ويأتي هذا الحكم، بالتزامن مع رفض القضاء الإسباني تسليم ناشر الصحف السابق أيوب عيسيو، ليعزز مناعة المؤسسات القضائية الأوروبية أمام مناورات سلطوية تباشرها أجهزة نظام غارق في التراجع الحقوقي.
وتجاوز منطوق قرار القضاء الفرنسي حدود النزاع الفردي العادي؛ إذ وضع القضاة حدا لمحاولة استهداف رمزي وشخصي مدبرة ضد الروائي الفرانكو جزائري، في سياق يتكامل مع امتناع محكمة مدريد عن تسليم عيسيو، ليرسم الموقفان خطا فاصلا يرفض تحويل المحاكم الأوروبية إلى أداة لتجريم العمل المعارض وملاحقة أصحابه.
وارتبطت الملاحقة القضائية، التي حركتها سعادة عربان في باريس، بادعاء استغلال داود لمسار حياتها ونجاتها من أتون الحرب الأهلية لبناء أحداث روايته «حوريات»، المتوجة بجائزة «غونكور» لسنة 2024.
وطالت المتابعة الكاتب البالغ 56 عاما إثر تصريح أدلى به ضمن حوار مطول نشرته صحيفة «لوفيغارو» مطلع أبريل 2025، أورد فيه دون ذكر اسم المدعية: «يمكن للجزائر أن ترفع دعوى ضد كمال داود في فرنسا».
وأمام هذه الاتهامات، فندت هيئة دفاع الكاتب، بقيادة المحامية جاكلين لافون، مسوغات الدعوى، معتبرة إياها حلقة ضمن تحرش قضائي ممنهج يستهدف استنزاف طاقة مثقف مزعج على الأصعدة المالية والنفسية والإبداعية.
وحسمت المحكمة الباريسية القضية بقرار قاطع، مبرزة استحالة تعرف أي طرف على هوية المشتكية انطلاقا من التصريحات المتابعة، وهو ما ينفي قيام جريمة القذف. وتجاوزت الهيئة القضائية مجرد الرد، حين وصفت الدعوى بأنها «غير مؤسسة بشكل بين»، وألزمت الطرف المدني بأداء تعويضات لفائدة الروائي.
وأجهض هذا الموقف القضائي محاولة استدراج المحاكم الفرنسية لتشويه سمعة الكاتب بالخارج، بالتزامن مع صدور حكم غيابي عن محكمة وهران يقضي بإدانته بثلاث سنوات حبسا نافذا بتهمة خرق «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، وهو التشريع الذي يحظر الخوض في جرائم «العشرية السوداء».
إقرأ أيضا : النظام الجزائري يستغل عائلة كمال داوود لتصفية حساباته الفكرية
وانتقلت ارتدادات الانتكاسة الباريسية إلى الجانب الإسباني؛ إذ تعاملت الدائرة الثانية للغرفة الجنائية بالمحكمة الوطنية في مدريد بصرامة بالغة مع طلبات التسليم الصادرة عن الجزائر بحق أيوب عيسيو. ورغم صدور عقوبة سجنية غيابية في حقه بالجزائر تصل إلى 20 عاما بدعوى ارتكاب مخالفات مالية مرتبطة بصفقات عقارية وتسيير قناة «الجزائرية وان»، قرر القضاء الإسباني إطلاق سراحه، رافضا الطعون الهادفة إلى إعادة توقيفه وترحيله.
وعزز عيسيو موقفه الدفاعي بتقديم وثائق رسمية صادرة عن إدارات جزائرية، ما نسف تهم التزوير الموجهة إليه. وإلى جانب تهافت التهم المادية، توقفت المحكمة الإسبانية عند الطابع السياسي للملف، الرابط بين تحريك الدعوى والإغلاق التعسفي لمؤسسته الإعلامية سنة 2021 عقب معارضته للرئيس عبد المجيد تبون.
ويفرض الواقع الجنائي الجزائري، المشحون بتوالي الأحكام الغيابية واستعادة عقوبة الإعدام داخل الخطاب الأمني الرسمي، حظرا قانونيا يمنع الهيئات القضائية الأوروبية من تسليم المتابعين، التزاما بمبدأ عدم الإعادة القسرية وصونا لضمانات المحاكمة العادلة.
ويكشف تقاطع ملفي داود وعيسيو عن ازدواجية المساعي المبذولة لخنق الأصوات الناقدة في الخارج؛ إذ توظف تهم الجرائم المالية لتحريك آليات التعاون الجنائي الدولي وترحيل الفاعلين الاقتصاديين والإعلاميين، بينما ترفع دعاوى المس بالحياة الخاصة والقذف أمام محاكم دول الإقامة للطعن في المصداقية الأخلاقية للأكاديميين والمبدعين.
وفي المحصلة، رسخ موقف باريس ومدريد سيادة الضوابط الدستورية والمواثيق الأوروبية المشتركة في مواجهة دبلوماسية الضغط؛ حيث جسدت تبرئة كمال داود وحماية أيوب عيسيو عجز النظام الجزائري عن تحويل العدالة الأوروبية إلى ذراع تابعة تباشر تصفية الخصوم وتكميم المعارضة.
