أنهت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، مساء الخميس 25 يونيو، فصول المحاكمة التاريخية التي حظيت بمتابعة وطنية ودولية واسعة، بإصدار أحكام قضائية ثقيلة في حق المتابعين في ملف «إسكوبار الصحراء».
وجاء النطق بالحكم عقب مداولات ماراثونية مغلقة استمرت زهاء 12 ساعة متواصلة، منذ الاستماع للكلمة الأخيرة للمتهمين صباحا وإلى غاية الساعة العاشرة مساء، وسط حالة من الترقب المشوب بالحذر أثرت على الأنفاس داخل بهو المحكمة.
لحظة إدانة المتهمين في ملف إسكوبار. Le360
عقوبات سجنية مشددة للرؤوس الكبيرة
قضت الهيئة القضائية برئاسة المستشار علي الطرشي بإدانة عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق، باثنتي عشرة سنة سجنا نافذا وغرامة مالية نافذة قدرها 150 ألف درهم.
ونال سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي ومجلس عمالة البيضاء، عقوبة السجن النافذ لمدة عشر سنوات، وهي العقوبة عينها التي صدرت في حق البرلماني السابق بلقاسم مير.
وكان الناصري قد شدد خلال الكلمة الأخيرة قبل حجز الملف للمداولة على نفي التهم المسطرة في صك الاتهام بنبرة طبعها الهدوء والترقب.
«إنها ليلة سوداء.. صعقنا فيها بأحكام قاسية.. عشر سنين بزااااف»
— شقيق سعيد الناصري
وجاء الحكم ضد الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي مخالفا لكل التوقعات، حيث كان يسود في أوساط محاميي الدفاع، انطباع بأن موكلهم سينال البراءة أو يحكم بـ«ما قضى».
وشهدت أخر جلسة محاكمة جرت يوم الخميس 18 يونيو، مرافعة حارقة للدفاع تمسك فيها ببراءة الموكلين، متهما البارون المالي أحمد بن إبراهيم (الملقب بإسكوبار الصحراء) بالسعي وراء الانتقام والزج بأسمائهم دون حجة مادية.
وطالب ممثل الحق العام في المقابل بإنزال إدانة كاملة، مستندا إلى أن عناصر الملف والخبرات التقنية «تؤكد التورط في التهريب الدولي والتزوير والسطو العقاري».
تفاصيل إدانات باقي المتهمين
وزعت المحكمة عقوبات سجنية متفاوتة على باقي أفراد الشبكة، حيث قضت بسجن عبد الرحيم بعيوي، والعربي الطيبي، وإسماعيل المعلم تسع سنوات نافذة مع غرامة قدرها 250 ألف درهم لكل منهم.
كما أدانت الهيئة المتهمين علال حجي، وأحمد حجي، وسليمان حجي، وعبد القادر عبد اللاوي، وعبد القادر بن عودة، وجمال مهاجر بثماني سنوات سجنا نافذا وغرامة قدرها 700 ألف درهم.
وتوالت العقوبات لتشمل سليمة بلهاشمي وفؤاد اليزيدي بست سنوات سجنا نافذا وغرامة 120 ألف درهم، تلاهم الطيب تنيالي وسليمان قدوري بخمس سنوات سجنا نافذا وغرامة 100 ألف درهم.
إقرأ أيضا : النيابة العامة تتشبث بالأدلة في ملف «إسكوبار «الصحراء
قضت المحكمة بحبس نوفل أحمامي، وسعيد الطنجي، ودليلة بزوي، وخالد سداس، وحميد أمية، ومحمد المعزوزي بأربع سنوات لكل منهم مع تفاوت الغرامات المالية النافذة.
وشملت الإدانات عبد الرحمان الدخيسي وتوفيق بنعيادة بثلاث سنوات حبسا نافذا وغرامة ألف درهم، بينما نال رشيد حموا، والحسن ماني، وبوفلجة بنقسو عقوبة الحبس النافذ لسنتين وغرامة ألف درهم.
وأدانت الهيئة المتهمة فدوى أزيرار بسنتين حبسا نافذا وغرامة ثقيلة بلغت مليون و250 ألف درهم، بالتزامن مع الحكم على عبد الإله حنفي بسنتين حبسا نافذا وغرامة قدرها 500 ألف درهم.
في المقابل، قضت المحكمة بعدم مؤاخذة المتهم نصر الدين بنعبيد من أجل المنسوب إليه، معلنة براءته التامة من صك الاتهام.
| الاسم | العقوبة السجنية | الغرامات والمصادرات والتعويضات | التهم الرئيسية |
|---|---|---|---|
| عبد النبي بعيوي | 12 سنة سجنا نافذا | غرامة 150 ألف درهم. مصادرة أموال في حدود 10 ملايين درهم. غرامات صرف متعددة عن تحويل ملايين الأورو بطرق غير قانونية. تعويضات جمركية تضامنية بمليارات الدراهم تبعا لكميات الشيرا المهربة. تعويض مدني تضامني بقيمة مليون درهم لفائدة الحاج أحمد بن إبراهيم و300 ألف درهم لفائدة عبد اللطيف موسى. | الاتجار الدولي في المخدرات، التزوير في محررات رسمية، السطو العقاري، ومخالفة قوانين الصرف والجمرك. |
| سعيد الناصري | 10 سنوات سجنا نافذا | غرامة جمركية منفردة بقيمة 16 مليون درهم عن كميات محددة. مصادرة أموال في حدود 6 ملايين درهم. غرامات صرف متعددة عن تحويلات مالية مشبوهة بالأورو والدرهم. تعويضات جمركية تضامنية بمليارات الدراهم عن أطنان الشيرا المهربة. تعويض مدني تضامني بقيمة مليون درهم لفائدة الحاج أحمد بن إبراهيم. | الاتجار الدولي في المخدرات، التزوير في محررات رسمية، السطو العقاري، ومخالفة قوانين الصرف وتسهيل أنشطة الشبكة. |
| بلقاسم مير | 10 سنوات سجنا نافذا | غرامة جمركية قدرها 182.582.400 درهم، وغرامة صرف قدرها مليار و288 مليون درهم (عن الاتجار في الذهب). مصادرة أموال في حدود 4 ملايين درهم. تعويضات جمركية تضامنية عن تهريب الشيرا، وتعويض مدني تضامني بقيمة مليون درهم لفائدة الحاج أحمد بن إبراهيم. | الاتجار الدولي في المخدرات، الاتجار في الذهب، ومخالفة قوانين الصرف والجمرك. |
| عبد الرحيم بعيوي | 9 سنوات سجنا نافذا | غرامة 250 ألف درهم. مصادرة أموال في حدود 8 ملايين درهم. تعويضات جمركية تضامنية بمليارات الدراهم عن تهريب الشيرا. | المشاركة في التزوير والسطو العقاري، والمشاركة في الاتجار الدولي في المخدرات. |
| العربي الطيبي، إسماعيل المعلم | 9 سنوات سجنا نافذا لكل منهما | غرامة 250 ألف درهم لكل منهما. مصادرة أموال في حدود 3 ملايين درهم لكل منهما. تعويضات جمركية تضامنية بمليارات الدراهم تبعا للكميات المهربة. | الاتجار الدولي في المخدرات وتسهيل أنشطة الشبكة الإجرامية. |
| علال حجي، أحمد حجي، سليمان حجي، عبد القادر عبد اللاوي، عبد القادر بن عودة، جمال مهاجر | 8 سنوات سجنا نافذا لكل منهم | غرامة 700 ألف درهم لكل منهم. تعويضات جمركية تضامنية متفاوتة تبعا لكميات مخدر الشيرا المحجوزة والمستحقة لإدارة الجمارك. | حيازة وتهريب المخدرات وتوفير الغطاء اللوجستيكي والأمني لتحركات الشبكة. |
| سليمة بلهاشمي، فؤاد اليزيدي | 6 سنوات سجنا نافذا لكل منهما | غرامة 120 ألف درهم لكل منهما وتحميل المصاريف القضائية. | المشاركة وتسهيل أعمال الشبكة الإجرامية والارتباط بأنشطتها. |
| الطيب تنيالي، سليمان قدوري | 5 سنوات سجنا نافذا لكل منهما | غرامة 100 ألف درهم لكل منهما وتحميل المصاريف القضائية. | المشاركة وتسهيل أنشطة الشبكة (مسؤولون أمنيون وموظفون ترابيون). |
| نوفل أحمامي، سعيد الطنجي، دليلة بزوي | 4 سنوات حبسا نافذا لكل منهم | غرامة 100 ألف درهم لكل منهم وتحميل المصاريف القضائية. | تسهيل حركة شاحنات نقل المخدرات وتوفير الغطاء اللوجستيكي (أمنيون ودركيون ومصممة أزياء). |
| خالد سداس | 4 سنوات حبسا نافذا | غرامة 2000 درهم. تعويض مدني تضامني بقيمة 300 ألف درهم يؤدى لفائدة عبد اللطيف موسى. | التزوير، والمشاركة وتسهيل أنشطة الشبكة الإجرامية. |
| حميد أمية، محمد المعزوزي | 4 سنوات حبسا نافذا لكل منهما | تحميل المصاريف الجنائية في الأدنى دون غرامات إضافية مسطرة. | تسهيل حركة الشاحنات ونقل المخدرات وتوفير الغطاء اللوجستيكي. |
| عبد الرحمان الدخيسي، توفيق بنعيادة | 3 سنوات حبسا نافذا لكل منهما | غرامة 1000 درهم لكل منهما وتحميل المصاريف القضائية. | المشاركة وتسهيل أعمال الشبكة الإجرامية. |
| رشيد حموا، بوفلجة بنقسو | سنتين حبسا نافذا لكل منهما | غرامة 1000 درهم لكل منهما وتحميل المصاريف القضائية. | المشاركة وتسهيل أعمال الشبكة الإجرامية. |
| الحسن ماني | سنتين حبسا نافذا | غرامة 1000 درهم. تعويض مدني تضامني بقيمة 300 ألف درهم يؤدى لفائدة عبد اللطيف موسى. | المشاركة وتسهيل أعمال الشبكة الإجرامية. |
| فدوى أزيرار | سنتين حبسا نافذا | غرامة نافذة بقيمة مليون و250 ألف درهم، وغرامة صرف بقيمة مليون و250 ألف درهم نتيجة مخالفات قانون الصرف. | تبييض الأموال ومخالفة قوانين الصرف والأنظمة الجمركية. |
| عبد الإله حنفي | سنتين حبسا نافذا | غرامة 500 ألف درهم وتحميل المصاريف الجنائية. | المشاركة وتسهيل أعمال الشبكة الإجرامية. |
| نصر الدين بنعبيد | البراءة التامة | عدم مؤاخذته من أجل المنسوب إليه وإسقاط كافة المتابعات في حقه. | انتفاء التهم المسطرة في صك الاتهام. |
مصادرات مالية وغرامات جمركية فلكية
لم تقتصر الأحكام على المدد السجنية، بل امتدت لتشمل مصادرات مالية عقابية طالت أموال المدانين الرئيسيين لصالح خزينة الدولة مع إتلاف الوثائق المزورة.
وأمرت المحكمة بمصادرة أموال عبد النبي بعيوي في حدود 10 ملايين درهم، وشقيقه عبد الرحيم بعيوي في حدود 8 ملايين درهم، وسعيد الناصري في حدود 6 ملايين درهم.
وصودرت أموال بلقاسم مير في حدود 4 ملايين درهم، بالتوازي مع مصادرة أموال العربي الطيبي وإسماعيل المعلم في حدود 3 ملايين درهم لكل منهما.
كما فجرت مطالب إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة أرقاما فلكية تضامنية استقرت في ذمة المدانين تبعا لكميات مخدر «الشيرا» المهربة عبر المسالك الدولية.
وألزمت المحكمة بعيوي والناصري ومير والطيبي والمعلم بأداء تعويض تضامني لفائدة الجمارك قدره 800 مليون درهم لتهريب 40 طنا من المخدرات، ومبلغ 4 مليارات درهم تضامنا لتهريب 200 طن، ومبلغ 300 مليون درهم لتهريب 15 طنا، ومبلغ 200 مليون درهم لتهريب 10 أطنان.
وألزم منطوق الحكم العربي الطيبي وإسماعيل المعلم بأداء مليار درهم تضامنا لتهريب 50 طنا، تضاف إليها أرقام تضامنية أخرى شملت بقية المتهمين المهربين تبعا للكميات المحجوزة.
وانفرد سعيد الناصري بأداء غرامة جمركية قدرها 16 مليون درهم عن كميات محددة، بينما واجه بلقاسم مير غرامة جمركية استثنائية بلغت أزيد من 182 مليون درهم لارتباطه بتهريب الذهب، ومبلغ مليار و288 مليون درهم لمخالفته قانون الصرف.
وأصدرت المحكمة في حق بعيوي والناصري عقوبات مالية ضخمة تبعا لمخالفة قانون الصرف الناتجة عن تحويل ملايين الأورو بطرق ملتوية، حيث فاق مجموع المبالغ المحكوم بها على بعيوي حاجز 480 مليون درهم، فيما ألزم الناصري بأداء ما يفوق 177 مليون درهم، ونالت فدوى أزيرار غرامة صرف بلغت مليون و250 ألف درهم.
تعويض مالي لفائدة إسكوبار الصحراء
حمل الشق المدني التابع للمحاكمة مفارقة تاريخية مثيرة، إذ قضت المحكمة بقبول مطالب بارون المخدرات المالي الحاج أحمد بن إبراهيم شكلا وموضوعا.
أمرت الهيئة القضائية كلا من عبد النبي بعيوي وسعيد الناصري وبلقاسم مير بأداء تعويض مالي تضامني لفائدة المطالب بالحق المدني «إسكوبار الصحراء» قيمته مليون درهم، مع تحميلهم المصاريف والإكراه البدني في الأدنى.
قضت المحكمة كذلك بأداء تعويض قدره 300 ألف درهم لفائدة المدعي عبد اللطيف موسى تضامنا بين بعيوي وخالد سداس والحسن ماني، لتنتهي بذلك جولة التقاضي الابتدائي لواحدة من أعقد القضايا الجنائية التي شهدتها المملكة.
صدمة وانهيارات في صفوف العائلات
فور نطق رئيس الهيئة بهذه الأحكام الابتدائية، تحول بهو محكمة الاستئنافية بالدار البيضاء إلى ساحة من الغضب الهستيري، وضجت الأرجاء بصراخ أهالي وعائلات المدانين، خاصة من النساء.
«إنها ليلة سوداء.. صعقنا فيها بأحكام قاسية.. عشر سنين بزااااف»، هكذا صرح شقيق سعيد الناصري المدان بعشرة سنوات، وهو يضع يده فوق رأسه مذهولا ومصدوما من الحكم الذي لم يكن أحد حسبه يتوقع غير البراءة.
وانهارت عدة نساء وسقطن مغشيا عليهن من شدة الصراخ والعويل في بهو المحكمة، بعدما نزلت العقوبات كالصاعقة على رؤوس كل الأقارب الذين حجوا من مناطق بعيدة وارتأوا ترقب أحكام مخففة تنهي معاناتهم.
وشوهد رجال ونساء كبار في السن لم تقو أرجلهم على حملهم من هول الصدمة، فاقتعدوا أرضية المحكمة الإسمنتية وأطلقوا العنان للبكاء على ذويهم المدانين، وسط مشاهد مؤثرة عكست عمق الفاجعة النفسية التي تملكت عائلات المعتقلين المتابعين في حالة اعتقال بسجن «عكاشة».
وفي ظل غياب المحامين أعضاء الدفاع جراء الإضراب المفتوح الذي يخوضه «أصحاب البذلة السوداء» احتجاجا على قانون المهنة الذي تحاول الحكومة إقراره ويرونه مسيئا ومقوضا لرسالتهم، واجهت عائلات المدانين تفاصيل هذه الصدمة بمفردها داخل ردهات المحكمة.
وبالرغم من غياب المؤازرة القانونية في هذه الجلسة الحاسمة، تشبث أقارب المعتقلين بسلك بقية مساطر التقاضي المتاحة في المراحل المقبلة، معبرين عن إصرارهم على خوض المعركة الاستئنافية لانتزاع البراءة لذويهم.
وشدد الأهالي وسط دموعهم على أن أبناءهم مظلومون وتم الزج بأسمائهم في فصول هذا الملف الشائك والمعقد دون وجه حق، معولين على الجولات القضائية القادمة لإنصافهم وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.






