الهجرة السرية: كيف تحولت الجزائر إلى «الغربال الجديد» للاتحاد الأوروبي

مهاجرون جزائريون قبالة سواحل إسبانيا. AFP

في 27/06/2026 على الساعة 10:43

تشهد تدفقات الهجرة المنطلقة من الجزائر تسارعا لافتا بحسب وكالة «فرونتكس»، مما يدفع شبكات التهريب إلى المغامرة بكل شيء عبر مسارات قاتلة بهدف التملص من المراقبة والولوج إلى ما باتت تصفه صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بـ«الغربال الجديد».

تظهر بيانات الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل تصاعدا مستمرا في موجات الهجرة القادمة من السواحل الجزائرية.

ويتزامن هذا المعطى مع سلوك المهربين طرقا محفوفة بالمخاطر لتفادي الرقابة الحدودية الصارمة المفروضة في المغرب وموريتانيا.

هذا الوضع الميداني فككت خيوطه صحيفة «لوفيغارو» في تحليل مطول نشرته يوم الخميس 25 يونيو، مستندة إلى أحدث المعطيات الرقمية. ويرسم التقرير صورة قاتمة تضع الجزائر في خانة «الغربال الجديد» للعبور غير القانوني نحو الضفة الأوروبية.

تسجل مسارات الهجرة بين إفريقيا وأوروبا تراجعا عاما خلال سنة 2026، باستثناء خط واحد يشهد طفرة ملموسة، وهو غرب البحر الأبيض المتوسط الرابط بين المغرب العربي وإسبانيا.

وعرف هذا المحور قفزة في عدد حالات العبور المرصودة بنسبة 50 في المائة بين يناير وأبريل. ورصدت السلطات ما لا يقل عن 1300 محاولة عبور شهريا كمتوسط عبر مضيق جبل طارق.

وفي المقابل، تراجعت الأرقام في باقي المنافذ بشكل حاد، إذ انخفضت الهجرة غير النظامية عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 26 في المائة خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، ليتعمق هذا الهبوط ويصل إلى 40 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026. وتبقى الجزائر الاستثناء الوحيد في هذه المنظومة.

تؤكد تقارير حرس الحدود الأوروبيين أن «الجزائر تظل بلد الانطلاق الرئيسي» عبر هذا المنفذ. ويفسر الخبراء هذا الارتفاع بكونه «يعكس تحولا جوهريا في مسارات التهريب، بفعل القيود الصارمة المطبقة في المغرب وفي المحاور المجاورة بغرب إفريقيا ووسط البحر الأبيض المتوسط، مما حوّل بوصلة شبكات الهجرة نحو السواحل الجزائرية». وترى «لوفيغارو» أن هذا التطور الميداني يأتي «ليفرمل اندفاعة الخطاب الرسمي الحالم ببناء علاقة جديدة ومثمرة مع الجزائر العاصمة».

يرتبط هذا الانكماش الجماعي في باقي الطرق مباشرة بالاتفاقيات المبرمة بين المنظومة الأوروبية ودول العبور. ويعزو المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، هذه النتائج إلى نجاعة «الشراكات الدولية» المفعلة مع بلدان ثالثة.

وفي هذا الصدد، يوضح فرنان غونتييه، المدير السابق لشرطة الحدود الفرنسية، في تصريح نقلته الصحيفة، أن الهدف من تصدير المراقبة إلى الخارج يكمن في «إحباط الانطلاقات من بلدان المنشأ أو العبور، من خلال شل حركات المهربين ميدانيا، وقطع الطرق البحرية والبرية على حد سواء، علاوة على تطوير التنسيق مع السلطات المحلية وتوعية الساكنة بالمخاطر المحدقة». وتضم قائمة الشركاء هؤلاء كلا من المغرب، تونس، موريتانيا، مصر، والسنغال، في حين تسجل الجزائر غيابا تاما عن هذه اللائحة.

تعتمد شبكات التهريب على «عمليات تقييم ومقارنة مستمرة للميدان، تطور على إثرها مساراتها لتمنح الأولوية للبلدان المعروفة بمرونتها أو تساهلها الأمني»، وفق ما أوردته الصحيفة الفرنسية.

وتأتي الجنسيات الجزائرية، والمالية، ثم المغربية على رأس قائمة الفئات الأكثر تواجدا بمضيق جبل طارق حسب معطيات «فرونتكس». وتوازيا مع ذلك، تساهم سياسة الحكومة الاشتراكية في إسبانيا، حسب قراءة اليومية الفرنسية، في «خلق نوع من الجذب»، مما يدفع المهربين إلى توجيه دفقاتهم البشرية نحو الدول الأكثر ترحيبا بالوافدين.

تعكس الأرقام المسجلة في المحيط الأطلسي نحو جزر الكناري نجاح المقاربة التي تتبناها الدول المنخرطة في التعاون الأوروبي، حيث هوت عمليات العبور بنسبة 78 في المائة بين يناير وأبريل 2026.

وأوقفت السلطات الموريتانية أزيد من 30 ألف شخص فوق ترابها، رحلت منهم 18300 على الأقل نحو مالي، التي تعد عاصمتها باماكو «مركز ثقل حقيقي لشبكات التهريب». وطالت عمليات الترحيل الواسعة هذه مجموعات أخرى جرى إعادتها إلى السنغال.

أجرى «المركز المشترك للهجرة»، التابع لمنظمة إنسانية دنماركية، أزيد من ألف مقابلة مع مهاجرين سلكوا هذه المسالك. ورصد باحثو المركز زحفا تدريجيا لنقاط الإبحار نحو الجنوب، وهو ما فُسّر بكونه «رد فعل مباشر على تشديد المراقبة على طول السواحل المغربية والموريتانية».

ولا يزال المغرب يتبوأ صدارة نقاط الانطلاق الرئيسية نحو الكناري بنسبة 41 في المائة، تليه موريتانيا بنسبة 30 في المائة، ثم السنغال بنسبة 24 في المائة، مقابل نسب هامشية تسجلها غامبيا، غينيا بيساو، غينيا، ساحل العاج، والرأس الأخضر.

يبني المهاجرون المستجوبون في موريتانيا دوافعهم على أسباب اقتصادية خالصة بنسبة تصل إلى 96 في المائة.

وفي المقابل، ترتفع حدة الخطاب المرتبط بالعنف وغياب الأمن وانتهاك الحقوق لدى المستجوبين في إسبانيا بنسب تبلغ 29 و28 في المائة تواليا، بينما يشير نحو 47 في المائة منهم إلى العامل الاقتصادي كسبب وراء هجرتهم.

يوثق المركز المشترك للهجرة ظروف هذه الرحلات البحرية المحفوفة بالمخاطر، إذ صرح 47 في المائة من المستجوبين بإحساسهم بالخطر المحدق مرة واحدة على الأقل خلال المسار، ويرتفع هذا المؤشر ليصل إلى 71 في المائة لدى المستجوبين داخل إسبانيا.

ويظل الموت الهاجس الأكبر الذي يطارد 64 في المائة من المهاجرين، يليه خطر الإصابة بالأمراض أو الجروح بنسبة 29 في المائة، وهي تداعيات ترتبط مباشرة باحتمالات غرق القوارب، نقص الزاد والماء، قسوة البرد، وطول مدة الرحلات التي «تتجاوز بكثير التوقعات النظرية، لاسيما تلك المنطلقة من أقصى نقاط الجنوب».

تخلص «لوفيغارو» إلى أنه «مهما تراجعت الأرقام، تظل الهجرة ظاهرة حتمية». ولا تظهر هذه الموجات أي بوادر للتراجع على طول الشواطئ الجزائرية. وإذا كانت الهجرة «حتمية»، فإن تقاعس الجزائر العاصمة يظل خيارا سياسيا متعمدا.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 27/06/2026 على الساعة 10:43