العطش يواصل خنق الجزائر.. أعطاب متتالية وحملات جباية الفواتير تؤجج الغضب الشعبي

صورة تعبيرية لانقطاع مياه الصنبور. DR

في 23/08/2026 على الساعة 18:29

فيديوتفاقمت أزمة انقطاع مياه الشرب في العاصمة الجزائرية والولايات المجاورة لها، حارمة آلاف الأسر من التزود بالماء بالتزامن مع موجة حر قياسية تجاوزت 49 درجة مئوية، في مشهد أججته حملات الجباية الصارمة التي باشرتها شركة «سيال» لقطع الإمداد ونزع العدادات، لتجد الساكنة نفسها عالقة بين حنفيات جافة وإجراءات تحصيل قسرية في ذروة القيظ.

وحسب ما أوردته صحف محلية فإن عدة أحياء بالضاحية الشرقية للعاصمة تعيش، منذ أمس السبت، شللا تاما، إثر إعلان شركة المياه والتطهير للجزائر «سيال» عن تسجيل عطل تقني جديد بمحطة تحلية مياه البحر في بلدية «المرسى»، الأمر الذي تسبب في اضطراب حاد لبرنامج التوزيع شمل بلديات «هراوة» و«المرسى» و«برج البحري».

ويأتي هذا الارتباك بعد أقل من أسبوع على حادث مماثل شل المحطة ذاتها منتصف شهر غشت الجاري، ليمتد الانقطاع إلى 11 بلدية دفعة واحدة داخل ولاية الجزائر، وسط معطيات تؤكد هشاشة الربط الكهربائي المغذي لمحطات الضخ وتسببه المباشر في تعليق دورات الإنتاج وتأخير ملء الخزانات الرئيسية.

وفي هذا الصدد، أرجعت تقارير إعلامية أسباب الشلل المتكرر إلى الهشاشة الحادة لشبكة الربط الكهربائي المغذية لمحطات الضخ والتحلية، إذ يؤدي تذبذب التيار إلى توقف دورات المعالجة آليا وتعطيل شحن الخزانات الاستراتيجية، مما يحول أي خلل كهربائي عابر إلى أزمة عطش خانقة تمتد لأيام متتالية.

@kaja.kajakala111

“No Water in an Algerian Hotel?! 😱 Culture Shock!” #Traveltok #CultureShock #France #Algeria #fyp

♬ الصوت الأصلي - kaja kala

بالإضافة إلى ذلك، وفق تقارير صحفية محلية، تتجلى معضلة التخزين الاستراتيجي كواحدة من أثقل الثغرات التدبيرية التي تؤرق كبريات مدن الجزائر بما فيها العاصمة. إذ يقود ضعف سعة الخزانات الكبرى وغياب مخزون أمان يغطي فترات الصيانة الدورية إلى ارتباك حاد في برامج الضخ، ما يحول الأعطاب الميكانيكية العادية إلى أزمات عطش ممتدة لأيام تلغي نظام التوزيع اليومي لفائدة نظام تناوب قاسي.

تدشينات بروتوكولية تثير السخط الشعبي

لم تعد بلاغات الأعطاب المتكررة لشركة « سيال » وحدها ما يؤجج السخط الشعبي، بل امتد الغضب إلى إطلالات وزير الري، لوناس بوزقزة، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، حيث يظهر المسؤول الحكومي متجولا بين منصات التدشين والتقاط الصور التذكارية لمحطات جديدة، بينما لا تجد المياه المتدفقة من صور الوزير طريقها إلى صنابير المواطنين المكتوون بلهيب العطش، في مشهد يكرس الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني المعاش.

وفي هذا السياق، تفيض حسابات الوزارة الرقمية بآلاف التعليقات الغاضبة التي تواجه خطابات «الأمن المائي» بحقائق الجفاف الميداني. وبرز في هذا الإطار تعليق بليغ خطه مواطن يدعى طيب موسى، موجها خطابه مباشرة للوزير: «نحن نعيش في الحي المقابل لوزارتك في الجزائر العاصمة ونعاني من انقطاع المياه منذ مدة طويلة.. وقد تعبنا من الشكاوى دون أن نجد أي مجيب»، لكن على ما يبدو فإن الوزير، بل وحتى طاقمه، لا وقت لديهم لقراءة تعليقات المواطنين.

وتعري هذه المفارقة الصارخة بين وعود التدشينات الرسمية وواقع العطش أمام مقر الوزارة المركزية حجم الهوة الفاصلة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي، مؤكدة أن وفرة البيانات والتصريحات لم تنجح في ملء صنابير ظلت جافة لأسابيع.

جباية متشددة في ذروة القيظ

في خضم هذه المعاناة القاسية، أثارت إدارة شركة «سيال» استنكارا واسعا عقب إرسال فرقها الميدانية لتنفيذ عمليات قطع الإمدادات ونزع العدادات عن القاطنين المتخلفين عن تسديد الفواتير، مثلما جرى داخل مجمع «حي عدل الشايق» ببلدية الشعيبة في ولاية تيبازة.

وحسب ما أوردته جريدة «أخبار الوطن»، فقد قوبلت هذه الخطوة بسخرية سوداء وتنديد من طرف الساكنة المتضررة التي تساءلت باستهجان: «كيف تقطعون ما هو مقطوع أصلا؟»، منددة بإلزام الأسر بدفع فواتير غير مبررة لا تعكس سوى دوران العدادات بفعل ضغط الهواء المحبوس داخل الأنابيب المفرغة من الماء.

ويعكس هذا المشهد المتأزم مفارقة إدارية مكشوفة تضع الشركة في مواجهة غضب شعبي متصاعد؛ إذ تستنفر طاقاتها لجباية الأموال والتلويح بالعقوبات في عز الصيف، مقابل عجز مطبق عن معالجة التسربات المهدورة في الشوارع أو وضع حد للأعطاب المزمنة التي تحرم المواطنين من أبسط حقوقهم الحيوية.

ودفع جفاف الصنابير المتواصل معظم المواطنين المكتوين بلهيب العطش إلى التهافت على المحلات لاقتناء قنينات المياه المعدنية كخيار اضطراري لإرواء ظمأ عائلاتهم في عز القيظ، غير أن مساعيهم اصطدمت بزيادات مفاجئة وارتفاع مباغت في أسعار العبوات، ليجد المستهلك الجزائري نفسه محاصرا بين شح المياه عبر شبكات التوزيع وجشع المضاربة في الأسواق.

ندرة القارورات وشلل البتروكيماويات

لم تقف تداعيات الأزمة عند حدود جفاف شبكات التوزيع العمومية، بل امتدت لتشمل أيضا سوق المياه المعدنية المعبأة التي تشهد ندرة خانقة وقفزات متتالية في الأسعار، بعدما ارتفع ثمن الحزمة الواحدة من 220 إلى نحو 300 دينار (حوالي 12,5 درهم مغربي)، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الغلاء لتشمل قارورات الزيوت والمشروبات وعبوات مشتقات الحليب.

وعزا الإعلامي الجزائري عبدو السمار هذا الشلل إلى عجز المصانع المحلية عن تأمين المواد البتروكيماوية الأولية لصناعة القارورات والأغطية البلاستيكية، وفي مقدمتها «البولي إيثيلين» و«البولي بروبيلين»، إثر تراجع وتيرة الإمدادات المستوردة عبر مضيق هرمز وارتفاع كلفة الشحن الدولي، لتدفع الخزينة العامة فاتورة استيراد سنوية تقارب 2.9 مليارات دولار لتغطية حاجيات هذه المدخلات الحيوية.

وأوضح السمار أن هذه الاختناقات تعري مفارقة صادمة لبلد يمتلك ثروات غازية هائلة لكنه يفتقر للقدرة على تحويلها محليا، مرجعا الأزمة إلى تجميد النظام الحالي لمشروع مجمع «ستيب» للبتروكيماويات بمدينة أرزيو، الذي أُطلق سنة 2018 بشراكة استراتيجية مع مجمع «توتال إنرجيز» الفرنسي لإنتاج نصف مليون طن من مادة «البولي بروبيلين» سنويا، قبل أن يتعرض المشروع لعرقلة ممنهجة وتصفية حسابات سياسية دفعت الشريك الأجنبي إلى الانسحاب، ليتوقف الورش بالكامل بعد إسناده لشركات أخرى، ويترك السوق الداخلية رهينة تقلبات الاستيراد وأزمات الندرة المتكررة.

مفارقة الوفرة وطوابير العطش

تضع هذه الأزمة المركبة السلطات الجزائرية في مأزق سياسي وأخلاقي أمام الرأي العام، إذ يكشف العجز المتواصل عن تأمين مياه الشرب في قلب العاصمة والمدن الكبرى أن الرهان على التوسع الكمي لمحطات التحلية، دون إرساء استراتيجية حقيقية للصيانة وتجديد شبكات التوزيع المتهالكة، يبقى مجرد مسكنات ظرفية وحلول ترقيعية عاجزة عن الصمود أمام أول اختبار ميداني.

وأمام هذا الواقع المتأزم، تظل الصنابير الجافة شاهدا يوميا على إخفاق عائدات المحروقات والخطابات الرسمية في حماية المواطنين من طوابير العطش ومطاردة قطرة ماء في عز الصيف، داخل بلد يمتلك ثروات طاقية هائلة لكنه يعجز عن إرواء ظمأ سكانه.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 23/08/2026 على الساعة 18:29