وبينما سارعت منابر إعلامية رسمية إلى الترويج للقرار بوصفه ضربة قاصمة لشبكات الجريمة المنظمة، مبرزة الأبعاد الردعية لاختيار معتقل ينعت بـ«ألكاتراز الجزائري» لعزل المهربين في واحدة من أقسى بيئات الأرض قساوة، حيث تتجاوز الحرارة خمسين درجة مئوية، خرج الإعلامي الجزائري المعارض هشام عبود بتصريحات مدوية قلبت الرواية الرسمية رأسا على عقب، كاشفا أن الخطوة برمتها لا تعدو كونها مناورة أمنية للتغطية على المتورطين الحقيقيين داخل المؤسسة العسكرية.
من جانب آخر، أثار رواد منصات التواصل الاجتماعي تساؤلات ملحة حول الجدوى الواقعية من استدعاء عقاب جغرافي استعراضي يبتعد آلاف الكيلومترات عن الحواضر والمدن التي تشهد التوزيع الحقيقي لأقراص «البريغابالين» والمؤثرات العقلية.
«الردع الرمزي» وتجاوز جوهر الأزمة
يرى مراقبون أن اللجوء إلى الترهيب بـ«بلاد العطش» يندرج ضمن منطق «الردع الرمزي» لامتصاص الاحتقان المجتمعي المتصاعد وإيهام الرأي العام بالإمساك بزمام المبادرة.
🛑 سجن “#تنزروفت” في قلب الصحراء الجزائرية🇩🇿.. هنا سيتمنى بارونات المخدرات الموت ألف مرة في اليوم!
— بوابة الجزائر - Algeria Gate (@algatedz) September 2, 2026
🛑المجلس الأعلى للأمن الجزائري برئاسة الرئيس عبد المجيد #تبون قرر تحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي بالصحراء الكبرى لتنزروفت إلى سجن عالي التأمين و شديد الحراسة مخصص حصرا… pic.twitter.com/aIG18G9xu4
غير أن اختزال مواجهة ظاهرة بنيوية معقدة في بناء منشأة عقابية معزولة يعكس قفزا على الأسباب الحقيقية للأزمة؛ إذ تدار تجارة السموم وشبكات ترويجها في الأحياء الشعبية عبر منصات رقمية وحسابات متداخلة، بعيدا عن الكثبان الرملية المتاخمة للحدود.
ملامح سجن غير إنساني
ترسم المعطيات الميدانية التي أوردتها صحيفة «الخبر» الجزائرية ملامح بيئة عقابية بالغة التوحش تحيط بالمعتقل المستحدث في عمق سهل «تنزروفت»، الواقع في أقصى الجنوب الغربي بين ولايتي أدرار وبرج باجي مختار نحو منطقة تيمياوين؛ إذ تمتد هذه الرقعة على مساحة شاسعة تناهز نصف مليون كيلومتر مربع، وتعرف محليا بأسماء تعكس هول جغرافيتها مثل «صحراء العطش»، «صحراء الموت»، و«أرض الرعب».
وتزداد وطأة هذا المعتقل بتموضعه على مسار الطريق الوطني رقم 6 الرابط بين مدينتي رقان الجزائرية وغاو المالية، وهو شريان وعر يمتد لأزيد من 600 كيلومتر دون أي معالم أو لافتات تدل العابرين، مما يحول محيط السجن إلى متاهة طبيعية مفتوحة خالية تماما من أي مظهر للحياة البشرية أو الغطاء النباتي.
وتصل مستويات القساوة المناخية في تلك البقعة إلى حدود مهلكة، حيث تسجل مقاييس الحرارة صيفا درجات لافحة تتراوح بين 52 و60 درجة مئوية، مقترنة بجفاف مطبق وانعدام شبه تام للرطوبة والبكتيريا، الأمر الذي يمنع حتى تحلل الجثث بيولوجيا بالسرعة المعتادة.
وتصف الجريدة المشهد المحيط بالثكنة المحولة بأنه مقبرة حقيقية للمسافرين والتائهين، تنتشر عبر أرجائها مئات الهياكل المعدنية لمركبات ابتلعتها الرمال بعدما ضل أصحابها الطريق، في ظل إقرار مرافقين ومرشدين ميدانيين بأن فرص نجاة أو العثور على أي مفقود حيا في هذا المنفى القاحل تكاد تقارب الصفر.
انتهاك المواثيق الدولية
وعلى الصعيد الحقوقي، يضع هذا التوجه السلطات الجزائرية في تعارض مباشر مع الالتزامات والمواثيق الدولية؛ إذ تجرم «اتفاقية مناهضة التعذيب» و«قواعد نلسون مانديلا» تسخير البيئات الطبيعية القاسية أو العزلة المفرطة لتعذيب النزلاء أو تعريضهم لدرجات حرارة مهلكة وغياب المياه والرعاية الطبية.
وتصنف المعايير الأممية، فضلا عن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والميثاق الإفريقي، احتجاز الأفراد في ظروف غير إنسانية ضمن جرائم المعاملة الحاطة بالكرامة التي تستوجب المساءلة القانونية.
ويقود هذا الانتهاك إلى تبعات دبلوماسية وقضائية بالغة التعقيد، تبتدئ بتشديد الرقابة الأممية ولجان التفتيش التابعة لمجلس حقوق الإنسان، ولا تنتهي عند إسقاط ورقة التعاون القضائي واسترداد المطلوبين من المحاكم الغربية، التي ترفض ترحيل أي مشتبه فيه إلى معتقلات تنعدم فيها ضمانات السلامة الجسدية.
وتتضاعف بالموازاة مع ذلك مخاوف الهيئات الحقوقية وعائلات السجناء من تحويل هذه المنشأة المعزولة في عمق الصحراء إلى معتقل مغلق يُستغل للتنكيل بالنشطاء والمعارضين وتصفية الحسابات السياسية، بعيدا عن رقابة المنظمات المستقلة وأعين هيئات الدفاع.
وبحسب مراقبين، فإن النظام الجزائري يسعى من خلال إقحام الشريط الحدودي الجنوبي إلى توظيف ورقة مكافحة المخدرات دبلوماسيا لتلميع صورته أمام الهيئات الدولية واستعادة نفوذه المتآكل في منطقة الساحل الملتهبة.
صراع النفوذ وإعادة ترتيب مسالك الريع
تتجاوز خلفيات القرار البعد الجنائي لتلامس صلب التوازنات الخفية وصراع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
وتكشف قراءات متطابقة أن إحياء تقاليد المعتقلات الصحراوية يخدم مساعي التخلص من مهربين وشبكات وظيفية استنفدت أغراضها وباتت أسرارها تثير حرج قيادات نافذة، الأمر الذي يسمح بإعادة ترتيب مسالك الريع والتهريب تحت غطاء تطهير الساحة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما ذهب إليه الإعلامي المعارض الجزائري هشام عبود، الذي أكد أن استهداف صغار الوسطاء ونقلهم إلى الجنوب يهدف إلى صرف الأنظار عن الرؤوس المدبرة التي تواصل إدارة مصالحها بحصانة تامة.
وانتقد عبود في شريط بثه عبر منصاته الرقمية إعلان الاجتماع الأمني استحداث هيئة متخصصة في مكافحة المخدرات على غرار النماذج الغربية، واصفا القرار بالخطوة الدعائية المتأخرة التي تتفادى الاقتراب من الرؤوس المدبرة.
وأكد المتحدث، الذي خبر كواليس الجيش نظرا لاشتغاله في المؤسسة لسنوات، أن نشاط التهريب اتسع نطاقه خلال مرحلة الثنائي عبد المجيد تبون والسعيد شنقريحة، موجها اتهامات مباشرة لقائد أركان الجيش بالتورط في تسهيل أنشطة شبكات دولية طيلة فترة إشرافه على الناحية العسكرية الثالثة ببشار.
وأبرز عبود أن تدفق الشحنات الكبرى باتجاه أوروبا والمنطقة المغاربية لا يمكن أن يتم دون تواطؤ أمني واسع النطاق، مضيفا أن التوجه نحو تحويل ثكنة عسكرية في منطقة «تنزروفت» إلى سجن مشدد الحراسة يظل إجراء يستهدف صغار الموزعين، في حين يستمر إفلات شبكات النفوذ المستفيدة من تجارة الكوكايين والمؤثرات العقلية من أي مساءلة قضائية حقيقية.
واختتم عبود تعليقه بتسليط الضوء على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الخانق، مستعرضا شهادات حية لمواطنين يعيشون عزلة تامة وسط حرمان مزمن من أبسط شروط الحياة، وفي مقدمتها الماء الصالح للشرب، والغاز، وشبكات الطرق. وسجل المتحدث أن هذا التردي الحاد في الأوضاع اليومية ينسف الدعاية الرسمية ويكشف الهوة العميقة بين اهتمامات الشارع الجزائري والأجندة المغلقة لأجهزة الحكم.
