أرشيفات فانسن العسكرية: الحلقة الأولى.. عندما كانت فرنسا تعتبر «الصحراء الغربية» جزءا من المغرب

كريم سراج

في 13/07/2026 على الساعة 20:15

مقال رأيتفتتح هذه المقالة سلسلة من المقالات المخصصة لأرشيفات فانسن (Vincennes) العسكرية والملفات الفرنسية للفترة ما بين عامي 1850 و1920، والمتعلقة بكل من الصحراء الغربية والشرقية. وبناء على فكرة برنارد لوغان، بعث Le360 كريم سراج إلى باريس من أجل التنقيب في أرشيفات دائرة التاريخ التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية. وقد أسفر هذا التحقيق عن اكتشاف كم هائل من الوثائق، التي لم يسبق للمؤرخين والباحثين الاطلاع عليها.

تصف «مذكرة ومعلومات عن الصحراء الغربية»، المؤلفة من ثماني صفحات، والمحفوظة في أرشيفات فانسن، قبائل الصحراء الغربية بأنها مغربية في عام 1918. وتهدف هذه المذكرة إلى تبرير وشرح سبب اعتبار هذه القبائل مغربية من قبل مصادر عديدة، بما في ذلك الحكومة الفرنسية في الجزائر، ووزارة الحرب الفرنسية، والعديد من القادة العسكريين الفرنسيين، والمستكشفين الألمان. وكما تستثني هذه الوثيقة وادي المساورة «Messaoura» (المعروف الآن بوادي الساورة، والواقع في الجزائر) من الصحراء الجزائرية، تؤكد سيادة السلطان الشريفي على منطقة توات.

إن هذه الوثيقة صادرة عن الإدارة الفرنسية نفسها. وبالتالي، فإن الطابع المغربي الذي تؤكده ليس مطالبة بأثر رجعي، بل هو نتاج تقرير إداري فرنسي. ينبغي فهم مصطلح «الصحراء الغربية» بالمعنى الجغرافي السائد آنذاك. فهو يشمل في الأدبيات العسكرية حينها منطقة تمتد من توات، وقورارة، وتيديكلت إلى أدرار موريتانيا، والساقية الحمراء، ووادي الذهب.

تركز هذه المذكرة على منطقة الحدود الصحراوية الغربية بين الجزائر والمغرب. وبالتالي، لا ينبغي الخلط بينها وبين الخريطة الحالية الوحيدة للصحراء الغربية. هذا التوضيح يتجنب المفارقة التاريخية دون المساس بالملاحظة الجوهرية: في

«قبائل مغربية»: الحكم الفرنسي

تبدأ المذكرة بحقيقة لا مواربة فيها. فهي لا تطرح فرضية، بل تقدم وصفا سبق أن استخدمته سلطات متعددة:

«صنفت قبيلتا ذوي منيع وأولاد جرير كقبائل مغربية في مؤلفات الجنرال دوما (Dumas)، ورولفس (Rohlfs)، وباربي دو بوكاج (Barbié du Bocage)، والكولونيل نيوكس (Niox)، وجورجو (Gourgeot)، والملازم لو شاتيليي (Le Châtelier) (المجلة العلمية لسنة 1885 «Revue scientifique de 1885»).

ولهذه القائمة أهمية بالغة. فقد كتب دوما مؤلفا شاملا عن الصحراء منذ عام 1845. وكان رولفس جغرافيا ألمانيا وصل إلى توات وأعلن أن هذا الجزء من الصحراء بأكمله يعترف بسيادة سلطان المغرب.

أما نيوكس فكان ينتمي إلى المؤسسة العسكرية. وكان لو شاتيليي يعرف الجنوب الجزائري. وبذلك، يستند كاتب هذه المذكرة إلى منشورات عسكرية وجغرافية واستكشافية.

والأهم من كل ذلك، لم يعد هذا الوصف حبيس دفتي الكتب:

«في مراسلاتهما الرسمية، تشير وزارة الخارجية والحكومة العامة للجزائر إلى هذه القبائل بالوصف نفسه».

تنقل هذه الجملة الوثيقة من نطاق البحث الأكاديمي إلى نطاق الدولة. وتشير وزارة الحرب إلى أن وزارة الخارجية والحكومة العامة للجزائر تستخدمان أيضا كلمة «مغربي». ثلاثة فروع من الإدارة الفرنسية تتحدث اللغة ذاتها.

في كتابه الصادر عام 1845، ربط أوجين دوما مدينة فكيك بالمغرب، ويذكر قبيلة أولاد جرير ضمن فخذات ذوي منيع، ويحدد موقع هذه المجموعة القبلية الكبرى داخل التراب المغربي. كما يلاحظ أن ضعف خضوعهم اليومي لا ينفي سيادة سلطان المغرب. وهذا هو التمييز الذي تتناوله المذكرة تحديدا: فعدم أداء الضرائب بشكل منتظم أو الاستقلال المحلي لا يلغي الانتماء السياسي للمغرب.

تشير المذكرة أيضا إلى أن واحتي القنادسة وقرساس ظهرتا، منذ عام 1846، كأبعد نقطتين تدفعان الضرائب للمغرب. وتنسب إلى الكولونيل نيوكس دمج قصور بني كومي وقصر إيغلي إلى ذوي منيع.

وأخيرا، يستبعد الكاتب منطقا استعماريا مريحا، منطق يحول كل حكم ذاتي محلي إلى استقلال:

«بما أن السكان كانوا أمازيغ، فليس من المستغرب وجود تنظيم جماعي هناك، وهو تنظيم وجدناه أيضا في منطقة القبائل وفي واحات الجزائر، ولا يعني هذا استقلالا سياسيا».

إن وجود جماعة أو قصر يسير محليا لا يتعارض البتة مع سيادة أعلى ولا يناقضها. تطبق الإدارة الفرنسية هنا على المغرب معيارا تعرفه في الجزائر: الحكم الذاتي المحلي لجماعة ما لا ينشئ، في حد ذاته، دولة مستقلة.

الساورة لا تنتمي إلى الصحراء الجزائرية

ثم توسع المذكرة نطاق تحليلها لتشمل نهر الساورة والواحات على ضفافه. وخلاصتها لا تدع المجال لأي لبس:

«عند تبني منظور أكثر عمومية، نجد أنفسنا مضطرين للاتفاق مع السيد لو شاتيليي على أن مجرى واد المساورة وواحاته لا تنتمي البتة إلى الصحراء الجزائرية».

تشكل هذه الجملة جوهر الوثيقة. فلم يكتف المؤلف بوصف قبيلتي ذوي منيع وأولاد جرير بأنهما قبائل مغربية فحسب، بل يحدد فضاء ويؤكد أن الوادي وقصوره وواحاته لا تتبع الجزائر. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الساورة ستدمج لاحقا في التراب الجزائري الاستعماري، ثم في تراب الجزائر المستقلة. وهكذا، تقدم الوثيقة الحالة السابقة التي كانت عليها المنطقة، قبل أن يفرض الغزو والإدارة خريطة أخرى جديدة.

يستند هذا المنطق إلى التمييز بين المناطق المأهولة بالسكان والشريط الصحراوي الذي لم يرسم له حدود دقيقة بموجب الاتفاقيات الفرنسية-المغربية في القرن التاسع عشر. ففي نظر الكاتب، فإن الساورة لا يمكن اعتبارها فضاء خاليا، فهي تخترقها طرق القوافل، وتسكنها جماعات منظمة، وترتبط بمراعي القبائل التي صنفتها السلطات الفرنسية نفسها على أنها مغربية.

وهكذا، تتجاوز أهمية هذا المقطع الجغرافيا المحلية. إنه يظهر أن التقدم نحو الساورة، بالنسبة لجزء من الإدارة العسكرية الفرنسية، لم يكن أمرا بديهيا، ولا يمكن تقديمه على أنه امتداد طبيعي بسيط للصحراء الجزائرية. وتقر الوثيقة بأن هذا الفضاء يقع خارج الإطار الترابي الذي اعتبرته فرنسا آنذاك جزائريا. أصبح هذا التأكيد بالغ الأهمية في ضوء الحدود التي فرضها الاستعمار لاحقا.

توات تعلن ولاءها للشريف

وفي ما يتعلق بتوات، تطرح المذكرة سؤالا أساسيا وحاسما: كيف يمكن الاعتراف بالسيادة في فضاء لا يتسم فيه أداء الضرائب بالثبات أو التوحيد؟ يرفض الجواب عليه تطبيق المعايير البيروقراطية الأوروبية على الصحراء بشكل ميكانيكي.

نقطة البداية واضحة:

«كانت توات تتبع فعليا للإمبراطورية المغربية».

ثم تقر الوثيقة بتلاشي العلاقات السياسية، والذي تحدده حوالي عام 1836 بحسب بالات (Palat)، مع التأكيد على استمرارية الروابط الدينية. ولكنها تشير إلى عودة هذه الروابط خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر:

«منذ عام 1861، تاريخ رحلة الجنرال كولونيو (Colonieu)، توطدت العلاقات السياسية. وتتفق روايات الرحالة على هذه النقطة».

وقد لاحظ رولفس هذا التوجه. ويذكر نيوكس احتجاجا من إمبراطور المغرب بعد رحلة لارجو (Largeau). ثم تأتي الشهادة التي لا لبس فيها حول كيفية تعريف السكان أنفسهم لانتمائهم:

«في جميع علاقاتهم معنا، يعلن السكان المحليون الآن ولاءهم للشريف، وأول سؤال يطرحونه على المستكشفين الأوروبيين هو ما إذا كانوا يحملون جواز سفر أو رسالة اعتماد مقدمة من الإمبراطور مولاي الحسن، سيدهم».

وهكذا، يسأل السكان الأوروبيين عما إذا كانوا يمتلكون وثيقة ممهورة بختم السلطان، الذي يعد «سيدهم». وتضيف المذكرة أن «السيد لو شاتيليي لاحظ أن نفوذ الشريف كان عظيما». فهي لا تصف مجرد تعاطف ديني، بل سلطة يحتج بها في العلاقات مع الأجانب.

ثم تناقش مسألة الضرائب بشكل مباشر:

«إن عدم دفع الضرائب الدورية لا يحمل، في الدول الإسلامية، المعنى نفسه الذي ننسبها إليها أحيانا».

ويوظف المؤلف التجربة الفرنسية كسلاح ضد التوسع الاستعماري. ويشير إلى أنه خلال احتلال الجزائر وتونس، لم تدفع العديد من القبائل الضريبة لسنوات، ومع ذلك لم تعلن فرنسا بأنها مستقلة. وبالتالي فإن عدم وجود جمع منتظم للضرائب لا يعني بالضرورة انعدام السيادة ولا استقلال الإقليم.

وثقت الدراسات التاريخية المتعلقة بمنطقة توات «أيام المخزن»، أي مرور أرتال الجيش التي كان يرسلها السلطان لجمع الضرائب من الواحات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتصف هذه الدراسات سلطة متقطعة ومتفاوض بشأنها، ولكنها لم تكن بأي حال من الأحوال وهمية. هذا الشكل الصحراوي من السلطة هو ما اعترفت به المذكرة العسكرية الفرنسية.

ما كانت فرنسا تعرفه قبل الزحف

في نهاية المذكرة، تتضح الصورة العامة بجلاء. فذوي منيع وأولاد جرير مغربيتان، وفقا للمصادر التي تم الاطلاع عليها وكذلك في المراسلات العسكرية الفرنسية الرسمية. فيكيك هي واحة مغربية، وفكر بعض الإداريين في احتلالها عبر اختلاق «ذريعة». ولا تنتمي الساورة وواحاتها إلى الصحراء الجزائرية. توات كانت تابعة للمغرب، وتواصل الإعلان عن ولاءها للشريف، وتطلب من المسافرين رسائل اعتماد موقعة من مولاي الحسن.

ومع ذلك، لا توصي وزارة الحرب بالاحتلال الفوري. دعت في البداية إلى التغلغل الاقتصادي:

«يجب فتح مناطق الصحراء أمام الأوروبيين من خلال العلاقات التجارية وجذب الأهالي بإغراء الربح بدلا من هيبة السلاح والاحتلال العسكري».

استند هذا الحذر إلى تكلفة، وبعد المواقع وهشاشتها، فضلا عن عدم استقرار المنافذ التجارية في منطقة توات. اقترحت الوثيقة استخدام القوافل والمستودعات والوسطاء المحليين قبل إرسال القوات المسلحة. لقد فكرت بالفعل في كيفية دخول منطقة لم تعتبرها جزائرية.

ومن هنا الأهمية الكبرى للوثيقة التي عثر عليها في أرشيفات فانسن. قبل الاحتلال وفرض الخرائط، كانت فرنسا تعلم أن القبائل الحدودية توصف بأنها مغربية من قبل أجهزتها. كانت تعلم أن واحات الساورة المأهولة لا تمثل صحراء للا مغنية غير المحددة. كانت تعلم أن منطقة توات كانت تجمعها روابط سياسية ودينية ورمزية بالسلطان، وهي روابط معترف بها من قبل السكان أنفسهم. كانت تعلم أيضا أن الزحف الفرنسي نابع من مشروع استعماري، وليس مجرد إدارة تراب تابع لها.

لا تستخدم المذكرة لغة اليوم، ما يزيدها قيمة. ففي مصطلحات وزارة الحرب، كانت «الصحراء الغربية» تقدم كفضاء كان الوجود المغربي فيه قائما بما يكفي لتسجيله ومناقشته، بل وتجاوزه أحيانا. وهكذا، يعيد هذا الملف الأول من أرشيفات فانسن العسكرية إحياء حقيقة طمستها الخرائط الاستعمارية لاحقا: وهي حالة المعرفة الفرنسية قبل أن تشوه القوة الحقائق على أرض الواقع.

تحرير من طرف كريم سراج
في 13/07/2026 على الساعة 20:15