نستعرض في هذه القائمة عشرة ملفات كبرى تعهد تبون بالتحقيق فيها وإعلان نتائجها، قبل أن تدفن جميعها في أدراج الرئاسة:
1- كارثة حرائق الغابات: الهروب من الحقيقة إلى الترهيب بالإعدام
بينما كان الشارع الجزائري يترقب خلال اللقاء الإعلامي الطويل (120 دقيقة) لعبد المجيد تبون، الإفراج عن نتائج التحقيق «المعمق» الذي أمر به الرئيس إثر موجة الحرائق الدامية التي التهمت خلال الصيف مساحات شاسعة وأودت بأرواح عشرات المواطنين، فضل تبون التهرب والتسويف بترديد أسطوانته المعتادة: «التحريات متواصلة.. ويجي نهار ونفضحوا كلش».
وفي موازاة هذا الموقف، امتنعت السلطات عن إعلان حصيلة رسمية شاملة لأعداد الضحايا والمفقودين عقب الحرائق التي همت 13 ولاية، متجاهلة دعوات المنظمات الحقوقية، وفي طليعتها منظمة «شعاع لحقوق الإنسان»، لفتح تحقيقات مستقلة في أداء المؤسسات المكلفة بالوقاية والإنذار المبكر وإدارة الكارثة.
وبدلا من تقديم كشف حساب علني عن مكامن الخلل والتقصير، لجأ تبون إلى تعديل قانون العقوبات لتوسيع عقوبة الإعدام واستئناف تنفيذها عبر صياغات فضفاضة وذات حمولة سياسية في المادتين 396 مكرر 1 و2، في محاولة مكشوفة لاستبدال المساءلة والمحاسبة بالترهيب الجنائي وطمس مآل التحقيقات الموعودة.
2- محرقة دار الطفولة المسعفة بالمحمدية: محاسبة تبخرت «من البواب إلى القمة»
استيقظ الجزائريون فجر 16 يوليوز 2026 على وقع فاجعة مؤلمة إثر اندلاع حريق مهول داخل مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية في العاصمة، مخلفا وفاة 11 شخصا بينهم أطفال ومربية، وإصابة 19 آخرين بحروق واختناقات وصدمات نفسية حادة.
وفي خضم الصدمة، خرج تبون في لقائه الدوري مع وسائل الإعلام ليعلن توجيه الأجهزة الأمنية لإجراء «تحقيق معمق وشامل لتحديد المسؤوليات بدقة من البواب إلى أعلى مستوى»، متعهدا بالتكفل بفتاة تعرضت لتشوهات جسيمة ومشددا على أن التقصير لن يمر دون محاسبة.
غير أنه بعد انقضاء ثلاثة أشهر على الحادثة، ظل المشهد على حاله دون صدور لائحة اتهام واحدة أو تقرير قضائي معلن، ليتحول الوعيد الرئاسي الصارم إلى مجرد جعجعة بلا طحن.
3- لغز تفجيرات البليدة: حجب المعلومات بستار « سرية التحقيق »
أثار تداول صور ومقاطع فيديو تفيد بوقوع تفجير انتحاري إرهابي هز ولاية البليدة يوم 13 أبريل 2026 ذعرا واسعا وتساؤلات حارقة حول هشاشة المنظومة الأمنية وقدرة الجماعات المسلحة على الاختراق.
وجاءت هذه الواقعة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع الزيارة الرسمية «التاريخية» التي قام بها البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر، وهو الحدث الدبلوماسي والديني الذي سعى النظام جاهدا لتوظيفه في تسويق صورة وردية عن «جزائر آمنة ومستقرة تماما» أمام الفاتيكان والمجتمع الدولي.
وأمام حرج الانكشاف الأمني، سارعت الرئاسة إلى فرض تعتيم إعلامي مطبق وإسدال ستار حديدي من الصمت الرسمي على الحادثة خشية تشويه المشهد الاحتفالي للزيارة البابوية.
وبدلا من فتح تحقيقات علنية وشفافة تنور الرأي العام، استُغل مبدأ «سرية التحقيق» كغطاء سياسي لحجب المعلومة ومصادرة الحق الدستوري للمواطنين المكفول بنص المادة 55 من الدستور والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ورافق هذا الصمت شن حملات توقيف عريضة واشتباه جماعي دون سند قانوني معلن، وهو ما رصدته تقارير حقوقية دولية محذرة من تحويل مكافحة الإرهاب إلى ذريعة للتنكيل بالحقوق الأساسية والتغطية على الفشل الاستخباراتي، بينما لا يزال مصير التحقيق الموعود مجهولا ومغيبا عن الجزائريين حتى اليوم.
4- تضارب نتائج رئاسيات 2024: التحريات الصامتة حول « الخلل الإحصائي »
شهدت انتخابات الرئاسة لشهر شتنبر 2024، التي منحت تبون عهدة ثانية، سابقة سياسية لافتة، بعدما أصدرت مديريات المترشحين الثلاثة، بما فيها مديرية حملة عبد المجيد تبون، بيانا مشتركا يرفض الأرقام ونسب المشاركة المتناقضة التي أعلنها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وتلا ذلك حديث واسع في كواليس القرار عن فتح تحريات واسعة لكشف أسباب التناقض الفاضح في محاضر الفرز ومساءلة المتسببين في هذا الخلل الإحصائي.
لكن المحكمة الدستورية سرعان ما اكتفت بتعديل الأرقام النهائية وإعلان فوز تبون، قبل أن يطوى ملف التحريات بصمت، دون كشف المتلاعبين أو محاسبة أي مسؤول في جهاز إدارة الانتخابات.
5- مجازر الطرق وحوادث السير المميتة: تحقيقات وهمية وأزمة عجلات معطلة
لا تكاد تمر فاجعة مرورية تحصد أرواح العشرات على الطرقات الوطنية إلا ويسارع تبون إلى إطلاق وعوده المكررة بفتح «تحقيق شامل ومعمق» للوقوف على ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات، في مشهد متكرر بات يثير استياء الرأي العام وسخريته.
ففي كل مرة، تتوارى نتائج تلك التحقيقات المزعومة خلف جدار الصمت، في حين يدرك الجزائريون مسبقا الأسباب الهيكلية الكامنة وراء نزيف الأسفلت، والمتمثلة في البنية التحتية المتردية وشبكات الطرق المتهالكة التي تفتقر لأبسط شروط الصيانة والسلامة.
وفضلا عن اهتراء المسالك، تبرز الأزمة الخانقة التي تسبب فيها قرار تبون الارتجالي بمنع استيراد عجلات السيارات وقطع الغيار، الأمر الذي أغرق السوق الوطنية في ندرة حادة وفرض استعمال عجلات مهترئة ومغشوشة بأسعار خيالية، لتتحول المركبات إلى وسائل موت يومية دون أن يجرؤ أي تحقيق رسمي على مساءلة الرئاسة عن قراراتها التي تدفع المواطنين نحو التهلكة.
6- أزمة ندرة الأدوية الحيوية: تقرير المفتشية العامة الذي ابتلعته الأدراج
إثر المعاناة القاسية لمرضى السرطان والأمراض المزمنة من اختفاء أدوية حيوية من المشافي والصيدليات، أعلن تبون في 23 أبريل 2022 تدخله المباشر عبر تكليف «المفتشية العامة لرئاسة الجمهورية» بفتح تحقيق شامل حول المتسببين في هذه الكارثة، قاطعا وعدا علنيا مباشرا: «أعدكم بإعلان النتائج قريبا أمام الرأي العام».
ورغم قسوة الأزمة الإنسانية، لم ير تقرير المفتشية النور، واختزلت القضية في تدوير إداري وإقالات متتالية لوزراء ومسؤولين في قطاعي الصحة والصناعة الصيدلانية، ليدفع المرضى وعائلاتهم ثمن تحقيق رئاسي وُلد ميتا.
7- تعثر صفقات طائرات الإطفاء: البيروقراطية فوق المحاسبة
أعادت حرائق الغابات المأساوية في تيزي وزو (2021) ثم الطارف وسوق أهراس (2022) تسليط الضوء على العجز الفادح في أسطول الإطفاء الجوي وتأخر استلام قاذفات المياه الروسية المتعاقد عليها من طراز «بيريف Be-200».
وأمام الغضب الجماهيري، صدرت أوامر رئاسية بالتحري في أسباب البطء والبيروقراطية التي عطلت استيراد واستئجار طائرات الإخماد وحملت البلاد خسائر جسيمة.
ومع ذلك، لم تنشر السلطات أي مخرجات للتحقيق ولم يحاسب مسؤول واحد عن التقصير الإداري، واكتفت الرئاسة باللجوء إلى حلول ترقيعية عبر استئجار طائرات أجنبية في المواسم اللاحقة دون كشف الحقيقة.
8- مأساة نفاد الأكسجين الطبي: تبخر تهم «التواطؤ» على أرواح مرضى كوفيد-19
خلال صيف 2021 ومع تفشي متحور «دلتا»، شهدت المستشفيات الجزائرية فواجع إنسانية دامية إثر انقطاع إمدادات الأكسجين الطبي، ما أسفر عن وفاة عشرات المرضى خنقا في مشاهد مؤلمة وُثقت بالصوت والصورة.
وسارعت مؤسسة الرئاسة حينها إلى الإعلان عن فتح تحريات أمنية وإدارية معمقة، مروجة لوجود خلل تنظيمي وتواطؤ وتآمر لتأزيم الوضع الصحي.
لكن هذه الاتهامات الخطيرة تبخرت مع انحسار الموجة الوبائية؛ إذ لم يصدر أي تقرير رسمي يحدد حصيلة الضحايا أو يلاحق المتورطين في انهيار منظومة الإمداد، ليمر موت المواطنين دون أدنى محاسبة.
9- شحنة القمح الليتواني المغشوش: إنهاء مهام لطمس خيوط التحقيق المالي
شكلت حادثة استيراد الديوان الوطني المهني للحبوب لشحنة قمح فاسدة من ليتوانيا في يناير 2021 فضيحة وطنية كبرى، بعدما أثبتت التحاليل المخبرية احتواء الشحنة على جثث حيوانات نافقة ومواد سامة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.
وأمر تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء بفتح «تحقيق قضائي عاجل وتدقيق مالي معمق في ديوان الحبوب» لتعقب مسار الفساد وشبكات الموردين.
لكن هذا التعهد انتهى بمجرد إجراء إداري تمثل في إنهاء مهام المدير العام للديوان، بينما طويت نتائج التدقيق المالي وحجبت تفاصيل شبكة المستوردين والمتواطئين عن الرأي العام إلى الأبد.
10- أزمة السيولة وتزامن انقطاع المياه: مؤامرة وهمية بلا متهمين
في مطلع غشت 2020، تزامنت أزمة انقطاع خانقة للسيولة النقدية في مراكز البريد والبنوك مع توقف مفاجئ لمحطة تحلية مياه البحر بـ«فوكا» وانقطاعات كهربائية وحرائق متفرقة.
وسارع الرئيس تبون إلى توجيه الوزير الأول لفتح «تحقيق فوري ومعمق»، واصفا ما جرى بأنه أعمال تخريبية منظمة ومؤامرة مدروسة لضرب استقرار الدولة.
وعلى الرغم من الطابع الأمني الخطير لتلك التصريحات، لم يعرض أي تقرير ختامي يكشف هويات الجهات المتهمة أو دوافعها، وعولجت الأزمة بإجراءات تقنية ظرفية، لتؤكد الوقائع أن « المؤامرة » كانت مجرد شماعة سياسية للهروب من فشل التسيير والتدبير.
تثبت هذه المحطات العشر أن سياسة « لجان التحقيق » في عهد عبد المجيد تبون لم تكن سوى أداة مناورة تستخدم لامتصاص الغضب وربح الوقت إلى أن تطوي الذاكرة الشعبية ألم الفاجعة.
فالرئيس الذي بنى خطابه على الوعود الرنانة والتهديد بالمحاسبة لم يقدم يوما تقريرا واحدا يضع النقاط على الحروف، ليؤكد الواقع السياسي أن تبون لا يجيد سوى إطلاق الوعود الكاذبة، بينما تظل الحقيقة غائبة، والمحاسبة معطلة، وحقوق الضحايا مهدورة في دهاليز التسويف والتعتيم.
