وتفضح هذه السلوكيات تهافت المروجين لها؛ إذ كيف يُفسر هذا العمى الممنهج والاستهداف المتعمد للمغرب دون سائر الفاعلين؟ فبمجرد صدور وثيقة جديدة عن فرع بلجيكا لمنظمة «أمنيستي»، سارعت غرف تحرير فرنسية إلى استنساخ المضامين ذاتها دون أدنى مسافة نقدية، مكررة الأسطوانة القديمة نفسها لصياغة مرافعة اتهامية جاهزة ضد الرباط تفتقر لأبسط شروط الرصانة المهنية، وتعتمد على ادعاءات مكشوفة تفتقد إلى الحد الأدنى من المصداقية.
وفي محاولة لتشييد هذا البناء الاتهامي المترنح، لم تتردد تلك المنابر في منح مصداقية مطلقة لشخصية ملتبسة تقدم باسم مستعار يدعى «سفير»، محاولة تسويقه كمنبه عام أتى من صلب المخابرات المغربية.
وتتجاهل هذه الرواية أن المعني بالأمر ظل على الدوام مجرد عنصر ثانوي تحوم حوله الشبهات داخل مسار وظيفي باهت، الأمر الذي يجعل الاستناد إلى تصريحاته ضربا من الهواية التحريرية المكشوفة التي تبتغي النيل من صورة بلد شريك.
وبالتركيز على هذه الإفادة الهشة، يواصل مهاجمو المغرب اجترار حكاية برمجية «بيغاسوس» ومزاعم توظيفها من قبل الأجهزة الأمنية المغربية لاستهداف المعارضين، وهي الرواية التي دحضها النفي الرسمي الصارم والمتواصل للسلطات المغربية، والتي شددت دوما على عدم امتلاكها أو استعمالها لهذا البرنامج. ووجد فرع بلجيكا لـ«أمنيستي» في هذا الطرح مادة لإعادة تدوير الاتهامات ذاتها، لتتلقفها قنوات تلفزيونية اعتادت اقتناص الإثارة كلما تعلق الأمر باستهداف المغرب.
وتتحاشى هذه المنابر، في مقابل ذلك، الخوض في الهشاشة التقنية والقانونية لهذه الاتهامات، وهي عيوب فككها المحلل السياسي لحسن حداد عبر قراءة دقيقة على منصة «إكس».
وأوضح حداد أن تقرير المنظمة، ورغم نبرته الاتهامية، لا يكتسي أي طابع قضائي ولا يشكل حكما نهائيا، منبها إلى أن مجرد ورود رقم هاتفي في قوائم الاستهداف المفترضة لا يعني بتاتا اختراق الجهاز، مثلما لا يمكن لأي أثر تقني منسوب لـ«بيغاسوس» أن يحدد بالدقة اللازمة الجهة التي تقف وراء الهجوم المزعوم.
ويفصل التحليل القانوني والتقني الرصين بين المؤشرات الرقمية الأولية وإثبات القصد الجنائي غير المشروع، ما يجعل المطالبة بإخضاع الأدلة المفترضة وسلاسل الإسناد لتقييم علمي مستقل مطلبا بديهيا، غير أن محاكم التفتيش الإعلامية تفضل الترويج المسبق للروايات على التحقق من سلامة الوقائع.
ويصل هذا التغاضي الباريسي ذروته عند مقارنته بالتكتم المطبق على ممارسات الدولة الفرنسية في ميدان التجسس الرقمي؛ ذلك أن باريس تجد نفسها متورطة في قضايا أشد خطورة لجهة تصدير تقنيات المراقبة الإلكترونية، على نحو ما فضحته قضية «تسريبات بريداتور» لسنة 2023، التي بينت كيف دعمت فرنسا أنظمة سلطوية ومكنتها من تعقب مواطنيها.
وكشف هذا التحقيق، الذي أجراه ائتلاف «التعاون الأوروبي للتحقيقات الاستقصائية» بشراكة مع موقع «ميديا بارت»، تورط شركة «نيكسا تكنولوجيز» الفرنسية (المعروفة سابقا باسم «أميسيس») وتحالفها مع رجل الأعمال الإسرائيلي تال ديليان ضمن تجمع «إنتيليكسا».
وبرعت هذه الصناعة الأوروبية في تسويق برمجية الاختراق «بريداتور» لدول عديدة كليبيا ومصر وفيتنام، بل إن خيوط القضية امتدت لتلامس كبار مسؤولي الإليزيه وبيرسي، خاصة وزير الاقتصاد والمالية آنذاك برونو لومير، دون أن يحظى الملف باهتمام إعلامي يوازي وزنه الجيوسياسي، مفضلا الانخراط في صمت مريب.
وتكرس هذه المعالجة الانتقائية ازدواجية معايير فاقعة تمارس تحاملا ممنهجا على المغرب دون أدلة قطعية، وتلتزم مرونة متواطئة مع انزلاقات أمنية أوروبية ثابتة.
وتفضح هذه السياسة عقيدة إعلامية تعطي لفرنسا وحلفائها حق ممارسة التجسس وتمنع عن المغرب حقه الطبيعي في السيادة وحماية أمنه، مسقطة الصحافة الاستقصائية من وظيفتها النبيلة لتتحول إلى مجرد واجهة للتوجيه والتأثير السياسي.
