أضحى تحويل قاعات المحاكم في الجزائر إلى منصات لإصدار عقوبات سالبة للحرية بناء على مواقف سياسية أو أبحاث علمية، يمثل السياسة الثابتة للتعامل مع الأصوات المنتقدة، وهو ما تظهره بوضوح الملفات القضائية التي جرى البت فيها أو تمديدها خلال الأيام القليلة الماضية.
ملاحقة العقول.. الحبس المؤقت يطال الفضاء الأكاديمي
لم تعد الملاحقات القضائية مقتصرة على الناشطين السياسيين والصحفيين، بل امتدت لتطال النخب الفكرية والأكاديمية. فقد أمر قاضي التحقيق لدى محكمة وهران، يوم الثلاثاء 26 ماي (عشية عيد الأضحى)، بإيداع الباحث الأكاديمي منير صغير رهن الحبس المؤقت.
وجاء هذا الإجراء على خلفية منشورات رقمية نسبت إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليواجه تهم الإشادة بتنظيم مصنف تخريبيا استنادا إلى المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، إلى جانب عرض منشورات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية وفق المادة 96 من القانون نفسه.
وتكشف هذه القضية عن اتساع دائرة الملاحقات الجزائية لتشمل الأصوات الفكرية، حتى عندما تطرح الآراء في سياق نقاش عمومي أو بحث علمي، فبدل أن تظل الجامعات والمنتديات الفكرية فضاءات طبيعية للاختلاف والحوار، أضحى التعبير الحر مدخلا مباشرا إلى التحقيق القضائي، مما يهدد بتجفيف النقاش العام وإحلال المقاربة الأمنية محل الحوار القانوني والفكري.
إدانة زغيلش.. تجريم المقترحات السياسية السلمية
في سياق متصل، أصدرت محكمة قسنطينة حكما يقضي بسجن الصحفي والناشط السياسي، ومدير إذاعة «ساربكان» الإلكترونية، عبد الكريم زغيلش، لمدة سنة كاملة، منها ستة أشهر نافذة وستة أشهر مع وقف التنفيذ، مصحوبة بغرامة مالية قدرها 100 ألف دينار جزائري.
وتعود الخلفية الحقيقية لهذه الإدانة إلى منشور صاغه زغيلش في شكل «مذكرة اقتراحية»، طرح من خلالها تصورا قانونيا ودستوريا لفائدة الأشخاص الذين تعرضوا للملاحقة السياسية، بهدف تمكينهم من المطالبة بحقوقهم عبر مسارات سلمية.
واعتبرت منظمات حقوقية، من بينها منظمة «شعاع»، أن هذا الحكم «يحمل طابعا سياسيا واهيا ويشكل حلقة جديدة في مسلسل استنزاف النشطاء نفسيا وماديا عبر تحريك قضايا متعددة ومتزامنة ضدهم لإبقائهم تحت الضغط القضائي الدائم.»
عبد الوكيل بلام.. اتهامات ثقيلة وإجراءات غامضة
أمام محكمة الجنايات الابتدائية بالدار البيضاء في العاصمة، يواجه الناشط والمدون عبد الوكيل بلام، المعتقل منذ مطلع سنة 2025، تهما توصف بالخطيرة كـ«المشاركة في منظمة إرهابية، والمساس بوحدة التراب الوطني، ونشر معلومات كاذبة»، وهي تهم عادة ما ترتبط بالقضايا الأمنية الكبرى لكنها باتت توظف ضد الوجوه السياسية والإعلامية التي برزت في محطات نضالية مثل حركة «بركات» وحراك 2019.
الملف الذي تحرك بناء على تدوينات عبر وسم «#مانيش_راضي» وتواصل رقمي مع نشطاء وصحفيين، يشهد تأجيلات متكررة تطيل أمد الحبس المؤقت دون فتح نقاش قضائي علني ومتوازن، مما يجعل من هذا الإجراء عقوبة مسبقة تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة، ويعزز الانطباع السائد بشأن استخدام القانون الجنائي لتصفية الحسابات السياسية وتحييد المعارضين.
إعادة تكييف التهم.. الالتفاف على المبادئ القانونية
ولا تقتصر الأدوات القضائية على الأحكام المباشرة، بل تشمل مناورات قانونية أثارت قلق خبراء الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، كما هو الحال في ملف الشاعر والناشط المرتبط بالحراك السلمي، محمد تاجاديت، حيث تتجه محكمة الجنايات نحو إعادة تكييف التهم الموجهة إليه استنادا إلى الوقائع ذاتها التي حوكم بموجبها سابقا.
ويهدد تعديل التصنيف القانوني للأفعال نحو «جنايات خطيرة» بإعادة الناشط إلى دائرة الأحكام القصوى، في انتهاك صريح لمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرتين على الفعل نفسه، علما أنه يواجه أساسا أحكاما سابقة بالحبس بتهم مثل «الإشادة بالإرهاب» و«إهانة هيئات نظامية».
وتضع هذه القضايا المتراكمة استقلالية العدالة في الجزائر على المحك، حيث تؤكد منظمة العفو الدولية أن المحاكمات باتت تعتمد بشكل نسقي على نصوص قانونية فضفاضة ومصطلحات مطاطية مثل «المس المصلحة الوطنية» أو «إهانة الرموز»، بهدف إبقاء الأصوات المستقلة تحت طائلة التهديد المستمر.
ويتزامن هذا المسار مع استمرار الحبس المؤقت للصحفي والمدافع عن حقوق الإنسان حسن بوراس، واستمرار التضييق الأمني والمنع من السفر الذي طال الصحفي مصطفى بن جامع، مما يبرز إصرار النظام على تقديم الاعتبارات الأمنية والردعية على متطلبات دولة القانون والحريات.
