استقبل رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب نظيره المالي في الصالون الشرفي للمطار قبل أن يلتقيه الرئيس عبد المجيد تبون، في مشهد يسعى الإعلام الرسمي لتسويقه كـ «إعادة تأسيس استراتيجي» للعلاقات. وجاء هذا التحرك بعد قطيعة دامت قرابة أربعة عشر شهرا، لم تنجم نهايتها عن مكسب تفاوضي جزائري، بل فرضتها صلابة الموقف المالي التي أجبرت الجزائر على التراجع خطوة تلو الأخرى.
أصدر تبون في يوليوز 2026 قرارا يقضي بإعادة السفير الجزائري إلى باماكو، لترد مالي بالمثل وتستأنف الرحلات الجوية بين البلدين. وتلت هذه الخطوة محادثات هاتفية في 9 غشت بين رئيسي الحكومتين لتمهيد اللقاء المباشر، قبل أن تسارع الجزائر في منتصف غشت إلى رعاية صفقة تبادل أسرى أفرجت بموجبها حركة أزواد عن 80 جنديا ماليا مقابل عناصر محتجزين لدى الجيش المالي، ما دفع الدعاية الرسمية الجزائرية إلى استبدال لهجة التخوين بمديح مفاجئ لما وصفته بـ «المصالحة النشطة».
جذور الأزمة والانخراط في نزعة الوصاية
اندلعت الأزمة بين البلدين في دجنبر 2023 حين تصرفت الدبلوماسية الجزائرية بمنطق الوصاية البائدة، متجاوزة السيادة المالية عبر تنظيم لقاءات علنية وسرية مع شخصيات معارضة وقيادات من الحركات الأزوادية المسلحة دون أدنى تنسيق مع السلطات الانتقالية في باماكو. واستدعت الحكومة المالية سفيرها في 20 دجنبر منددة بما وصفته بأعمال عدائية واحتضان لعناصر انفصالية، لترد الجزائر بالمثل في اليوم التالي.
أعلنت باماكو في 25 يناير 2024 إلغاء «اتفاق الجزائر» الموقع عام 2015 بأثر فوري، مطالبة الجزائر بوقف التدخل في شؤونها الداخلية ورافضة وساطتها بشكل قاطع. وبلغ التوتر ذروته في ربيع 2025 إثر إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش المالي في منطقة تينزاواتين الحدودية، حيث اتهمت باماكو جارتها الشمالية باستهداف الطائرة حماية للمسلحين، بينما ردت الجزائر باتهام مالي بانتهاك مجالها الجوي، ليتوج النزاع بإغلاق متبادل للأجواء.
الرافعة المغربية وتآكل النفوذ الإقليمي
أفضت هذه المواجهة إلى كشف هشاشة الحسابات الجزائرية، إذ عادت السلطات للتعاون مع باماكو دون انتزاع أي تعهد أمني أو سياسي، بعد أشهر من كيل الاتهامات للقيادة المالية عبر وسائل الإعلام وتوصيفها بـ«الانقلابية» و«الفاشلة». ويرى مراقبون أن التحرك الدبلوماسي المغربي شكل عاملا حاسما في إرغام الجزائر على التراجع، خشية فقدان موطئ قدمها تماما في منطقة الساحل.
توجه وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب إلى مراكش يومي 23 و24 دجنبر 2023، بالتزامن مع تفجر الخلاف مع الجزائر، لإعلان انضمام مالي الرسمي إلى المبادرة الأطلسية الرامية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط.
وأثار هذا التحول مخاوف عميقة لدى صانع القرار في قصر المرادية من حصار نفوذه على حدوده الجنوبية، ما دفعه إلى السعي نحو استئناف قنوات الحوار مع باماكو لتفادي عزلة شاملة.
دبلوماسية الأزمات المفتعلة من الساحل إلى أوروبا
يندرج التراجع في الملف المالي ضمن نهج متكرر طبع أزمات الجزائر مع كل من النيجر وإسبانيا وفرنسا. ففي النيجر، سعت الجزائر منذ يوليوز 2023 إلى ممارسة ضغوط على السلطات الانتقالية وتهديد أمن الحدود بالتوازي مع طرد آلاف المهاجرين في ظروف قاسية، الأمر الذي دفع نيامي إلى رفض الوصاية الجزائرية. وانتهت الأزمة بتنازل مالي قدمته الجزائر في فبراير 2026 خلال زيارة الجنرال عبد الرحمن تياني، عبر تقديم دعم مالي بقيمة 50 مليون يورو لتمويل مشاريع محلية هناك.
تكرر المشهد ذاته مع إسبانيا عقب تأييد مدريد التاريخي لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية خلال مارس 2022؛ إذ سارعت الجزائر إلى سحب سفيرها وتجميد معاهدة الصداقة ووقف المبادلات التجارية غير الغازية. ولم يغير الموقف الإسباني موقفه قيد أنملة، ما دفع الجزائر إلى إعادة سفيرها أواخر 2023 ورفع القيود التجارية تدريجيا دون تحقيق أي مكسب سياسي.
أفرزت الأزمة مع باريس النتيجة ذاتها بعد تأكيد فرنسا دعمها لسيادة المغرب على صحرائه، وهو الموقف الذي أبلغه إيمانويل ماكرون لنظيره الجزائري في 14 يونيو 2024 بقمة مجموعة السبع ثم أعلن رسميا في يوليوز. وردت الجزائر بسحب السفير وتعليق التعاون الأمني، قبل أن تستقبل في فبراير 2026 وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز وتوافق على استئناف التعاون الأمني واستقبال المهاجرين الصادرة بحقهم قرارات الترحيل، متراجعة عن شروطها السابقة.
دائرة التراجع واختلاق الخصوم
تخضع التحركات الخارجية للجزائر في عهد تبون لنمط رباعي المراحل يبدأ بالغضب والتصريحات النارية وسحب السفراء، يليه التلويح بالعقوبات ومحاولات الضغط، ثم الاصطدام بالعزلة، وصولا إلى التراجع وتقديم تنازلات أحادية الجانب دون مقابل. وأفقد هذا السلوك الدولة الجزائرية مصداقيتها الدبلوماسية، محولا إياها في نظر شركائها إلى طرف متقلب تحركه ردود الفعل الانفعالية.
تلجأ الرئاسة الجزائرية باستمرار إلى تبرير تنازلاتها بمفهوم «البراغماتية»، وهو المفهوم الذي غاب حين كانت منابرها تهاجم دول الجوار وتفرض الحصار وتؤجج النزاعات. وفي ظل حاجتها الدائمة لاختلاق عدو خارجي لصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، يوجه الإعلام الرسمي الجزائري سهام هجومه اليوم نحو دولة الإمارات العربية المتحدة، مكررا النهج الانفعالي ذاته، وسط توقعات بأن تعود الجزائر لاحقا لطلب التهدئة مع أبوظبي تحت مظلة الواقعية ذاتها.
