد في 3202 درهم، دون احتساب نفقات المعيشة والكراء والنشر والتنقل.
ورأت القوى اليسارية في هذا القرار تجسيدا لمنطق «نيوليبرالي» تخلت بموجبه الدولة عن التزاماتها في تمويل التعليم العمومي، لتنقل عبء التمويل إلى جيوب الشغيلة والمواطنين الذين يؤدون أصل الضريبة على الدخل، مسجلة رفضها لمعادلة «من أراد العلم فليؤد ثمنه».

توضيحات جامعية حول الاستقلالية والتأطير
وفي مقابل هجوم القوى النقابية والسياسية، وقف «منتدى رؤساء الجامعات» في موقع المدافع عن القرار عبر بيان توضيحي مفصل، معتبرا أن تنظيم «التوقيت الميسر» يندرج حصريا في صميم الاستقلالية البيداغوجية والمالية التي منحها القانون رقم 59.24 للمؤسسات الجامعية بصفتها مؤسسات عمومية مستقلة.

واستند المنتدى إلى أن إقرار واجبات التسجيل لهذه الفئة المزاولة لنشاط مهني هو جزء من الممارسات الفضلى المعمول بها دوليا لتشجيع مبدأ «التعلم مدى الحياة»، ناهيك عن كونه صيغة موازية لا تمس إطلاقا بالمجانية التامة المخصصة للتكوين الأساسي بالتوقيت العادي للطلبة غير الموظفين.
وأوضح رؤساء الجامعات، تفنيدا للاتهامات، أن واجبات التسجيل في الإجازة لم تشهد أي زيادة، في حين حظيت واجبات الماستر بتخفيضات ملموسة مقارنة بالسنوات الماضية لتيسير الاستفادة.
أما في ما يخص سلك الدكتوراه، فقد شدد المنتدى على أن طبيعة هذا السلك القائمة على التأطير والمختبرات والمعدات تستدعي نفقات عالية، كاشفا أن 60% من المداخيل المحصلة تُوجه مباشرة لدعم مشاريع البحث العلمي وتعويض الأساتذة المؤطرين والمناقشين، فيما تُخصص 40% المتبقية لنفقات التسيير والاستثمار بالجامعات.
مطالب بإسقاط الرسوم
وبينما يشدد رؤساء الجامعات على مراعاة الوضعيات الاجتماعية من خلال إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الحد الأدنى للأجور، ترد الفعاليات المعارضة بأن هذا الإعفاء يظل مجرد توصية غير ملزمة تترك للتقدير الفردي لكل جامعة على حدة، مما يضرب مبدأ وحدة القانون والعدالة المجالية.
وعبر رؤساء الجامعات عن رفضهم لما سموه بـ« محاولات تسييس » هذا الملف، محذرين من إقحام الأبعاد السياسية في القرارات البيداغوجية، تؤكد الهيئات الحقوقية والطلابية أن الملف يقع في قلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي تستدعي فتح حوار وطني مجتمعي لإسقاط هذه الرسوم وإعادة الاعتبار للجامعة العمومية كمحرك مجاني للترقي الاجتماعي، مطالبين برفع ميزانية البحث العلمي بعيدا عن الاقتطاع من أجور الشغيلة.
