زيارة البابا إلى الجزائر: مرآة الانهيار الأمني وآلة الإنكار التابعة للنظام

Le président algérien Abdelmadjid Tebboune avec le pape Léon XIV. A droite, un corps ensanglanté dans une rue à Blida.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع البابا ليون الرابع عشر. وعلى اليمين، جثة ملطخة بالدماء في أحد شوارع البليدة

في 15/04/2026 على الساعة 12:04

في 13 أبريل 2026، وبينما كانت الجزائر تستقبل البابا ليون الرابع عشر في مشهد جرى إخراجه بعناية لتسويق صورة بلد مستقر، ضرب تفجير انتحاري مزدوج مدينة البليدة، على بعد أربعين كيلومترا فقط من العاصمة. وأمام هذا الفشل الأمني المدوي، اختار النظام الجزائري نهج الإنكار، ففرض تعتيما إعلاميا وصل إلى حد الضغط على الاتحاد الأفريقي لمحو أي أثر للعملية. من العجز عن حماية البلاد إلى الإصرار على نفي الواقع، كشف هذا الحدث تصدعات هائلة في بنية المنظومة.

يوم الاثنين 13 أبريل، وبينما كانت الجزائر تستضيف البابا ضمن جولة إفريقية ومحطة جرى الترتيب لها بدقة لتلميع صورة نظام يبحث عن شرعية دولية، جاء تفجير إرهابي مزدوج ليحطم الرواية الرسمية حول بلد يزعم أنه آمن وممسك بزمام مصيره.

في البليدة، المدينة التي يقطنها 300 ألف نسمة، فجر انتحاريان نفسيهما بفاصل زمني قصير بالقرب من مقر أمني محلي. الحصيلة الأولية سجلت قتيلين، هما الإرهابيان اللذان فعلا حزاميهما الناسفين على عجل، إضافة إلى عدد من الجرحى.

وأظهرت الصور المتداولة بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي جثثا ممزقة ومشاهد ذعر استعادت بشكل مأساوي ذكريات العشرية السوداء.

ورغم ذلك، سارع النظام في الساعات التالية إلى نشر استراتيجية إنكار وتكميم أفواه غير مسبوقة، كشفت عجزه عن تأمين البلاد وبراعته في تزييف الواقع، حتى لو كلفه ذلك ضغوطا دبلوماسية محرجة.

Une capture vidéo à partir d'images publiées sur les réseaux sociaux le 13 avril 2026, montrant des passants debout près d'un corps recouvert gisant au milieu d'une rue à Blida.

كان من المفترض أن تكون زيارة البابا تتويجا لعملية اتصالية مدروسة. فالجزائر العاصمة، الخاضعة لرقابة مشددة، كانت مطوقة بالقوات الأمنية كما هو المعتاد عند استقبال شخصيات دولية بارزة. ومع ذلك، نجح انتحاريان في تنفيذ هجومهما في وضح النهار بمدينة تبعد أقل من ساعة عن العاصمة.

وطريقة التنفيذ، التي اتسمت بنوع من الهواية، تشير إلى عمل فردي، لكنه كان كافيا للاختراق. هذا المعطى يبدو صادما لكون النظام جعل من مكافحة الإرهاب أحد أبرز ركائز شرعيته منذ نهاية الحرب الأهلية في التسعينيات.

ومنذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة، أجرى النظام ما لا يقل عن أربع عشرة عملية تعيين أو إقالة في مناصب مفتاحية بالمخابرات والأجهزة الأمنية، شملت المديرية العامة للأمن الداخلي، ومديرية أمن الجيش، والمديرية العامة للوثائق والأمن الخارجي، ومركز أمن النظام.

هذه التطهيرات المتكررة، بدلا من تعزيز الكفاءة، تعكس عدم استقرار مؤسساتي وعجزا هيكليا عن ضبط الأجهزة.

وكما أشار تقرير لـ«مجموعة الأزمات الدولية» صدر عام 2023، فإن تدوير المسؤولين هذا لا يهدف للإصلاح بقدر ما هو استراتيجية بقاء للنظام، الذي يفضل إبقاء أجهزته في حالة هشاشة دائمة لمنع ظهور مراكز قوى داخلية.

ويعد اعتداء البليدة الدليل الأبرز على ذلك؛ فبالرغم من الوسائل الضخمة المسخرة لتأمين زيارة البابا، أظهر النظام محدوديته وفشله.

التعتيم..

أمام حجم الحدث، اختارت السلطات الجزائرية ردا راديكاليا: الصمت. لم يصدر أي بيان رسمي، ولم يخرج أي تصريح.

أما وسائل الإعلام الوطنية، الخاضعة لرقابة خانقة منذ حراك 2019، فقد التزمت الصمت المطبق، بما في ذلك وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.

ويأتي هذا التعتيم في وقت ضجت فيه شبكات التواصل الاجتماعي بشهادات وفيديوهات وصور للانفجار، حيث كذبت المشاهد القاسية والمدن المدمرة الرواية الرسمية التي تأخرت في الظهور.

وفي محاولة للتقليل من شأن الحدث أو نفيه تماما، فعلت السلطات «ذبابها الإلكتروني» لنشر نظريات بديلة، تتحدث تارة عن انفجار قارورات غاز، وتدعي تارة أخرى أن صور الاعتداء قديمة.

هذه المحاولات الفجة للتضليل عكست ارتباك نظام محاصر، حيث اصطدم فرضه لواقع بديل بالحقائق الموثقة من مئات الشهود.

ضغط دبلوماسي لصناعة رواية وهمية

بلغت استراتيجية الإنكار ذروتها عندما نشر الاتحاد الإفريقي، يوم الثلاثاء 14 أبريل، بيانا يدين «بأشد العبارات الاعتداء المزدوج الذي وقع في 13 أبريل 2026 بالبليدة». لكن هذا التصريح، الذي وقعه رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، سحب بسرعة من الموقع الرسمي للمنظمة بضغط من السلطات الجزائرية.

وفي تصريح مكتوب لوكالة «فرانس برس»، أوضح المتحدث باسم رئيس المفوضية، نور محمود شيخ، أن البيان سحب لأن «هذه المعلومة لم يتم تأكيدها من مصادر رسمية».

وهو مبرر يثير الدهشة، خاصة وأن صور الاعتداء جابت العالم، وتناقلت الخبر وسائل إعلام دولية كبرى مثل «ماريان» و«لوفيغارو» و«لوموند».

إن تراجع الاتحاد الإفريقي يبدو محرجا بشكل خاص لأن مفوض المنظمة للشؤون السياسية والسلم والأمن، بانكولي أديوي، كان متواجدا في الجزائر يوم الاعتداء.

وكما ذكرت «لوموند»، التقى الدبلوماسي النيجيري بسفيان شايب، كاتب الدولة لدى وزير الخارجية الجزائري، وزار مقر «أفريبول» ومركز مكافحة الإرهاب. هذه الزيارات، الموثقة بالصور على حساب أديوي في منصة «إكس»، تظهر مدى محاولة النظام التحكم في السردية عبر توظيف شركائه الدوليين.

لقد كان الضغط الدبلوماسي قويا لدرجة أن الاتحاد الإفريقي، المفترض أن يكون صوت القارة، خضع لمطالب الجزائر على حساب الحقيقة.

كانت زيارة البابا ليون الرابع عشر تهدف لتقديم نظام تبون كفاعل محترم دوليا، لكنها بدلا من ذلك كشفت عن سمتين أساسيتين للمنظومة الجزائرية: العجز عن ضمان الأمن رغم الوسائل الضخمة والقمع المعمم، والإصرار على نفي الواقع حتى لو تطلب الأمر تكميم الصحافة والضغط على الشركاء الأجانب.

اعتداء البليدة هو عرض لنظام اختار القمع بديلا للإصلاح. وبينما تتكاثر القوانين المقيدة للحريات ويقبع المعارضون في السجون، تظل الأجهزة الأمنية المنهكة بالتطهيرات عاجزة عن حماية المواطنين.

ومع ذلك، تستمر السلطة في فرض نسختها من الوقائع، لكن ما سيبقى من زيارة ليون الرابع عشر هو عناوين الصحافة الدولية مثل «لوموند» («اليوم الأول لزيارة البابا للجزائر يتسم باعتداء انتحاري فاشل في ضواحي العاصمة») أو «فرانس برس» («ليون الرابع عشر على خطى القديس أوغسطين في الجزائر، زيارة غير مسبوقة لطخها اعتداء مزدوج»).

خلف المظاهر، يرتسم بلد يترنح بشدة، حيث لم يختف التهديد الإرهابي يوما، وحيث يمثل إنكار الواقع منهجا في الحكم.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 15/04/2026 على الساعة 12:04