بدأت فصول الواقعة عصر السبت الماضي، حين اقتحمت عناصر الشرطة فضاء مكتبة «الفنون الجميلة» التي كانت تستعد لاستقبال الباحثة السبعينية فاطمة أوصديق لتقديم مولودها العلمي الجديد: «الهويات المتمرّدة – إعادة التفكير في تاريخنا».
وبحسب أرزقي آيت العربي، مدير دار «كوكو» للنشر، فلم يكتفِ التدخل الأمني بمنع النشاط الثقافي، بل تجاوزه إلى حجز نسخ الكتاب وإبلاغ مسيري المكتبة بقرار غلق فوري لمدة شهر كامل، في إجراء وصفه الناشر بـ«الخرق الصارخ» للمادة 54 من الدستور التي تحظر توقيف أي نشاط للنشر دون قرار قضائي.
هذا المنع، وضع خطاب «التسامح المنفتح» الذي رُفع أمام ضيف الفاتيكان في مأزق المكاشفة؛ إذ يرى مراقبون أن «ردود الفعل الغرائزية» للجهاز الإداري أجهضت المحاولة الرسمية لتقديم الجزائر كواحة للتعددية، مبرزة فجوة عميقة بين لغة الدبلوماسية الدولية وممارسات الضبط الداخلي.
هوس «النمذجة» وفوبيا التحرر
لا يمكن عزل منع كتاب «الهويات المتمرّدة» عن حالة الهوس المزمنة التي تسكن بنية النظام الجزائري تجاه كل ما يحمل دلالات التمرد أو التحرر، حتى وإن جاءت في سياق بحثي أكاديمي صرف.
أجمع الكثير من منتقدي قرار المنع على أن الحساسية المفرطة تجاه عنوان الكتاب تعكس فوبيا السلطة من تحرر الذاكرة الجماعية من الوصاية الرسمية؛ فكلمة «التمرد» هنا لا تحيل إلى فعل مادي، بل إلى تمرد المنهج العلمي على القوالب الجاهزة التي تُصب فيها الهوية الوطنية.
ويأتي منع هذا العمل، الذي يمثل حصيلة 25 عاما من البحث الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، ليؤكد حساسية الموضوعات التي طرقتها أوصديق؛ إذ لم تكتفِ الباحثة البالغة من العمر 77 عاما بالوقوف عند الأبعاد الثقافوية السطحية لأحداث غرداية الأليمة التي تعود لنحو 15 سنة، بل غاصت في بنية الأزمة السياسية والاجتماعية والمجالية التي عصفت بالمنطقة.
عبر استحضار رموز وادي ميزاب على الغلاف، من الشيخ الإصلاحي إبراهيم بيوض (1899- 1981)، إلى شاعر الثورة مفدي زكرياء (1908 - 1977)، وصولا إلى الناشط كمال الدين فخار (1963 - 2019) الذي قضى في السجن، تقدم أوصديق قراءة نقدية ترفض السرديات الجاهزة التي تكرس الانقسام المذهبي بين المالكية والإباضية.
ويسعى الكتاب، وفق تقديم الناشر، إلى تحليل آليات الهيمنة وإعادة الاعتبار للأصوات المهمشة، داعيا إلى مراجعة عميقة لأنماط الحوكمة، وهو ما يفسر رغبة النظام في وأد هذا الفكر؛ فالهوس بالضبط والسيطرة حول «مقص» الرقيب إلى أداة تمنع أي دعوة لإعادة التفكير في التاريخ الخاص، خوفا من اهتزاز الأساطير السياسية التي يقتات عليها الخطاب الرسمي.
عبثية الرقابة في زمن السيولة الرقمية
تطرح واقعة المنع تساؤلات حارقة حول جدوى الرقابة التقليدية في عصر الفضاءات المفتوحة؛ إذ أثبتت التجربة أن إغلاق مكتبة أو مصادرة نسخ ورقية لم يعد كافيا لخنق الفكرة، بل غالبا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية تماما.
إقرأ أيضا : الجزائر: غضب حقوقي بسبب «إعدام» النظام لجمعية ضحايا الاختفاء القسري خلال العشرية السوداء
يتجلى هنا ما يعرف بـ«تأثير سترايسند»، حيث يتحول فعل المنع إلى أكبر حملة ترويجية مجانية للعمل؛ فبمجرد انتشار خبر التضييق على فاطمة أوصديق، غادر الكتاب رفوف المكتبة المادية ليتصدر محركات البحث والمنصات الإلكترونية، محولا البحث السوسيولوجي من مادة أكاديمية تستهدف النخبة إلى قضية رأي عام يتهافت الجميع على اقتناص نسخها الرقمية أو حتى المقرصنة.
ويؤكد المنتقدون أن محاولة السلطة ممارسة «السيادة الرقابية» بأدوات كلاسيكية أمام تدفق المعلومات العابر للحدود، لا تعكس فقط عجز المقاربة الأمنية عن مواكبة التحولات التقنية، بل تحول العمل الممنوع إلى «أيقونة» للمقاومة الفكرية، مما يمنحه عمرا أطول وانتشارا أوسع يتجاوز بكثير ما كان سيحققه لو مر حفل التوقيع بهدوء خلف جدران مكتبة العاصمة.
زيف شعار «الانفتاح»
تكمن المفارقة الكبرى في أن هذا المنع جاء في أعقاب زخم إعلامي رسمي احتفى بقيم الحوار والتعايش. وبحسب تصريح آيت العربي لوكالة « فرنس براس »، فإن الخطاب الرسمي الذي سعى لتقديم صورة بلد متسامح «لم يصمد أمام ردود الفعل الغرائزية المتأصلة» لدى مراكز القرار التي لا تزال تتوجس من البحث السوسيولوجي المستقل.
إقرأ أيضا : صنصال يوضح: إصراري على مناهضة «نظام تبون العنيف والقاسي» عجّل برحيلي عن غاليمار
وهكذا تبدو محاولة وأد «الهويات المتمرّدة» خلف أبواب المكتبات المشمعة رهانا خاسرا في زمن السيولة الرقمية؛ إذ منحت الرقابة كتاب فاطمة أوصديق «شهادة ميلاد» ثانية، محولة إياه من مرجع أكاديمي متخصص إلى أيقونة للمقاومة الفكرية تتداولها الشاشات والمنصات.
وبينما تظل أبواب مكتبة «الفنون الجميلة» مغلقة بقرار إداري، تظل أسئلة الباحثة أوصديق مشرعة على مصراعيها، لتثبت أن السوسيولوجيا حين تنبش في آليات الهيمنة وتكشف زيف السرديات الجاهزة، تصبح هي الفعل السياسي الأكثر تأثيرا، والقادر على اختراق جدران الصمت مهما بلغت سطوة الرقيب.
