منطق «الوصاية الأمنية» يُشعل الغضب في تونس: تصريحات تبون تكسر خطوط السيادة وتعمق مأزق النظام

صورة مركبة للرئيس التونسي قيس سعيد وهو يصافح نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، وفي الخلفية مواطنون تونسيون يطالبون نظام قيس سعيد بالرحيل

في 28/07/2026 على الساعة 18:39

فيديوتفجرت موجة غضب عارمة في الشارع السياسي والإعلامي التونسي إثر التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، التي شدد فيها على عدم السماح بأي محاولة لزعزعة استقرار تونس أو استهدافها بالإرهاب، الأمر الذي صنفه سياسيون ونشطاء في خانة الخرق السافر لسيادة بلادهم والتدخل المباشر في شؤونها الداخلية.

وجاء الشطط اللفظي لتبون في لقائه الدوري مع وسائل الإعلام المحلية، عبر عبارات مفاجئة تعهد فيها بـ«تخريب خيمة» من يحاول نقل الإرهاب إلى الحدود التونسية، ليفتح الباب أمام قراءة استراتيجية تعري المخاوف الحقيقية للنظام الجزائري من انتقال جمرة الاحتجاجات الشعبية المشتعلة في تونس إلى الداخل الجزائري.

زلة لسان لا تليق بالرئيس

استخدم الرئيس الجزائري ألفاظا وصفها نشطاء وسياسيون بالفظة والرديئة التي لا تليق برئيس دولة، حين أطلق بالدارجة المحلية وعيده القائل: «من يجلب الإرهاب إلى تونس، نخلِيو لو الخيمة نتاع والديه».

تسببت زلة لسان تبون هذه في اشتعال شبكات التواصل الاجتماعي في تونس، حيث عدها المعلقون خرقا سافرا للأعراف الدبلوماسية وسعيا حثيثا لإظهار تونس في موقع التابع الفاقد للقدرة الأمنية، رغم امتلاكها جيشا وطنيا ومؤسسات قادرة على حماية حدودها بدقة عالية.

كما أثارت هذه التطورات ردود فعل غاضبة من سياسيين ونشطاء أكدوا أن حماية تونس موكولة حصريا لأبنائها ومؤسساتها الصامدة.

وخاطب القيادي السابق في حزب «تحيا تونس» ماهر العباسي الرئيس الجزائري بحزم، مذكرا إياه بأن الإرهاب حين ضرب الجزائر تسبب في سقوط 200 ألف شهيد وانهيار الدولة لعشر سنوات، بينما عندما استهدف تونس تسبب في سقوط 200 شهيد فقط، وبقيت الدولة واقفة ونظمت انتخابات ديمقراطية وقضت على الظاهرة في غضون خمس سنوات.

وأوضح العباسي في تدوينة فيسبوكية أن «تونس هي الدولة الوحيدة التي لم يتمكن تنظيم «داعش» من السيطرة على متر مربع واحد من أراضيها»، لافتا إلى أن «قوات خاصة أجنبية تأتي للتدرب مع القوات التونسية للاستفادة من خبرتها الميدانية».

وطالب العباسي الخارجية التونسية بالتحرك المباشر واستدعاء السفير الجزائري لتسليمه توضيحات حازمة ورسمية ضد ما وصفه بالخطاب المهين.

واتسعت دائرة الغضب لتشمل أسماء بارزة في المشهد الحقوقي؛ إذ تساءلت المحامية دليلة مصدق بوضوح عن دلالات مصطلح «الإرهاب» في خطاب تبون، محذرة من استغلال المصطلح ضد المعتقلين السياسيين القابعين في السجون.

وبدوره، اعتبر القيادي السابق في حزب «الحراك» عبد الواحد اليحياوي أن الخطاب الجزائري، الموازي لهجوم صحيفة «الخبر» على الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، يستهدف قطع الطريق أمام أي تغيير سياسي محتمل في تونس.

الغليان في تونس.. كابوس «العدوى» يؤرق العسكر

تأتي هذه التصريحات الجزائرية الحادة في أعقاب مظاهرات حاشدة اندلعت -نهاية الأسبوع الماضي- في قلب العاصمة تونس، حيث خرج نحو 2,500 متظاهر احتجاجا على انقطاعات الكهرباء والماء المتكررة بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانفراد قيس سعيد بالسلطة.

وسرعان ما تحولت تلك المطالب المعيشية إلى هتافات سياسية حاسمة تنادي بإسقاط النظام، مرددين «جاك الدور يا قيس يا دكتاتور» و«لا ضوء لا ماء، الحبس والغلاء»، تنديدا بحملات الاعتقال والملاحقات التي شملت سياسيين وحقوقيين وإعلاميين.

وتكشف هذه النبرة المتوترة للرئيس الجزائري حجم الخوف الشديد الذي استولى على النظام في الجزائر جراء الهبّة الشعبية التونسية؛ إذ يخشى صناع القرار في الجزائر امتداد الشرارة عبر الحدود، مستحضرين دور تونس قبل نحو 15 عاما حين شكلت مهد «الحراك العربي» ومحفز التحولات الإقليمية الكبرى.

توظيف «شماعة الإرهاب» والتواطؤ الرسمي

تسعى الجزائر عبر أسلوب التدخل غير المباشر إلى التغطية على أزماتها الداخلية بفرض مفهوم مطاط لـ«الإرهاب»، الأمر الذي أثار مخاوف محامين وحقوقيين تونسيين.

وحذرت المحامية دليلة مصدق من توظيف هذا المصطلح لتصفية المعارضة السياسية القابعة خلف الأسوار بتهم جاهزة، فيما اعتبر القيادي السابق عبد الواحد اليحياوي أن خطابات تبون تتكامل مع الحملات الإعلامية الجزائرية ضد المنصف المرزوقي لقطع الطريق أمام أي تغيير سياسي ديمقراطي.

وعلى عكس السرعة التي تعاملت بها الخارجية التونسية عند استدعاء سفيرة فرنسا آن جيجن احتجاجا على استضافة وسائل إعلام فرنسية للرئيس الأسبق منصف المرزوقي، التزمت السلطات التونسية صمتا مطبقا إزاء التجاوز الجزائري.

وأثار هذا التباين أسئلة حارقة لدى المتابعين حول حدود الموقف الرسمي من مفهوم السيادة الوطنية، خاصة في ظل ما كشفته وثائق تسريب اتفاقية 7 أكتوبر 2025 الأمنية التي تتيح للقوات الجزائرية التدخل بعمق 50 كيلومترا داخل الأراضي التونسية.

ذعر النظام وهشاشة الوصاية الأبوية

تؤكد القراءة المتأنية خلف خلفيات التوتر الجاري أن زلة تبون ونبرته الأبوية المتشنجة لا تعكسان القوة أو الحرص الأخوي، بقدر ما تعبران عن حالة ذعر هيكلي ينتاب نظام العسكر الجزائري من عودة الروح للشارع التونسي.

وبحسب مراقبين، فإن محاولة تسويق الجزائر كـ«دولة راعية» تحمي حدود الجيران بعبارات «زنقاوية» وسوقية، تمثل محاولة بائسة لتصدير أزمات الشرعية وتطويق الديناميات الديمقراطية في المنطقة. كما أن المنطق الأبواني لن يعيد بناء نفوذ متآكل بقدر ما يوسع هوة الخلاف، ويجعل الشارع التونسي أكثر تمسكا بسيادته الوطنية ورفضا لكل محاولات التبعية الأمنية. أما استقرار المنطقة فيظل مرهونا باحترام استقلالية القرار الوطني ومؤسسات الدول الجارة، بعيدا عن منطق الهيمنة والرعاية والوصاية الفوقية.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 28/07/2026 على الساعة 18:39