انفجرت الاحتفالات الهستيرية في بلاتوهات إعلام العسكر، في مشهد تراجيدي كوميدي تجاوز بمراحل فرحة الفوز اليتيم الذي حققه منتخب «ثعالب الصحراء» على النشامى الأردنيين بهدفين لواحد في دور المجموعات.
وبدا المشهد سرياليا بامتياز؛ فالعالم كله واكب مونديالا يضم 48 منتخبا حظي فيه المغرب بإشادة دولية واسعة، إلا المشاهد الجزائري الذي جرى إقناعه بأن البطولة تدور بين 47 فريقا فقط، جراء التعتيم الممنهج.
وبلغ الهذيان الإعلامي ذروته باختراع عبقرية الثكنات لـ «ثلث نهائي المونديال» المكون من ست منتخبات، لمجرد شطب اسمي المغرب وفرنسا من جداول مباريات الربع النهائي لتفادي ذكر الإنجاز المغربي.
إقرأ أيضا : إعلام الجزائر يتحول إلى أضحوكة عالمية بسبب حجب المغرب عن ربع نهائي المونديال
لكن، وفور إطلاق صافرة النهاية وإقصاء الأسود، تحولت تلك الشاشات فجأة إلى عيادات جراحية ومختبرات تحليلية لتشريح «الأخطاء القاتلة» للمدرب وهبي، والبحث في عيوب الخطة وثغرات الدفاع، في تحول دراماتيكي أثار سخرية المنصات العالمية.
بالتزامن مع هذا النفير الإعلامي، انطلق جيش الذباب الإلكتروني، المسير من الثكنات العسكرية، مستنفرا قواه عبر الفضاء الرقمي، محاولا صناعة نصر وهمي يغطي على خيبات واقعية.
وسارع «جيران السوء» إلى فبركة ونشر مقاطع فيديو يزعمون فيها خروج جحافل الجزائريين ليلا للاحتفال بهزيمة «المنتخب الموغرابي» (كذا ينطقونه). وتطايرت الفيديوهات الملتقطة من الأعلى لشوارع تغص بالبشر والسيارات، مع توجيه ذباب الثكنات لإجابات جاهزة لكل من يسأل عن المكان: «هذه بجاية»، ويقول آخر «لا بل وهران البهية»، قبل أن يرد ثالث بصيغة الجزم: «بل في عنابة».
وطار الذباب بالفيديو يمينا وشمالا مستهدفا استفزاز المغاربة، دون الانتباه إلى أن حبل الكذب الرقمي قصير جدا في عصر التدقيق.
إذ أن اللقطات التي أريد لها أن تكون صك إدانة، تحولت إلى فضيحة بجلاجل بفضل مقص منصة «تقصي صحة الفيديوهات» التابعة لوكالة الأنباء الفرنسية «فرانس برس». فقد نسفت المنصة العالمية هذه الرواية المفبركة من جذورها، مؤكدة أن الفيديو لا علاقة له بالجزائر ولا بمونديال 2026 أصلا، بل يعود إلى تاريخ 15 يناير 2026.
استعانت الوكالة الفرنسية بخدمة خرائط غوغل لتكشف أن المباني الشامخة في الفيديو والشوارع المكتظة بالجماهير المحتلفة تقع بالضبط في مدينة طنجة المغربية، وتوثق احتفالات المغاربة بانتصار منتخبهم على نيجيريا في نصف نهائي كأس أمم إفريقيا.
وهكذا، سرق الذباب الجزائري فرحة المغاربة القديمة ليحتفل بها ضد المغاربة أنفسهم.
ولم تتوقف المأساة الكوميدية عند هذا الحد، إذ سقطت منصة رسمية جزائرية في فخ التزييف بنشر فيديو لشغب في باريس، مدعية أنه من صنع الجماهير المغربية المحبطة.
وجاء الرد سريعا من المنصة ذاتها ليكشف أن المقطع يوثق أعمال شغب تلت تتويج باريس سان جرمان بدوري أبطال أوروبا في ماي 2026.
وإمعانا في استفزاز المغاربة، جرى ترويج مقطع ليلي آخر يدعي احتفال جزائريين في النقطة الحدودية زوج بغال.. ولم يتسن التأكد من صحة هذا الفيديو أم أنه أخرج عن سياقه كما بقية الفيديوهات المفبركة.
المفارقة الساخرة تكمن في أن النوم الذي توقع الجيران أن يجافي عيون المغاربة ليلة الخميس - الجمعة بسبب الصدمة، تبخر في شوارع المملكة التي امتلأت بالجماهير الفخورة برحلة الأسود التاريخية، معبرة عن دعمها المطلق لكتيبة وهبي، التي مثلت الكرة المغربية والإفريقية أحسن تمثيل، على الرغم من الإقصاء من ربع نهائي المونديال.
إن الأمر الصادم الحقيقي هو سلوك نظام مصاب بعقدة مستعصية ومريض بنظرية المؤامرة، بات يترصد مآسي جيرانه ليعلنها مناسبة لأفراحه، في محاولة بائسة لتعويض افتقاده لأي مسرات واقعية تستحق الاحتفال.
