منجم غار جبيلات الذي قدمته وسائل الإعلام الرسمية كرافعة صناعية ستنقل البلاد إلى مصاف القوى التعدينية العالمية، وتحدثت التقارير عن رصد استثمارات ضخمة لتطويره لا تقل عن 15 مليار دولار، تبددت صورته بمجرد وصول توثيق ميداني مستقل أظهر الموقع عبارة عن حفرة مكشوفة تفتقر لأبسط مقومات النشاط الصناعي.
خلفيات القصة تعود إلى خطة تواصلية وضعت تفاصيلها بعناية، حظيت برعاية مباشرة من أعلى هرم السلطة في الجزائر، وتكفلت وحدات الجيش بتأمين مساراتها، في حين تولت وزارة السياحة تمويلها من أموال دافعي الضرائب.
الخطة كانت تهدف إلى رسم صورة لجزائر صاعدة قادرة على تطويع التضاريس الصحراوية القاسية لصناعة التنمية، وجرى اختيار الرحالة والدرّاج القطري خالد الجابر ليكون بطل هذه الحملة عبر قيادة دراجته على طول محور وهران-بشار-تندوف، بمحاذاة خط السكة الحديدية الجديد.
الرحلة التي انطلقت في 29 ماي الماضي وانتهت في الخامس من يونيو الجاري في أقصى الجنوب، حققت الغرض الإعلامي في حشد المتابعة، لكنها انتهت بصدمة غياب أي أثر للمشروع على أرض الواقع.
تأثير هذه الرحلة جاء عكسيا تماما لما خططت له الأجهزة الرسمية، إذ أسهمت المقاطع المصورة التي نشرها المؤثر القطري عبر حساباته الشخصية، ونقلتها الصحافة الجزائرية بحماس، في تعرية الوضع الميداني داخل غار جبيلات.
الصور الحية المنقولة من عين المكان أكدت خلو المنطقة من أي بنية تحتية أو آليات حفر ثقيلة، وغياب تام للمجمعات السكنية الخاصة بالعمال أو الورشات الصناعية، ليتضح أن «مشروع القرن» لا يتجاوز حتى الآن حدود منخفض أرضي واسع وسط صحراء قاحلة.
مسرح استعراض سياسي
ولفهم أبعاد هذا التعثر، يستوجب العودة إلى الأحد الأول من فبراير 2026، وهو اليوم الذي جرى فيه تدشين خط السكة الحديدية الرابط بين غار جبيلات وبشار وسط أجواء احتفالية صاخبة طغت عليها الخطابات الحماسية، بحضور لافت لوفود دبلوماسية أجنبية وتغطية إعلامية رسمية مكثفة.
وظهر الرئيس عبد المجيد تبون في واجهة الحدث، مدعوما برئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة، في خطوة تجاوزت البعد التنموي للخط الحديدي لتتحول إلى استعراض سياسي يبحث عن ترسيخ الشرعية.
إقرأ أيضا : غار جبيلات: المنجم المعجزة أو فن تحويل فشل معلن إلى ملحمة
ووصف رئيس الدولة الحدث آنذاك بأنه «استيقاظ عملاق صناعي»، متحدثا عن نهضة تعدينية ومشروع ضخم أُنجز في ظرف لم يتجاوز عشرين شهرا، وملمحا إلى إمكانية تسجيل هذا الإنجاز في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية.
ولم تلتفت المنصات الرسمية إلى أن قاطرات الشحن التي تحركت أمام عدسات الكاميرات، والتي قيل إنها محملة بالخام، كانت في الأصل عربات مخصصة لنقل الحبوب جرى توظيفها لإخراج المشهد.
واستمر الشحن الإعلامي لعدة أيام بمعدل بث متواصل على مدار الساعة، حيث عرضت القناة الحكومية «ألجزائر 24 نيوز» وثائقيا طويلا أشرفت على إعداده المديرية العامة للاتصال برئاسة الجمهورية.
ورغم الهالة التي أحيطت بالبرنامج، فإن المشاهد المعروضة لم تظهر سوى منخفض ترابي مكشوف وبضع كومات من الصخور الخام، لتمر أربعة أشهر على ذلك التدشين دون أن تترجم تلك المشاهد إلى نشاط صناعي حقيقي.
وتستند الرواية الرسمية على أرقام ضخمة تصنف غار جبيلات كأحد أكبر احتياطيات الحديد في العالم، بحجم إجمالي يقارب 3.5 مليار طن، منها نحو ملياري طن قابلة للاستغلال الفعلي، مع استهداف إنتاج سنوي يتراوح بين 40 و50 مليون طن ابتداء من السنة الجارية.
وتتوسع هذه التقديرات لتؤكد بدء عمليات الاستخراج منذ عام 2022، واعدة بتوفير 25 ألف منصب شغل مباشر وأضعافها من الفرص غير المباشرة، تمهيدا لظهور قطب مدني وصناعي جديد في قلب المنطقة الصحراوية.
مفارقات اقتصادية وملفات معقدة
وتصطدم هذه الأرقام بواقع ميداني يغيب عنه أي أثر ملموس للمنشآت، رغم رصد اعتمادات مالية ضخمة تتراوح بين 12 و15 مليار دولار كحد أدنى.
وخارج مسار السكة الحديدية الذي يواجه مخاطر زحف الرمال وتأثيرات التربة المملحة، فإن محطات معالجة الخام والمنشآت المائية والكهربائية الضرورية للتشغيل غير متواجدة على الأرض.
هذا الوضع يمثل مفارقة اقتصادية واضحة بالنظر إلى التحذيرات المسبقة التي تلقتها دوائر القرار، إذ تشير التقديرات الرسمية نفسها إلى أن العائد على الاستثمار لن يبدأ في التبلور قبل أفق 2029-2030 في حال جهوزية المنجم.
وفي المقابل، تؤكد تقارير مستقلة أن التكاليف الباهظة المرتبطة بنقل المادة الخام وعمليات إزالة الفسفور المعقدة، إلى جانب تقاسم الأرباح مع الشركاء الأجانب، ستخفض الحصة الصافية السنوية للبلاد إلى بضع مئات الملايين من الدولارات فقط، وهو عائد ضئيل لا يتناسب وحجم الأموال المستثمرة.
إقرأ أيضا : الجزائر: تبون يختطف الخبير جلول سلامة بعد تشكيكه في الجدوى الاقتصادية لمشروع منجم الحديد «غار جبيلات»
وخلف هذه الواجهة الترويجية، تحيط بآليات تدبير المشروع ملفات معقدة، حيث كشفت وثائق وتقارير تقنية داخلية، تداولها الإعلام، عن اعتماد إجراءات استثنائية تجاوزت قنوات المراقبة القانونية المعتادة.
وجرى تفويت صفقة مد الخط الحديدي بين بشار وتندوف وغار جبيلات إلى تحالف شركات صينية بقيمة تناهز 3.9 مليار دولار عبر صيغة التراضي المباشر، دون الخضوع لطلبات عروض منافسة أو تدقيق مالي مستقل.
وتتحدث الوثائق ذاتها عن فوارق شاسعة في فواتير التوريد، حيث بلغت تكلفة طن السكك الحديدية نحو 4800 دولار، في وقت لا يتجاوز فيه السعر المرجعي في الأسواق العالمية حاجز 730 دولارا، وهو فارق يعيد إلى الأذهان الاختلالات المالية التي طبعت مشاريع سابقة مثل الطريق السيار شرق-غرب أو جامع الجزائر الأعظم، مع فارق أساسي يكمن في أن تلك المنشآت خرجت إلى الوجود في نهاية المطاف.
وفي مقابل تعثر الشق الصناعي، تنشط الأجهزة الرسمية في محاصرة أي نقاش اقتصادي أو قراءة تقنية تخالف الرواية السائدة بشأن جدوى المنجم. ودفع الخبير الاقتصادي جلول سلامة ثمن تشكيكه علنا في المؤشرات المعلنة وتكاليف الإنتاج ومردودية المشروع، حيث تعرض للاعتقال والسجن، في خطوة هدفت إلى إغلاق باب التقييم المستقل للمشروع.
وكان المخطط يهدف إلى جعل غار جبيلات واجهة للنهضة الصناعية الموعودة وعنوانا بارزا للسياسات الاقتصادية الحالية، غير أن المعطيات الميدانية المتوفرة وسط المساحات الصحراوية تظهره في قوالب مغايرة، ليعكس واقعا تعوض فيه الحملات الاتصالية غياب المؤشرات الحقيقية للاقتصاد التنموي.
