برنارد لوغان: خلف سبتة.. قضية الصحراء

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 08/09/2026 على الساعة 11:00

مقال رأيوظفت الجزائر التدفق البشري نحو ثغر سبتة بأسلوب انتهازي لتوجيه طعنة غادرة في ظهر «الإخوة» المغاربة، في تنكر فاضح لدروس التاريخ المشترك.

وكشفت الوقائع المتوفرة حتى الآن، وفق ما ساقه الكاتب بوعلام صنصال في مقال نشره موقع Le360، عن تشكل محور جزائري تونسي مناوئ للرباط ينسف فكرة الاتحاد المغاربي التي لا تكف الخطابات عن التغني بها.

وكان يفترض، وفق هذا المنطق الاتحادي، أن يلقى المغرب دعما صريحا من «أشقائه»، وتحديدا من الجزائر. غير أن الموقف جاء على النقيض تماما؛ إذ سارعت السلطات الجزائرية إلى استغلال موجات النزوح البشري صوب الثغر السليب للغدر بالجار المغربي، متناسية صفحات مشرقة من التضامن الأخوي الصادق.

وتكشف صفحات الماضي القريب أن المغرب، وبدافع من «التضامن المغاربي»، ساند الأمير عبد القادر الجزائري في أربعينيات القرن التاسع عشر على حساب مصالحه الحيوية العليا، مما كلفه الهزيمة في معركة إيسلي وخسارة أجزاء واسعة من مجاله الترابي شرقا.

وتكرر الموقف ذاته بين عامي 1954 و1962، حين احتضنت المملكة جبهة التحرير الوطني وقدمت لها سندا حاسما بعدما شتت الجيش الفرنسي قواتها المقاتلة.

ولم يتوقف الوفاء المغربي عند هذا الحد؛ ففي عامي 1959 و1960، رفضت الرباط عرضا قدمه الجنرال ديغول لاسترجاع بشار وتندوف، درءا لأي تصرف قد يعد طعنا لـ«الإخوة» الجزائريين في مسار كفاحهم.

واستمر هذا النهج الأخلاقي حتى إبان «حرب الرمال»، حيث أحجم المغرب عن إعطاء الأوامر للقوات المسلحة الملكية المنتصرة ميدانيا لاستعادة مناطقه التاريخية من يد سلطة جزائرية ورثت حدود ما خلفته الإدارة الاستعمارية الفرنسية.

ومع أن المعطيات الجارية تشير إلى استبعاد تورط الجزائر بصورة مباشرة في افتعال أزمة سبتة، فإن الشراسة غير المبررة في توظيفها ترتبط ارتباطا وثيقا بنزاع الصحراء. فالنظام الجزائري لم يتخل يوما عن رهانه الرامي إلى اقتطاع هذه الأقاليم من السيادة المغربية، سعيا لتأسيس «دولة» موالية تمنحه منفذا بحريا نحو المحيط الأطلسي.

«لم يكن استغلال الجزائر لمأساة سبتة سوى مناورة مكشوفة لتصريف عدائها في ملف الصحراء، في تنكر فاضح لصفحات الوفاء والتاريخ المشترك»

—  برنارد لوغان

وتحت وطأة هذه الرغبة، باتت كل أزمة تلحق ضررا بالمغرب مكسبا للجزائر، وهو ما دفع أجهزتها وأذرعها الدعائية إلى التحرك الفوري لتشويه صورة الشقيق المغربي.

ويتزامن هذا التكالب مع اقتراب موعد حاسم أمام مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2026، حيث يتجه لتجديد ولاية بعثة «المينورسو» أو تعديلها، بناء على القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 الذي مدد مهمتها لعام كامل.

وسيكون على مجلس الأمن تثبيت المسار الدبلوماسي الداعم لمخطط الحكم الذاتي المغربي، والذي تقره أغلبية الدول دائمة العضوية كأرضية «أكثر واقعية ومصداقية وعملية» لحسم ملف النزاع المفتعل حول الصحراء.

وفي المقابل، وأمام الدعم الصريح للقرار 2797 للمبادرة المغربية كأساس لتسوية نهائية، تواصل الجزائر التحصن خلف شعار «حق تقرير مصير الشعب الصحراوي»، متخذة إياه غطاء لتمرير مشروعها التمزيقي في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تلقفت الماكنة الإعلامية الجزائرية أزمة سبتة بوصفها فرصة سانحة للتشويش على الحضور الدولي للمغرب، ومحاولة زعزعة موقعه المتقدم لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي اللذين يدعمان مغربية الصحراء ويساندان موقفه التنموي والاستراتيجي.

غير أن قراءة متأنية في تفاعلات الصحافة العالمية، سواء في أوروبا أو في القارة الأمريكية، تبرز جليا إخفاق هذه المساعي؛ فقد أدركت المنابر الدولية حقيقة الموقف الجزائري وصنفته في خانته الحقيقية، بوصفه مناورة مكشوفة واستغلالا سياسيا رخيصا لمأساة إنسانية.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 08/09/2026 على الساعة 11:00