أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب.. فاطمة الزهراء المنصوري وسر الصعود إلى واجهة السلطة

فاطمة الزهراء المنصوري منسقة حزب الأصالة والمعاصرة وأول رئيسة حكومة مغربية

في 29/09/2026 على الساعة 16:42

بورتريكرس استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، تحولا مفصليا في المسار السياسي للمملكة، لتغدو أول امرأة تتقلد رئاسة السلطة التنفيذية في تاريخ المغرب الحديث.

وجاء هذا التكليف تفعيلا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور، إثر تصدر حزب «الأصالة والمعاصرة» نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، لتخط السياسية المراكشية صفحة غير مسبوقة في سجل التدبير المؤسساتي للمملكة.

جينات الحكم ونشأة بين القانون والسلطة

رأت فاطمة الزهراء المنصوري النور في 3 يناير 1976 بحاضرة مراكش، متصلة بجذور ضاربة في قبيلة الرحامنة المتاخمة للمدينة الحمراء.

نشأت في كنف والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، الذي طبع المشهد المراكشي طوال ثماني سنوات بصفته باشا للمدينة ونقيبا لهيئة المحامين بها، قبل تعيينه سفيرا للمغرب لدى دولة الإمارات العربية المتحدة حتى وفاته سنة 2009.

أثر هذا المحيط العائلي المشبع بالثقافة القانونية وهيبة الإدارة تأثيرا بالغا في صياغة شخصيتها، بعدما ألفت مرافقة والدها إلى المحاكم وجلسات الترافع منذ طفولتها، الأمر الذي شحذ وعيها المبكر بمسالك العدالة ومفاصل الشأن العام.

من ثانوية «فيكتور هوغو» إلى ردهات الأعمال

تدرجت «بنت الباشا» في مدارس البعثة الفرنسية بمراكش حتى حازت شهادة البكالوريا من ثانوية «فيكتور هوغو» سنة 1994. انتقلت بعد ذلك صوب العاصمة الرباط لتلتحق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس، وتوجت مسارها بنيل الإجازة في القانون الخاص سنة 1998.

اختارت فرنسا وجهة لمواصلة دراساتها العليا، فنالت سنة 1999 دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه، قبل أن ترصع رصيدها بتكوين تخصصي في قانون الأعمال ذي التوجه الأنجلوسكسوني بجامعة نيويورك سنة 2000.

ودشنت مسارها المهني في 22 مارس 2005 محامية مقيدة بهيئة المحامين بمراكش، وأسست مكتبا موجها نحو قضايا المعاملات العقارية والاستشارات التجارية ومواكبة المقاولات.

وازت بين صرامة المحاماة ودينامية المجتمع المدني، فتولت رئاسة جمعية طلبة القانون الفرنسي، وترأست جمعية «مونية» المعنية بصيانة التراث المعماري وحماية الذاكرة التاريخية لحاضرة النخيل.

صانعة التوافقات في بيت «الجرار»

انخرطت في النشاط الحزبي سنة 2008 تزامنا مع إطلاق «حركة لكل الديمقراطيين»، لتغدو من الوجوه البارزة المؤسسة لحزب «الأصالة والمعاصرة». تدرجت في الهياكل التنظيمية للحزب بثبات، وظفرت برئاسة مجلسه الوطني لولايات متعددة، متفردة بأدوار حاسمة في هندسة التوازنات الداخلية ونزع فتيل الأزمات التنظيمية خلال المنعطفات الصعبة.

اتسم أسلوبها السياسي بنبرة واثقة وخطاب مباشر يفضل الحسم العملي ويبتعد عن الإنشاء، الأمر الذي رسخ موقعها فاعلة محورية داخل البيت الداخلي للحزب.

أفرز المؤتمر الوطني الخامس للحزب المنعقد بمدينة بوزنيقة في فبراير 2024 صيغة تنظيمية مبتكرة، قادت إلى اختيارها منسقة وطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة، مفوضة بتمثيل الحزب رسميا أمام المؤسسات الدستورية.

براغماتية الميدان واختبار التدبير الحكومي

حققت المنصوري قفزة نوعية سنة 2009 حين انتخبت عمدة لمدينة مراكش في سن الثالثة والثلاثين، كأصغر امرأة ترأس مجلسا جماعيا لمدينة كبرى بالمملكة، واستمرت في إدارة دفة المدينة حتى سنة 2015، ليعيدها ناخبو مراكش إلى المسؤولية ذاتها عقب استحقاقات شتنبر 2021.

عززت امتدادها التمثيلي بالظفر بمقعد في مجلس النواب عن دائرة «المدينة - سيدي يوسف بن علي» لثلاث ولايات تشريعية متتالية في 2011 و2016 و2021، ما راكم لديها تجربة تشريعية متينة في مواكبة السياسات العمومية.

عينت في 7 أكتوبر 2021 وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وتولت تدبير أوراش استراتيجية شملت تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن، وتيسير رخص البناء في الوسط القروي، وتنسيق جهود إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز.

أتاح لها التوفيق بين الانحدار من أسرة إدارية نافذة، والارتباط الوجداني بالأحياء الشعبية والبوادي المحيطة بمراكش، بناء قاعدة ثقة متينة منحتها وزنا انتخابيا مؤكدا في كل المحطات.

ولفت صعودها انتباه المنظمات الدولية في وقت مبكر، فصنفتها مجلة «فوربس» سنة 2014 في صدارة 20 سيدة شابة أكثر تأثيرا في إفريقيا، واختارها المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» في السنة ذاتها ضمن نخبة القيادات الشابة العالمية.

اليوم، تلج فاطمة الزهراء المنصوري، وهي أم لطفلين تفضل إحاطة حياتها العائلية بجدار من الكتمان، رحاب رئاسة الحكومة حاملة حقيبة تجمع بين الصرامة القانونية، والمران التدبيري، والصلابة التفاوضية، لتكتب فصلا جديدا في الممارسة التنفيذية المغربية بعد مسار صاعد لم يعرف التردد.

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 29/09/2026 على الساعة 16:42