أزمة العطش تخنق الجزائر.. والصنابير الجافة تسقط كذبة «الأمن المائي»

صورة مركبة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ومواطنين يصطفون في طوابير للحصول على الماء الشروب.. فجوة عميقة بين الشعارات السياسية وبين الواقع الميداني

في 11/08/2026 على الساعة 15:07

فيديوتحولت رحلة الحصول على جرعة ماء شروب في أزيد من 11 ولاية جزائرية إلى مكابدة يومية مريرة، عقب إعلان شركة المياه والتطهير «سيال» عن تجدد الانقطاعات الحادة وتذبذب توزيع المياه حتى إشعار غير محدد. وعزت الشركة هذا الارتباك إلى عطل تقني أدى إلى توقف جزئي لمحطة تحلية مياه البحر بـ«الحامة»، مشترطة العودة إلى البرنامج العادي بانتهاء أشغال التصليح وملء الخزانات الكبرى، وهو ما أثار قلقا بالغا لدى السكان بسبب الطابع المفتوح لهذه الانقطاعات، التي جاءت في ذروة موجة حر قياسية خلال شهر غشت الجاري.

أعلنت شركة المياه والتطهير الصحي في الجزائر (SEAAL)، في بيان لها اليوم الثلاثاء عن انقطاعات في المياه واضطرابات شديدة في جدول التوزيع المعتاد في عدد كبير من بلديات ولاية الجزائر. وتشمل هذه البلديات باشجيرة، وحسين دي، والمغارية، وبلويزداد، وسيدي محمة، والجزائر المركزية، والمرادية، والمدنية، وبير مراد رايس، وهيدرا، والبيار.

وتبعا لهذا الوضع، رصدت وسائل التواصل الاجتماعي صورا مهينة من الجزائر تبرز مدى المعاناة الإنسانية القاسية التي تعيشها العائلات الجزائرية، حيث يضطر المواطنون في أحياء مثل «بولوغين» و«واد السمار» و«بابا علي» إلى خوض سهرات حراسة قسرية أمام الصنانير حتى ساعات الفجر الأولى، لكي يتمكنوا من تخزين بضع قطرات مياه قبل أن تنقطع من جديد.

وعبر سكان حي «ديار الخلوة 2» عن استنكارهم الصريح لهذا النمط التعسفي الذي يفرض على كبار السن والنساء العاملات والأطفال الحرمان من النوم ليلا لملء البراميل والأواني البلاستيكية، قبل أن تتوقف المياه مع إشراقة الصباح. الأمر الذي فجر موجة غضب عارمة على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع انتشار المقاطع المصورة لطوابير المواطنين الحاملين للأواني خلف شاحنات التوزيع، في مشاهد محزنة تجهض ادعاءات بلد «القوة الضاربة».

كما رصدت بعض وسائل الإعلام الجزائرية انتعاش تجارة الصهاريج المحمولة في السوق السوداء للمياه بأسعار خيالية أثقلت كاهل الأسر المنهكة أصلا، وسط عجز تام للمؤسسات المكلفة بالتسيير.

وتضاعفت حدة المأساة لدى القاطنين في الطوابق العلوية للعمارات العتيقة، والذين يحرمون حتى من الصبيب الضئيل خلال ساعات الضخ المترددة.

وعلاوة على ذلك، أظهرت الأزمة هشاشة بنيوية متزايدة في مختلف المنشآت المائية للبلاد، إذ لم تقتصر الأزمة على العاصمة، بل امتدت لتشمل محطات التحلية في «الشلف» و«عنابة» و«الطارف»، والتي تتعطل باستمرار جراء الترسبات البحرية وافتقارها لبرامج الصيانة الاستباقية.

بالتزامن مع هذه الأوضاع المأساوية، خرج وزير الري لوناس بوزقزة عبر شاشة تلفزيون «النهار» ليزف للمواطنين خطابا منفصلا تماما عن الواقع، مؤكدا أن الجزائر تعيش «حالة أمان واستقرار مائي».

واكتفى الوزير بتبرير الأزمة عبر تحميل شبكات التوزيع القديمة والتسربات التي ترتفع إلى 40 في المائة مسؤولية الضياع، دون أن يقدم للشارع المغبون أي جدول زمني محدد لإنهاء المعاناة.

وفي هذا السياق، اعتبر متابعون للشأن الجزائري أن الرواية الحكومية لم تعد تقنع أحدا، بعدما تحولت المسكنات الشفهية والوعود بالربط المستقبلي إلى أداة لامتصاص الغضب المتصاعد لا غير.

ومع استمرار الشلل المائي، تصطدم هذه المشاهد المؤلمة بالوعود البراقة التي سبق للرئيس عبد المجيد تبون أن كررها لإغلاق هذا الملف نهائيا عبر إنشاء خمس محطات كبرى للتحلية.

وتتسع الفجوة بين الخطاب الشفهي والواقع الحقيقي عند استحضار التصريح الشهير لتبون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شتنبر 2023، حين جزم بأن الجزائر ستنتج «مليارا و300 مليون متر مكعب يوميا» من المياه المحلاة مع نهاية 2024. وقد تحول هذا الرقم الخيالي، الذي يستحيل فيزيائيا تحقيقه مقارنة بالإنتاج العالمي الكلي، إلى سقطة تاريخية تعكس حجم الارتجال في تسيير أزمات البلاد الحيوية.

إثر ذلك، بات جفاف الصنابير وتكرار الطوابير دليلا حيا على انهيار أسطورة «الأمن المائي» للجزائر، لتتحول قضية العطش من مجرد عطب فني طارئ إلى أزمة حوكمة عميقة تعري بطلان التقديرات الرسمية.

وأمام هذا الانسداد القائم، يستمر المواطن الجزائري في دفع فاتورة المواعيد العرقوبية والرهانات السياسية الفاشلة، معانيا ويلات الحر والعطش وسط وعود تبخرت كما تبخرت قطرات الماء في الصنابير.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 11/08/2026 على الساعة 15:07