التهاب أسعار الغذاء يخنق المواطن الجزائري: الشعب يدفع فاتورة فشل النظام وحروبه الدبلوماسية

عبد المجيد تبون، رئيس الجزائر

عبد المجيد تبون، رئيس الجزائر . DR

في 28/09/2026 على الساعة 17:04

تتجرع الأسر الجزائرية مع أواخر شهر شتنبر مرارة موجة غلاء غير مسبوقة عصفت بأسواق الخضر والفواكه واللحوم، محولة تأمين القوت اليومي إلى معضلة حقيقية تستنزف ما تبقى من جيوب المواطنين المنهكين. تأتي هذه الاختناقات المعيشية المتجددة لتفضح هشاشة الخطابات الرسمية حول الوفرة والتحكم في التضخم، في وقت يصر فيه صانع القرار في قصر المرادية على تبديد مقدرات البلاد المالية في شراء الذمم الدبلوماسية وتغذية مؤامرات التفرقة الإقليمية وتمويل جبهة «البوليساريو» الانفصالية، تاركا المواطن البسيط وحيدا يدفع كلفة الإخفاق التنموي والارتهان للاقتصاد الريعي.

وثقت تحقيقات وجولات ميدانية أنجزتها وسائل إعلام ومنصات رقمية جزائرية حجم الانفلات السعري الذي يضرب أسواق البيع بالتقسيط بمختلف الولايات؛ إذ رصدت منصة «الترا جزائر» رفقة شبكة «الفلاحية» المتخصصة تفاوتا صارخا بين أسعار أسواق الجملة والتقسيط واشتعالا خانقا في أثمان الخضر الحيوية.

أما صحيفة «شهاب برس» فقد كشفت عن كسر مادة البطاطا لكافة الحواجز بملامستها سقف 140 دينارا للكيلوغرام، في صدمة مباشرة للأسر محدودة الدخل، مبينة بالصوت والصورة اتساع الهوة بين النشرات التسكينية التي تصدرها الدوائر الرسمية والواقع المعيشي الحارق الذي يكابده المواطن البسيط يوميا.

أرقام قياسية تعري الفشل الفلاحي

وحسب ما أوردته وسائل إعلام جزائرية، فقد قفزت أسعار الفاصولياء الخضراء «لوبيا ماشطو» إلى مستويات تراوحت بين 200 و270 دينارا (بين 0.85 و1.14 دولار وفق سعر الصرف في ساحة السكوار الموازية)، في حين سجلت اللوبيا الحمراء مستويات قياسية فاقت 380 ووصلت إلى 450 دينارا (بين 1.61 و1.91 دولار).

واستقرت البطاطا الحلوة عند 340 دينارا (1.44 دولار). وكسر الثوم الجاف كافة الحواجز باحتلاله صدارة القائمة بسعر تراوح بين 650 و850 دينارا للكيلوغرام (بين 2.75 و3.60 دولار).

وطال لهيب الأسعار أصنافا أخرى من الخضر الحيوية؛ إذ تراوح سعر الخس «شلاضة» بين 180 و200 دينار (بين 0.76 و0.85 دولار)، وبلغت الكوسة «القرعة» ما بين 140 و200 دينار (بين 0.59 و0.85 دولار)، والليمون «القارص» بين 160 و220 دينارا (بين 0.68 و0.93 دولار).

ووصل سعر الشمر «البسباس» إلى 190 دينارا (0.81 دولار)، والباذنجان إلى 170 دينارا (0.72 دولار)، والجزر الممتاز إلى 140 دينارا (0.59 دولار)، بينما تأرجح الفلفل بنوعيه الحار والحلو بين 130 و200 دينار (بين 0.55 و0.85 دولار).

وامتدت هذه الموجة لتطوق الفواكه واللحوم البيضاء بمستويات قياسية تفوق طاقة الأسر؛ حيث تراوح سعر كيلوغرام التفاح بين 400 و600 دينار (بين 1.69 و2.54 دولار)، وبلغ الإجاص 500 دينار (2.12 دولار)، وسجل العنب والنكتارين ما بين 400 و450 دينارا (بين 1.69 و1.91 دولار)، بالتزامن مع قفزة حادة في أسعار الدجاج الذي تراوح بين 500 و600 دينار للكيلوغرام (بين 2.12 و2.54 دولار)، في مقابل انحصار الاستقرار النسبي في منتجات محدودة كالبصل الذي دار بين 40 و52 دينارا (بين 0.17 و0.22 دولار)، وبقايا البطيخ الصيفي بين 60 و120 دينارا (بين 0.25 و0.51 دولار).

المواطن يسدد فاتورة العزلة

تجد هذه الأزمة جذورها المباشرة في التخبط الاقتصادي والقرارات العشوائية التي يفرضها النظام العسكري تحت يافطة ترشيد الواردات؛ إذ أدى كبح استيراد البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج إلى شلل الإنتاج المحلي وعزوف الفلاحين عن المغامرة بمحاصيل جديدة، الأمر الذي أفرز ندرة خانقة فتحت شهية المضاربين ولوبيات الريع.

ورهن حكام الجزائر قوت المواطنين بحروبهم الدبلوماسية الخاسرة وتصفية الحسابات السياسية على خلفية الموقف من مغربية الصحراء. وجاءت القيود المفروضة على واردات الموز الإكوادوري مطلع سنة 2025 ردا انتقاميا على دعم كيتو لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بعدما استوردت الجزائر سنة 2024 زهاء 233 ألف طن بقيمة ناهزت 200 مليون دولار، ليتحول هذا المنتج الفاكهي إلى سلعة نادرة ملتهبة الثمن.

وتكرر السيناريو العقابي ذاته في التضييق على الشركاء التجاريين التقليديين، مثل إسبانيا وفرنسا، عبر استبعاد السلع ووقف العمليات المصرفية ردا على اعتراف البلدين بعدالة القضية الوطنية المغربية، وهي مقامرات إيديولوجية عمياء من طرف نظام غارق في نظرية « المؤامرة الخارجية »، انعكست سلبا على تموين السوق الداخلي ورفعت تكلفة استيراد المواد الأساسية البديلة عبر مسالك شحن دولية أكثر تعقيدا وغلاء.

مبررات واهية ومهزلة انتخابية

اختارت سلطات النظام الهروب إلى الأمام وتقديم تبريرات سطحية تسعى لامتصاص النقمة، حيث ادعت الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين أن الغلاء يرتبط بفاصل موسمي مؤقت بين الصيف والشتاء في انتظار انطلاق جني المحاصيل الشتوية مع شهر أكتوبر.

بيد أن الواقع الميداني يفند هذه السرديات الرخوة، خصوصا مع التباين الفاحش بين أسعار الجملة، كما رُصد في سوق بوراشد بولاية عين الدفلى، وأسعار التجزئة في وهران والعاصمة ومختلف الولايات، وسط غياب شبه كلي لأجهزة الرقابة الميدانية ومحاصرة شبكات السمسرة والوسطاء النافذين في مفاصل الدولة.

ويتزامن هذا الاختناق المعيشي مع استنفار أجهزة الدولة لتنظيم انتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية في الثامن والعشرين من نونبر المقبل، في استحقاق صوري ينظر إليه الشارع بكثير من اللامبالاة والسخرية أمام قفة تتقلص يوما بعد آخر.

غليان شعبي وسخط عارم

انفجرت منصات التواصل الاجتماعي بموجات سخط عارمة عبر خلالها مواطنون عن خيبة أمل عميقة من واقع تدهور معيشهم اليومي؛ فكتب أحدهم متسائلا بمرارة: «متى يشعر الجزائري فعلا بانخفاض الأسعار داخل السوق؟ القضية أصبحت قفة عائلة تتقلص يوميا»، وعلق آخر بتهكم لاذع: «إنها الجزائر الجديدة انتاع عمي تبون»، بينما لخص مواطن آخر قتامة المشهد بحسرة بليغة قائلا: «يا حسرة على زمن بوتفليقة.. كنا على الأقل نشبعو كروشنا».

وبينما تستمر النخبة الحاكمة في مراكمة الثروات واستعراض الشعارات الجوفاء، يكتوي الشعب الجزائري بنيران التضخم وفوضى الأسواق، لتظل مائدة المواطن البسيط هي الضحية الأولى لسياسات عسكر يفضل حرق أموال الغاز والنفط في صراعات إقليمية وهمية على إطعام شعبه وتأمين رغيفه بكرامة.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 28/09/2026 على الساعة 17:04