ملف إسكوبار الصحراء يدخل المداولة.. الناصري يلتمس الإنصاف والبقية ينشدون البراءة

صورة مركبة لكل من سعيد الناصري رئيس مجلس عمالة الدار البيضاء ورئيس نادي الوداد الرياضي السابق، والحاج أحمد بن إبراهيم الملقب بـ"إسكوبار الصحراء"، وعبد النبي بعيوي رئيس مجلس جهة الشرق

في 25/06/2026 على الساعة 12:26

أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على فصول واحدة من أكبر المحاكمات الجنائية في تاريخ القضاء المغربي الحديث، بعدما قررت هيئة الحكم حجز ملف «إسكوبار الصحراء» للمداولة تمهيدا للنطق بالأحكام الابتدائية خلال الساعات القليلة المقبلة، لتنتهي بذلك جولات ماراثونية من التقاضي امتدت لأزيد من سنتين ونصف.

شهدت القاعة رقم 8 بمحكمة الاستئناف توافدا استثنائيا صباح اليوم الخميس 25 يونيو، حيث غصت جنباتها برجال وفتيات ونساء حملت بعضهن أطفالا رضعا في مشهد إنساني لافت، والكل جاء ليرقب مصير ذويه القابعين خلف القفص الزجاجي المعتم على يسار القاعة، والذي طلي باللون الأبيض لحجب الرؤية، باستثناء فجوات شفافة صغيرة تهافت الحاضرون لاقتناص نظرات عبرها.

تبادل المعتقلون التحايا الصامتة مع زوجاتهم وأولادهم، وسط شهقات ونحيب متقطع ارتفع بين الفينة والأخرى في أوساط النساء، الأمر الذي عكس حجم الضغط النفسي الذي يطوق المتهمين المتابعين في حالة اعتقال بسجن «عكاشة».

وعند حلول الساعة العاشرة، رن جرس المحكمة معلنا دخول هيئة الحكم برئاسة المستشار علي الطرشي، ومعه مستشاراه وممثل النيابة العامة ومقرر الجلسة، ليباشر القاضي على الفور إخراج ملف وردي من حقيبته اليدوية، مستهلا الجلسة بالمناداة على المتهمين تباعا لمنحهم فرصة الإدلاء بكلمتهم الأخيرة التي تسبق المداولة.

أتاح رئيس الهيئة الفرصة للمتابعين البالغ عددهم 28 متهما، غير أن تسعة منهم فقط اختاروا التحدث، بينما اكتفى الباقون بتلويح أيديهم من داخل القفص تعبيرا عن الاكتفاء بما قدمه دفاعهم.

وبرز من بين المتحدثين سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، الذي مثل أمام الهيئة متأبطا حزمة وثائق وملفات، طالبا مهلة للبسط، وهو ما وافق عليه رئيس الجلسة محيطا إياه بشرط عدم تجاوز خمس دقائق لتقديم معطيات لم يسبق إثارتها.

بنبرة هادئة وجازمة، نفى الناصري كل التهم المسطرة في صك الاتهام، مركزا شقا واسعا من كلمته على الفيلا الواقعة في حي «كاليفورنيا»، والتي يتهمه «بارون المخدرات المالي» بالاستيلاء عليها، حيث تساءل مستنكرا: «كيف يعقل أن الفيلا ما زال يقطن بها أولادي وأنفقت على إصلاحها ملايين السنتيمات إن لم تكن في ملكي؟».

وأدلى الناصري للمحكمة بعقد شراء يثبت قانونية الحيازة، فضلا عن كتاب موجه إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات يظهر أن فواتير الماء والكهرباء مسجلة باسمه.

وتغيرت نبرة صوت القيادي الحزبي السابق في ختام حديثه لتناسب مع المقام، موشحا كلماته بطلب أخير توجه به نحو رئيس الهيئة: «ألتمس من محكمتكم الموقرة الرحمة والإنصاف».

من جهته، نفى عبد الرحيم بعيوي، شقيق رئيس جهة الشرق السابق عبد النبي بعيوي المتابع هو الآخر في هذا الملف، أي صلة له بنشاط الاتجار الدولي في المخدرات، موضحا أن الشاحنة المحجوزة لا علاقة لها بالشاحنات المستقدمة من المتهم المالي الملقب بـ«إسكوبار الصحراء».

ودافعت الموثقة المتابعة في الملف ذاته عن سلامة العقود التي أبرمتها، بالتزامن مع تشبث باقي المتهمين المستجوبين من أمنيين ودركيين وموظفين ومصممة أزياء ببراءتهم التامة، ملتمسين الإنصاف مما سموه « ظلما لحق بهم ».

وأعلن القاضي علي الطرشي حجز ملف «إسكوبار الصحراء» للمداولة قصد النطق بالأحكام الابتدائية في آخر هذه الجلسة، مسدلا الستار على محاكمة ماراثونية استغرقت أزيد من سنتين ونصف حتى الآن.

ويأتي هذا القرار إثر جلسة ماضية جرت يوم الخميس 18 يونيو، شهدت مرافعة حارقة للدفاع تمسك فيها ببراءة الموكلين، متهما البارون المالي أحمد بن إبراهيم بالسعي وراء الانتقام والزج بأسمائهم دون حجة مادية.

وطالب ممثل الحق العام في المقابل بإنزال إدانة كاملة، مستندا إلى أن عناصر الملف والخبرات التقنية تؤكد التورط في التهريب الدولي والتزوير والسطو العقاري.

فصول القضية ومحطات المتابعة القضائية

تفجرت هذه القضية التي هزت الرأي العام الوطني أواخر سنة 2023 بناء على تحقيقات صحفية نشرتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية، كشفت الستار عن امتدادات شبكة يتزعمها المالي الحاج أحمد بن إبراهيم المعتقل بالمغرب منذ سنة 2019.

وقرر البارون المالي توجيه اتهامات مباشرة من داخل سجنه لشخصيات مغربية نافذة، متهما إياها بالسطو على عقاراته وثروته مستغلة تواجده وراء القضبان إثر توقيفه بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء.

وتحركت عجلات العدالة بشكل متسارع لتمر القضية عبر محطات مفصلية شكلت زلزالا سياسيا وأمنيا بارزا في الأوساط الوطنية.

وشهد شهر دجنبر 2023 توقيف المكتب المركزي للأبحاث القضائية لـ25 متهما جرى إيداعهم سجن عكاشة، وفي مقدمتهم سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي رئيس جهة الشرق سابقا إلى جانب مسؤولين ترابيين وأمنيين.

وقاد قاضي التحقيق بالغرفة الثالثة أسامة رشيد مطلع سنة 2024 استنطاقا تفصيليا لمعرفة خيوط الشبكة وتفكيك شبهات تبييض الأموال وتزوير المحررات الرسمية وتسهيل عبور شاحنات المخدرات.

وانطلقت أولى الجلسات العلنية في ماي 2024 بغرفة الجنايات الابتدائية، مواكبة باهتمام إعلامي استثنائي فكك التدقيقات المالية والمكالمات الهاتفية والخبرات التقنية.

وتركزت معارك الدفاع أواخر سنة 2024 حول إثارة الدفوع الشكلية والتشكيك في شرعية محاضر الضابطة القضائية بدعوى خروقات مسطرية وغياب المحجوزات المادية.

وبلغت المحاكمة ذروتها بربيع سنة 2026 بمرافعات النيابة العامة التي التمست الإدانة، ودفاع المتهمين الذي تشبث بالبراءة الكاملة، وصولا إلى جلسة اليوم الحاسمة التي تدخل بها القضية مرحلة المداولة والنطق بالأحكام المنتظرة في الساعات المقبلة.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 25/06/2026 على الساعة 12:26