النظام الجزائري «يكافئ» لطيفة ديب «ملكة الشيتة» بالسجن 4 سنوات.. بتهمة «المبالغة في التملق»

المحامية الجزائرية لطيفة ديب وزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي، خلال زيارتها لمخيمات تندوف في مايو 2026

في 16/06/2026 على الساعة 18:30

فيديوأسدلت محكمة الجنح بالعاصمة الجزائرية، يوم الاثنين 15 يونيو، الستار على قضية المحامية المشطوبة لطيفة ديب، بإصدار حكم يقضي بحبسها أربع سنوات نافذة وتغريمها 200 ألف دينار جزائري. وتوبعت رئيسة ما يسمى «المنظمة الوطنية للكفاءات والنخب النسوية الجزائرية» بتهم جنحية ثقيلة تشمل عرض منشورات من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية ورموز الجمهورية، لترسم المحكمة نهاية درامية لمسار طالما اتسم بالولاء المطلق والتودد الحثيث لأركان القرار في البلاد.

واجه قاضي الحكم المتهمة خلال جلسة بالوقائع المنسوبة إليها، إثر رصد تدوينة مطولة لها على منصة «فيسبوك» أرفقتها بصورتي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وقائد أركان الجيش السعيد شنقريحة.

وحسب ما أوردته جريدة «الشروق» الجزائرية، فقد أنكرت ديب التهم الموجهة إليها جملة وتفصيلا، معتبرة أن إدراج صور القادة يندرج في سياق إبراز الاحترام والتقدير واستعطافهم لطلب المساعدة والحماية، مستندة في ذلك إلى كونها ابنة مجاهد وحفيدة شهيد، فضلا عن نشاطها الجمعوي طيلة سبع سنوات.

وزعمت المتهمة أن منشورها كان يحمل رسائل مشفرة موجهة إلى أطراف نعتتهم بـ«الأعداء» سعوا إلى تشويه سمعتها وتهديدها بالتصفية الجسدية، دون نية الإساءة إلى المؤسسات السيادية.

وقالت ديب، وفق ما نقله موقع الشروق، إن حبها للجزائر وحرصها على المصلحة العليا للوطن أمر لا يقبل التشكيك، مضيفة أنها ابنة مجاهد وحفيدة شهيد، وأن مصلحة البلاد تمثل بالنسبة إليها «خطا أحمر». كما شددت على أنها لم تستهدف من خلال منشورها أي جهة أو مؤسسة بعينها.

وردا على أسئلة القاضي بشأن إرفاق المنشور بصور رئيس الجمهورية وقائد أركان الجيش، أوضحت المتهمة أنها اعتادت في منشوراتها على نشر صور الشخصيات العمومية، مؤكدة أن ذلك يأتي في إطار التعبير عن الاحترام والتقدير وطلب المساندة والحماية، وليس بقصد الإساءة أو التلميح إلى أي موقف عدائي.

وخلال حديثها أمام القاضي، أكدت لطيفة ديب أنها كانت ولا تزال تساند رئيس الجمهورية وقائد أركان الجيش، معتبرة أن تأويل منشورها على أنه يمس بالمصلحة الوطنية لا يعكس نيتها الحقيقية عند نشره، ملتمسة من المحكمة تبرئتها من جميع التهم الموجهة إليها.

من مخيمات تندوف إلى سجن القليعة

تفجرت القضية في أواخر شهر ماي الماضي، حين جرى توقيف لطيفة ديب وإحالتها على وكيل الجمهورية، الذي قرر إيداعها بسجن القليعة في الثاني من يونيو الجاري، بعد نشرها تدوينة مطولة على حسابها في “فيسبوك”، أرفقتها بصورة للرئيس عبد المجيد تبون وأخرى لرئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة.

وفي مضمونه، ورد المنشور في شكل رسالة أو «نصيحة» تضمنت عبارات ذات طابع شخصي وانتقادات غير مباشرة موجهة إلى طرف غير محدد.

وربطت تقارير حقوقية صادرة عن منظمة «شعاع»، التي تتخذ من لندن مقرا لها، بين هذا الاعتقال ومقطع فيديو بثته ديب قبيل توقيفها، كشفت فيه عن تعرضها لإهانات ومضايقات وسوء معاملة من قبل قياديين في جبهة «البوليساريو» أثناء زيارة ميدانية أجرتها إلى مخيمات تندوف، ملمحة إلى وجود تحريض ممنهج استهدف شخصها وشكل الدافع الأساسي لتدوينتها اللاحقة.

سقوط أسلوب التزلف وصدمة الموالاة

أثار منطوق الحكم تفاعلا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية، حيث علق الإعلامي والمعارض الجزائري هشام عبود على السقوط المدوي لمن وصفها بـ«ملكة الشيتة»، مبرزا أن إفراطها المبالغ فيه في التزلف لرموز النظام لم يشفع لها للإفلات من قضبان السجن.

«وجدت نفسها وحيدة في السجن دون أن يتضامن معها أحد، حتى أولئك الذين كانت تبالغ في التزلف إليهم من أقطاب السلطة..»، هكذا سخر عبود عبر قناته الرقمية في منصة «يوتيوب» من غياب التضامن مع هذه المتزلفة من قِبل شبكات الموالاة، موجها رسالة إلى من وصفهم بـ«الشياتين لنظام العرايا» لأخذ العبرة مما وقع لهذه «الشياتة» التي زجت بنفسها في السجن بسبب تدوينة استعطاف مبهمة لم تسعفها لغتها في صياغتها.

وفي معرض حديثه عن قصة سقوط لطيفة ديب، استغرب المعارض الجزائري ممارسة المعنية لمهنة المحاماة رغم افتقارها التام للبلاغة اللغوية والقانونية والدقة التعبيرية التي يتطلبها تحرير المرافعات، جازما بأنها نالت الرخصة بطرق غير قانونية، الأمر الذي يفسر مسارعة الهيئة المعنية إلى التشطيب عليها سابقا من جدول المحامين.

وتابع المعارض السياسي قائلا بنبرة ساخرة إن ديب « لا تصلح للدفاع عن أحد، بل لا تصلح حتى للدفاع عن نفسها، حيث تسببت في الزج بنفسها في السجن بسبب تدوينة مبهمة أرادت فيها أن تستنجد برموز الدولة ففهمت على أنها تسيء إليهم وتمت محاكمتها بناء على هذا اللبس... وهكذا لم تستطع المحامية الدفاع عن نفسها وإقناع القاضي بصدق نواياها ».

ردود فعل بين التهكم والاستنكار

تباينت ردود الفعل المصاحبة لصدور هذا الحكم القضائي بين موجات عارمة من التهكم والشماتة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقراءات سياسية تفكك طبيعة القبضة الأمنية في بلاد «القوة الضاربة».

وانبرى قطاع واسع من المتابعين والنشطاء إلى السخرية من مصير لطيفة ديب، واصفين سقوطها برسالة إنذار حية لكل من يختار الولاء الفج أسلوبا للترقي، إذ لم يشفع لها -حسبهم- تفانيها المطلق في مدح أقطاب السلطة لإنقاذها من السجن.

وبالتوازي مع هذا السجال الساخر، اتجهت منصات حقوقية ومعارضة نحو استنكار السلوك البنيوي لنظام دكتاتوري بات لا يتورع عن تسليط عصا القانون الغليظة على الجميع دون تمييز.

وتعليقا على الموضوع، أثارت منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان، من مقرها في لندن، تساؤلات قانونية عميقة بشأن جدوى العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر الرقمي، معتبرة «لجوء السلطات الجزائرية إلى مقتضيات قانون العقوبات ممارسة تتصادم والالتزامات الدولية للبلاد، وتحديدا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».

وبرأي المعارض الجزائري هشام عبود، فإن هذه العقوبة جاءت لتعري الوجه البنيوي لمنظومة حكم لا تقيم وزنا لقرابين الولاء بقدر ما تتحرك بهواجس ريبتها الدائمة.

وقال في تعليقه على الحكم إن إسقاط من لُقبت بـ «ملكة الشيتة» ودحرجتها السريعة نحو غياهب السجون يبعث برسالة صامتة لكنها بالغة الدلالة إلى بقية «صناع البروباغندا» والأبواق الافتراضية، مفادها أن التملق الفج لا يضمن حصانة أبدية في طقوس السلطة، وأن الآلة العقابية في الجزائر مستعدة تماما لالتهام حماة الأمس قبل خصوم اليوم، بمجرد حدوث أدنى خطأ، ولو كان مجرد لبس تعبيري.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 16/06/2026 على الساعة 18:30