حوار حصري: بوعلام صنصال.. «رهينة الرئيس» الذي ظل شامخا منتصب القامة

بوعلام صنصال

في 16/07/2026 على الساعة 21:00

حوارفي باريس، تحدث الكاتب الفرانكوجزائري بوعلام صنصال إلى Le360 في أول حوار له مع وسيلة إعلامية غير أوروبية منذ إطلاق سراحه في نونبر 2025. يروي الكاتب تجربته في السجن بالجزائر، وما عاناه داخله، ثم طعم الحرية التي نالها بعد طول معاناة. يعيش الآن في فرنسا، ويتحدث عن أحدث رواياته الأكثر مبيعا، «الأسطورة» (La Légende)، ومسيرته الأدبية التي توجت بانتخابه عضوا في الأكاديمية الفرنسية. لكن عندما يتحدث عن المغرب، وارتباطه الوثيق بالمملكة، وجذوره العائلية، يقول بدون تردد: «أشعر بانتمائي العميق إلى المغرب».

في أحد مطاعم حي مونبارناس بباريس، التقيت بوعلام صنصال يوم السبت 11 يوليوز، لأتبادل أطراف الحديث معه. كان اللقاء، الذي اتسم بكرم نادر، لحظة فريدة كشفت عن الإنسان الذي يقف وراء هذه الشخصية البارزة: وسيم وودود، لطيف، مفعم بالحياة، ويتمتع بروح الدعابة. لم تكسره المصاعب التي واجهها، ولم تحرمه من حرية التعبير التي تتخلل أعماله ومؤلفاته. يقف بوعلام صنصل شامخا، منتصب القامة، وقويا.

في هذا الحوار الحصري (الأول التي يجريه مع وسيلة إعلامية مغربية)، يتحدث بوعلام صنصال بدون لغة خشب. يسترجع مشاكله مع السلطات الجزائرية، وسجنه، والروايات الملفقة التي نسجت حوله. يروي فترة سجنه، واستعادة حريته، وملامح حياة جديدة في فرنسا، دون أن يستسلم للمرارة أو يفقد روح الدعابة التي لا تفارقه.

ولأول مرة أيضا، يفتح أيضا فصلا عن روابطه بالمغرب: جذوره العائلية، وذكرياته في تازة، ونظرته إلى المملكة، ورغبته في العودة إليها. إنها طريقة لإعادة إحياء حوار لم تقطعه أبدا التوترات السياسية. يتحدث أيضا عن انتخابه لعضوية الأكاديمية الفرنسية، ومسيرته ككاتب، ومؤلفه الأخير « الأسطورة »، وهي حكاية عن الحقيقة والمقاومة وإعادة البناء، والتي تصدرت قائمة الكتب الثلاثة الأكثر مبيعا في فرنسا منذ صدورها في شهر يونيو الماضي. كلام حرة ورصين وثاقب، غالبا ما تتخلله مسحة من السخرية، وينطق بها رجل صقلته محنة السجن، ويؤكد قبل كل شيء على حقه في البقاء كاتبا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

Le360: كتابك الأخير « الأسطورة »، أصبح بالفعل من أكثر الكتب مبيعا بعد أقل من شهرين من صدوره عن دار النشر غراسي (Grasset). لماذا اخترت عنوان « الأسطورة »؟ هل يحيل إلى الأسطورة التي اختلقتها السلطة، أم إلى الرواية الإعلامية التي نسجت عن سجنك، أم إلى الشخصية العامة التي أصبحتها رغم أنفك؟

العنوان يحيل إلى هذه الأمور الثلاثة كلها. الأسطورة ليست مجرد قصة تروى، بل هي قصة تحل في نهاية المطاف محل الواقع. لقد وصمني النظام الجزائري بالخيانة للوطن، والولاء لفرنسا، والولاء للمغرب، والولاء لإسرائيل. وأضافت وسائل الإعلام ألوانا قاتمة وروائح كريهة. بينما حولني من كانوا معي في سجن القليعة إلى أسطورة أخرى: كنت ذلك الرجل البطل، أو المجنون، أو الساذج الذي يندد بالديكتاتورية في الوقت الذي يعيش فيه في الجزائر ويعبر جهارا عن آرائه السياسية.

ومع ذلك، وسط هذه الروايات، كان هناك رجل، كاتب مسن، مريض، منهك، محكوم عليه بالإعدام، كان يختفي تدريجيا خلف شخصياته المتعددة. من خلال كتاب « الأسطورة »، أردت إعادة اكتشاف هذا الرجل الذي يواجه مصيره، وإعادة اكتشاف نفسي كما أعتقد أنني. ليس لتقديم تبريرات، بل لتقديم الوقائع على حقيقتها.

قد يبدو هذا ساذجا ومتعجرفا، لكنني أومن أن الكاتب يمثل شيئا ما في المجتمع. إنه مثل الشهود: عليه أن يتحدث بلا مواربة، وأن ينتقد، وأن يسمي الأشياء بمسمياتها، وألا يستسلم للترهيب، وألا يخشى شيئًا، لا التهديدات ولا الجدل.

اليوم، كل شيء مثير للجدل، حتى الصمت. كل شيء تهديد. قال الطاهر جاوت، وهو أسطورة عظيمة أخرى: « إن تكلمت مت، وإن لم تتكلم مت. فتكلم ومت! » هذه هي فلسفتي.

عندما أنتقد النظام الجزائري، فليس ذلك بدافع الاستياء من الأذى الذي ألحقه بي فحسب، بل لأنني أؤمن بأنه نظام خبيث في جوهره، وخطير على الجميع: على الجزائر والجزائريين، وعلى المغرب وتونس وليبيا ومالي وفرنسا، ناهيك عن الصحراويين المساكين الذين وقعوا في فخ خطاباته الوطنية المتقادمة، والذين يعاملهم كأهالي بسطاء جاهلين.

ولدت « الأسطورة »، عنوانا وقصة، من رحم هذه الضرورة: منع القصص الملفقة من طمس الحقيقة المعاشة. هل بددت سوء الفهم ؟ لا أدري، وفي النهاية، لم يكن هذا هدفي. ليس واجب الكاتب أن يصدق أو يكذب، بل أن يقول ما يؤمن به. أما الباقي فيظل رهينا بالزمن.

أي جزء من هذه القصة، برأيك، كان الأكثر تشويها أو مصادرة أو تبسيطا ؟

ببساطة، أنا. وهذا الأمر ليس بجديد. فمنذ روايتي الأولى، « قسم البرابرة » (Le Serment des barbares)، التي نشرت عام 1999، أصبحت رمزا لشيء بحسب رغبة كل جهة. كان النظام الجزائري بحاجة إلى خائن، والبعض الآخر إلى ضحية، وآخرون إلى ساذج، إلى دون كيشوط، وآخرون إلى محرض يعمل لصالح اليهود أو فرنسا أو الأقدام السوداء أو المغرب. ورأى آخرون في مقلدا لكامو أو سولجينيتسين أو فولتير أو حتى رابلي. كتب كل منهم روايته الخاصة مستخدما اسمي كشخصية رئيسية.

الحقيقة أبسط وأكثر تعقيدا في آن واحد. أنا كاتب يكتب دائما بكل حرية، وأسعى جاهدا لتوثيق كل ما أكتبه. لم تولد قناعاتي في السجن، بل هي التي قادتني إليه. إذا أدنت النظام الجزائري، والإسلاموية، واستسلام الديمقراطيات، فليس ذلك لأني سجنت. بل لأني أدينها منذ زمن طويل حتى وجدت نفسي في السجن، شيطنني البعض، وبجلني آخرون.

لا أطلب من الناس أن يوافقوني الرأي. كل ما أطلبه هو أن يقرأوني قبل أن يحكموا علي، وأن يناقشوا أفكاري بدلا من الأساطير التي نسجت حولي.

كيف تعاملت مع ذكرى السجن؟ هل سعيتم إلى دقة تكاد تكون توثيقية، أم تقبلتم ثغرات الذاكرة، أم تركتم الأدب يعيد بناء ما شتته المحنة؟

السجن مكان يتوقف فيه الزمن. تتشابه فيه الأيام، وتتلاشى المعالم، وتصبح الذاكرة ضبابية. يبحث المرء عن الكلمات بقدر ما يبحث عن الذكريات. سرعان ما تلاشى بوعلام صنصال من ذاكرتي. كنت سجينا بين ستة آلاف سجين. كان رقمي في السجن 46611. عشت في الزنزانة رقم 18 ب، في الجناح شديد الحراسة المخصص، في معظمه، للإسلامويين.

بالنسبة للحراس والقضاة، لم أكن سجينا عاديا كغيري، بل كنت رهينة الرئيس. لم يكونوا يعرفون دائما كيف يتعاملون معي.

لم أضع لنفسي هدف إعادة بناء كل تفصيل كما يفعل كاتب ضبط أو مؤرخ. فرضت على نفسي قاعدة: ألا أكتب شيئا أعلم أنه كاذب أو غير مؤكد. لم يكن الأمر سهلا دائما. فقدت الإحساس بالوقت، وأحيانا كنت أجد صعوبة في ترتيب الأحداث.

الأدب ليس موجودا لتزيين الوقائع أو تصحيحها، بل لاستعادة حقيقتها الإنسانية.

« الأسطورة » قصة أقرب ما تكون إلى الواقع، ليس لأنها تدعي سرد ​​كل شيء، بل لأنها ترفض خيانة ما عاشه الكاتب. قد تخون الذاكرة وتخطئ أحيانا، لكن الضمير لا يكذب أبدا. كانت هذه قصتي، هويتي. أردت أن تكون صادقة كي لا أتيه في الفظاعة المطلقة.

ما الذي اخترت عدم ذكره في هذا الكتاب؟ هل ينبع هذا الصمت من التواضع، أو حماية أقربائك، أو الحذر السياسي، أو استحالة التعبير عن بعض التجارب بالكلمات؟

لقد أغفلت الكثير. ليس خوفًا من السلطة، ولا لحماية نفسي، بل لأن كتاب يحبل بالشهادات والتأملات ليس تحقيقا بوليسيا. الكاتب لا يقول كل شيء، بل ينتقي ما ينير الحقيقة التي ينشدها. أردت أن أُبين كيف تشتغل الديكتاتورية الجزائرية من الداخل: محاكمها، وسجونها، وخطاباتها، ولغتها الخشبية، هذا السجن الأيديولوجي الحقيقي حيث تستخدم الكلمات لوضع الناس في شرنقة.

أردت أيضا حماية بعض الأشخاص. فالسجن لا يصيب فردا واحدا فحسب، بل يؤثر على عائلتك، وأصدقائك، ومن ساعدوك، وأحيانا يعرض سلامتهم للخطر. لم يختاروا أن يكونوا جزءا من هذه القصة.

لم ترغب زوجتي أن أتحدث عنها في كتابي، خجلا وتواضعا أيضا. مع ذلك، فقد شغلت معظم تفكيري في السجن. وأخيرا، حصلت على إذنها لأروي بعضا من أحداث هذه المحنة المشتركة.

أخيرا، هناك تجارب تعجز الكلمات عن وصفها، ليس لأنها لا توصف، بل لأن سردها سريعا سيقلل من تأثيرها. ربما تعود يوما ما بشكل آخر، في رواية أو قصة أخرى. لكل كتاب ضرورته، وقد اختارت « الأسطورة » ضرورتها الخاصة بها.

في الواقع، كان كل شيء صعبا. تقبلت إطلاق سراحي بصعوبة بالغة، بعد عفو من الرئيس تبون. كنت قد طلبت العودة إلى الجزائر للحصول على محاكمة عادلة، لكنني تعرضت لضغوط هائلة لعدم القيام بذلك. كان علي أن آخذ في الاعتبار الحقائق الدبلوماسية والجيوسياسية آنذاك. اضطراري للصمت وتقبل مصيري أغرقني في حيرة فكرية شديدة.

ومع ذلك، صرحت علنا أنني سأرفع دعوى قضائية ضد السيد تبون، الذي احتجزني كرهينةً، في انتهاك سافر لقانون. لم يحصل محامي الفرنسي، فرانسوا زيميراي (François Zimeray)، حتى على التأشيرة التي كانت ستسمح له بزيارتي والدفاع عني.

وقد زاد انفصالي عن دار النشر غاليمار من تعقيد هذه المحنة. في تلك اللحظة بالذات، كنت بحاجةٍ إلى كشف كل شيء لأستعيد توازني على أساس الحقيقة، بينما كان كل ما حولي يحثني على التزام الصمت، وقبول الرأي الشائع وقبول الأراجيف. كانت الرسالة واضحة: « أنت حر. كن ودودا، والتزم الصمت. »

هل غير السجن أسلوب كتابتك: طول جملك، سخريتك، فكاهتك، غضبك، أو إيمانك بقوة الكلمات؟

نعم، بلا شك. السجن يجردك من أشياء كثيرة، بدءا من أوهامك. يعلمك قيمة الصمت، والانتظار، واستخدام الكلمات باعتدال. عندما يمكن استخدام كل كلمة ضدك، تتعلم ألا تحتفظ إلا بما هو أساسي.

لا ​​أعتقد أنني فقدت فكاهتي أو سخريتي، أو حتى تلك السذاجة التي ساعدتني في كثير من الأحيان على الصمود. ننظر إلى الرعب كما ننظر إلى الشمس: نغمض أعيننا من حين لآخر كي لا نصاب بالعمى. وبالمقابل، أشعر بثقل الكلمات بشكل أكبر. أعرف الآن أكثر من ذي قبل أنها قادرة على إنقاذ إنسان، ولكنها قادرة أيضا على إدانته عندما تحرف أو يتم التلاعب بها.

لم تضعف هذه المحنة إيماني بالأدب، بل جعلته أكثر صرامة. أكتب اليوم بأوهام أقل، ولكن بيقين أكبر: في مواجهة الخوف والأراجيف، تبقى الكلمات الصادقة من آخر أشكال الحرية.

كيف تعرّف علاقتك الشخصية والفكرية والعاطفية والأدبية بالمغرب؟

المغرب ليس بلدا غريبا بالنسبة لي. لا أحمل الجنسية المغربية، لكنني لطالما شعرت بانتمائي العميق إليه. كل شيء فيه يؤثر في.

أنا على يقين تام بأن الجزائر، لولا الديكتاتورية العسكرية وسياستها السوداوية، لكانت بلدا رائعا. بنمط حياة جزائري، مستوحى من نمط الحياة المغربي الذي يعجب به العالم أجمع، لخرجت من عزلتها وجذبت عشرات الملايين من السياح. وهذا من شأنه أن يحررها من لعنة النفط وعديمي الكفاءة والمبذرين والأوليغارشيين.

آمل أن يأتي اليوم الذي تتحرر فيه العلاقات بين شعبينا من الأيديولوجيات والصراعات على السلطة والكراهية التي تراكمت. للكتاب دور هام في هذا التطور: فضح الديكتاتورية العسكرية في الجزائر ونزع فتيل القنابل الموقوتة التي زرعتها. لقد ألحقوا ضررا بالغا بالجزائر.

قيلت أمور كثيرة، أحيانا متناقضة، حول صلاتك العائلية بالمغرب. ما هي الحقيقة؟ هل لديك قريب مغربي؟

نعم، لدي روابط عائلية بالمغرب من جهة أمي. كان جدي الأكبر مغربيا. جاء إلى الجزائر مع عائلته في أواخر القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين. كان من منطقة الريف، من تازة. أتذكر أنني زرتها مرة أو مرتين في إجازة في خمسينيات القرن الماضي.

أجد من اللافت للنظر أن هذا السؤال يتكرر باستمرار. عندما يفتقر المرء إلى الحجج ضد أفكار كاتب ما، غالبا ما يحاول نفي الشرعية عنها من خلال التشكيك في أصوله أو عائلته أو هويته. إنها حيلة قديمة.

ولأن جدي الأكبر مغربي، اعتبرتني الجزائر عدوا مغربيا. فرانسوا أسيلينو (François Asselineau)، رئيس الاتحاد الشعبي الجمهوري، والذي يحتمل أن يكون جزائريا أو عميلا للجزائر، صرح في إحدى محاضراته بأن والدي مغربي ووالدتي يهودية، بنبرة كشفت الكثير عن نواياه. قريبا، قد يكتشف أحدهم أن لي ابن عم على المريخ، وسأتهم حينها بالتخابر الاصطناعي مع هذا الكوكب.

لكن الحقيقة بسيطة للغاية. ولدت في الجزائر، وترعرعت فيها، وتزوجت فيها، واشتغلت فيها، وكتبت معظم أعمالي فيها، وعانيت من السجن والطرد والتشهير العلني. أنا أيضا مواطن فرنسي، أتعرض لمضايقات من فئة معينة من اليسار، الذين كشفوا عن صلات عائلية مخزية بيني وبين أصدقاء قدامى...

هل ترغب في زيارة المغرب إن سنحت لك الفرصة؟ ما المعنى الذي تود إضفاءه على هذه الزيارة؟

حافظت على حوار دائم مع المغرب. قدمت برنامجا على إذاعة ميدي 1 لخمس سنوات متتالية خلال سنوات 2000.

إذا زرت المغرب قريبا، فسيكون ذلك بمثابة بادرة أدبية، بل وسياسية أيضا، بالمعنى النبيل للكلمة. ستكون بادرة سياسية لأُعبر للمغاربة عن أن الجزائريين الأحرار يتوقون للسلام مع المغرب، ويرفضون رفضا قاطعا السياسات المغامرة التي تنتهجها الحكومة الجزائرية في المنطقة. كما ستكون بادرة أدبية تجاه القراء والكتاب المغاربة، الذين أتوق إلى التواصل معهم مجددا.

أؤمن إيمانا راسخا بأن للكتاب مسؤولية خاصة في هذا الشأن. قد تتنازع الدول، لكن على الشعوب أن تستمر في الحوار. الأدب من بين الفضاءات القليلة التي لا يزال هذا الحوار ممكنا فيها. وبهذه الروح، أود زيارة المغرب.

أنتظر دعوة من Le360... وسألبي الدعوة بكل سرور (يضحك...).

كيف تبدو حياتك اليومية الآن في فرنسا؟

أصبحت تشبه حياة الكاتب أكثر فأكثر، وهذا امتياز عظيم. أكتب، أقرأ، أعمل، ألتقي بالقراء والأصدقاء والناشرين. أستعيد تدريجيا روتين حياتي الذي قطعه سجن السيد تبون بوحشية.

لكنني لم أعد كما كنت. يترك الاعتقال آثارا ظاهرة وخفية. تعيد اكتشاف أبسط الأشياء، كالمشي، وفتح الباب، أو اختيار جدولك الزمني، بشغف جديد. تدرك قيمة ما ظننت أنه ملكك للأبد.

اليوم، أعيش حياة بسيطة ومكثفة. لدي عدة كتب قيد الإعداد، وأفكار كثيرة أستكشفها، وشعور بأن الوقت أثمن من أي وقت مضى. في سني هذا، كل يوم هبة. أحاول ألا أضيع الكثير منه في جدالات عقيمة.

أكتشف أيضا أن الحصول على الجنسية الفرنسية بموجب مرسوم أسهل من عيشها في الحياة اليومية، التي تتطلب إجراءات إدارية لا حصر لها، ولا أعرف حتى بداياتها.

ما الذي اضطررت لتعلمه من جديد: المشي وحيدا، والنوم، والعمل، والثقة، أم ببساطة التحكم بوقتكم؟

لقد اضطررت لإعادة تعلم الحرية. الأمر أصعب مما تتخيل. السجن يسلبك عاداتك، وشعورك بالاستقرار، وخصوصيتك. إنه يضعفك. عندما تخرج، عليك أن تتعلم أمورا بسيطة للغاية: إغلاق الباب دون سماع صوت القفل، والمشي دون حراسة، والنوم دون انتظار من يوقظك، وتحديد كيفية قضاء يومك. استغرقني الأمر شهرين لأتعلم استخدام الهاتف والكمبيوتر من جديد.

لكن أصعب شيء بلا شك هو استعادة الثقة. السجن يعلمك عدم الثقة. الحرية تتطلب الإيمان بالآخرين، وبالمستقبل، وبالعمل، وبالإبداع.

كنت محظوظا بوجود زوجتي وأصدقائي وناشري حولي. ساعدني وفاؤهم على العودة تدريجيا إلى ما كنت عليه قبل السجن. لقد سلبني السجن حريتي، لكنه لم يسلبني الرغبة في الحياة والكتابة والإيمان بالإنسان.

هل فرنسا أصبحت من الآن فصاعدا بالنسبة لكم وطنا، أم منفى، أم أرضا يمكنك من خلالها مواصلة الكتابة؟ هل غيرت هذه الوضعية الجديدة طريقة مخاطبتكم للجزائريين؟

فرنسا الآن هي بلدي، بلدي الوحيد، إذ إنني على وشك أن أُجرد من جنسيتي الجزائرية، وقد جردني منها كثير من الجزائريين أيضا. باستثناء كمال داود وكمال بن الشيخ، لم يدعمني أي كاتب جزائري خلال فترة سجني.

لكن لا يمكن للمرء أن ينفى من ذاكرته، أو لغته الداخلية، أو تاريخه. تبقى الجزائر في صميم أعمالي لأنها تبقى حياتي. أواصل مخاطبة الجزائريين كما كنت أفعل دائما: بمودة وصراحة، على أمل أن تجد بلادنا يوما ما طريقها للعودة إلى الحرية.

في النهاية، لم يتغير موقفي. لا أكتب ضد شعب ولا لصالح حكومة. أكتب لأدافع عن فكرة معينة عن الحرية والحقيقة والكرامة الإنسانية. هذا الولاء لا يعرف الحدود.

تنوعت أعمالك بين الروايات والمقالات. كيف يغير استخدام ضمير المتكلم « أنا » بشكل مباشر أسلوبك في مكافحة تزييف الواقع، والتعسف، والخوف؟

لا يمنحني ضمير المتكلم « أنا » أي امتياز. بل على العكس، يفرض علي انضباطا إضافيا. عندما أكتب رواية، تحمل شخصياتي جزءا من حقيقتي. عندما أكتب « أنا »، أفقد ذلك الملاذ، ذلك الدرع: فأنا مسؤول مسؤولية مباشرة عن كل كلمة أكتبها.

في الحقيقة، أخوض المعركة نفسها منذ كتابي الأول: مقاومة الأراجيف والشعارات التي تشوه الواقع، وتخدع الناس، وتزور التاريخ. تسمح لي الرواية باستكشاف الحقائق الإنسانية من خلال الخيال. والمقالة من خلال البحث الدقيق والمنطقي، والشهادة من خلال التجربة المعاشة. هذه ثلاثة مسارات مختلفة متجهة نحو المطلب نفسه.

لا أعتقد أن الأدب يجب أن يجلب الطمأنينة. بل على العكس، يسعى إلى زعزعة المسلمات وتفكيك السرديات، بهدف مساعدتنا في نهاية المطاف على الرؤية بوضوح أكبر. عندما يستولي الخوف على المجتمع، ويخرسه، ويساهم في تراجعه، تقع على عاتق الكاتب المسؤولية الأساسية في الاستمرار بتسمية الأشياء بكل دقة. ولعل هذا هو أبسط أشكال الحرية، ولكنه في الوقت نفسه أكثرها صعوبة.

في روايتي « 2084: نهاية العالم » (2015، الجائزة الكبرى للرواية منحتها الأكاديمية الفرنسية) و« أن تعيش » (2025)، تخيلت مجتمعات يسيطر عليها التهديد والمراقبة والانهيار. هل أكد السجن حدسك كروائي، أم كشف لك أن الواقع الاستبدادي يعمل بشكل مختلف عن الديستوبيا؟

كلاهما. أكد السجن بعض حدسي، المستمد أصلا من الواقع، لكنه قبل كل شيء علمني أن الواقع أقل إثارة وأكثر رعبا من الخيال. في الرواية، يمتلك النظام الشمولي انسجاما ومنطقا. أما في الحياة الواقعية، فيسير كما يتفق من خلال الارتجال والتناقضات والجبن والروتين الإداري الخانق والطاعة الآلية.

تصبح روبوتا بين روبوتات صدئة أخرى في مصنع مفلس. الروبوت لا ضمير له، يطيع برمحيات متواضعة، ليست بالضرورة فعالة، في عالم يفتقر إلى كل شيء.

في السجن، لم أواجه وحوشا. واجهت نظاما يحول الرجال العاديين إلى مجرد أدوات ضمن آلة يبدو أن لا أحد يفهم آلية اشتغالها. هذا ما أثار دهشتي أكثر من غيره: العيش في عالم سريالي، تحت سلطة مجموعة من القواعد التي يعجز أحد عن تفسير معناها. في الواقع، ينبني هذا النظام على الجهل.

خرجت من هذه المحنة بقناعة راسخة: لا تستمد الديكتاتوريات نفوذها من الخوف الذي تثيره فحسب، بل أيضا من الأكاذيب التي تفرضها والتضحيات التي تستنزفها. يختفي العار، وتتلاشى الأعراف، وتندثر الإنسانية. ننزلق تدريجيا نحو اللاإنسانية.

إذن، تتمثل الحرية الأولى في الاستمرار في التساؤل عن الواقع وتسميته كما هو. عندما يكون أوبو عاريا، يجب أن نقول إنه عار، ولا شيء غير ذلك.

نسجت رواية « شارع داروين » (2011) ذكريات شخصية، وأسرارا عائلية، وتاريخا جزائريا. ماذا يتغير عندما لا يركز السرد على الطفولة، بل على تجربة سياسية لا تزال حارقة؟

في « شارع داروين » (Rue Darwin)، نظرت إلى ماض بعيد. لقد فعل الزمن فعله. لا تزال الجراح موجودة، لكنها وجدت مكانها ضمن قصة أوسع، قصة عائلة، ومجتمع، ووطن.

في « الأسطورة »، الوضع مختلف تماما. الأحداث ما زالت قريبة، والمشاعر لا تزال جياشة، والآثار ما زالت ماثلة. لا يكتب المرء عن طفولة أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية بنفس الطريقة التي يكتب بها عن سجن لا يزال يسمع صوت أبوابه المعدنية وهي تفتح وتغلق.

لكن، في الواقع، يبقى السؤال نفسه: كيف نبقى أوفياء للحقيقة الإنسانية دون أن نستسلم للضغينة أو النسيان؟ هذا الوفاء هو ما يربط جميع كتبي، مهما كان موضوعها أو شكلها. الزمن يغير الذكريات، لكن لا يجب أن يغير الحقيقة أبدا.

إن انتخابك لعضوية الأكاديمية الفرنسية يضعكم في قلب مؤسسة مكرسة لخدمة اللغة. ما هي علاقتك باللغة الفرنسية، أولا ككاتب، ثم كمواطن عالمي؟

أنا لا أعيش في بلد فحسب، بل أعيش في لغة. لطالما كانت الفرنسية موطني، حيث أكتب وأفكر، ومن خلالها أتواصل مع الأحياء ومع كبار الأدباء الذين سبقوني. إنها ليست لغة أجنبية بالنسبة لي، بل هي لغتي ككاتب.

أحب الفرنسية لدقتها المذهلة، ولأنها تحمل في طياتها تاريخا عريقا من الحرية والشك والعقل والكونية. فهي تتيح لنا تسمية العالم بدقة، وفي الوقت نفسه تتيح لنا وضعه موضع تساؤل.

إن انتخابي لعضوية الأكاديمية الفرنسية شرف عظيم لي. لا أعتبره غاية في حد ذاته، بل مسؤولية. فاللغة لا تنتمي لأحد، إنما تنتمي لمن يحافظون عليها لكي تظل حية. والكتابة بالفرنسية، أينما ولد المرء، هي مشاركة في مغامرة فكرية تتعالى على الحدود والانتماءات.

هل ترى في هذا الانتخاب تعويضا رمزيا، أم تكريسا أدبيا، أم خطرا لمأسسة الكاتب المعارض وتدجينه؟

لا أرى فيه أيا من هذه الأمور الثلاثة. إنه ليست تعويضا: فالانتخاب لا يمحو المعاناة ولا الظلم. وليس تكريسا: فالكاتب لا يصل أبدا إلى نهاية رحلته. كما أنه ليس مأسسة: فالأكاديمية ليست مخصصة لتدجين الكتاب.

مع معرفتي البسيطة بهم، أجد صعوبة في فهم كيف يمكن إجبارهم على فعل ذلك، بل وأجد صعوبة أكبر في فهم كيف يمكنهم قبول مثل هذا العبث. إن الدفاع عن اللغة شأن يخص الأحرار، وحتى المتمردين.

أرى في هذا الانتخاب قبل كل شيء شرفًا عظيما ومسؤولية. الأكاديمية الفرنسية لا تستقبل الآراء، بل تستقبل مجموع الأعمال وعلاقة عميقة باللغة.

أما أنا، الكاتب، فسأبقى كما كنت دائما: حرا. الحرية لا ترتبط بالكرسي الذي نجلس عليه، بل بالوفاء لضميرك. ولو خيرت يوما بين كرسي وهذه الحرية، لما ترددت لحظة.

منذ إطلاق سراحك، تحاول جهات سياسية وإعلامية وفكرية مختلفة أن تدمجك في سرديتها الخاصة. بماذا ترد عليهم؟

إنهم يضيعون وقتهم. لم أكتب قط لحزب أو حكومة أو إيديولوجيا. طوال أربعين عاما، كتبت وفاء لضميري. وقد أدى ذلك إلى تعرضي لهجمات في الجزائر، وأحيانا في فرنسا. لكن هذا النضال لم يثبط عزيمتي أبدا.

أتفهم أن الجميع يرغب في توظيف سردية تناسبه. إنها غريزة معاصرة: نفضل الرموز على الأشخاص، والتصنيفات على الأعمال، والسرديات الجاهزة على تعقد الواقع. لكن الكاتب ليس راية ترفع على المجال السياسي.

لا أطلب من أحد أن يوافقني الرأي. كل ما أطلبه هو أن يقرأ الناس كتاباتي قبل الحكم علي، وأن يناقشوا أفكاري، بدلا من تصنيفي قبل حتى أن يسمعوا صوتي. تبدأ حرية الكاتب برفض أي استغلال أو توظيف.

ما الذي ترغبو في إنقاذه في كتابك « الأسطورة »: المؤلَّف، أو فكرة ما، أو جملةٌ ما، أم مجرد حقك في أن تصبح كاتبا، كاتبا لا يدعي أحد تملكه؟

لا أرغب في إنقاذ أسطورة. الأساطير ملك للآخرين. أما المؤلَّف، فبمجرد نشره، يصبح ملكا لقرائه.

لو كان علي إنقاذ شيء، لكانت حرية الكاتب نفسها. حرية الكتابة دون الخضوع لسلطة أو حزب أو تيار أو انتظار. حرية التغيير، والشك، والخطأ أحيانا، مع البقاء وفيا لضميرك.

أنا ممتن لكل من ساندني خلال هذه المحنة. لكنني لا أريد أن تطغى صورة الرجل الذي اعتقل وسجن ثم أُطلق سراحه على صورة الكاتب. السجن مجرد فصل من فصول حياتي، ولا ينبغي أن يصبح هويتي بأكملها.

أعظم رغباتي بسيطةٌ للغاية: الاستمرار في الكتابة. إذا تحدث الناس، بعد بضع سنوات، عن كتبي أكثر مما تحدثوا عن فترة سجني، فسأعتبر حينها أنني استعدت حريتي الحقيقية.

تحرير من طرف كريم سراج
في 16/07/2026 على الساعة 21:00