لم تعد آلة القضاء توجه سهامها حصرا ضد الوجوه السياسية البارزة، بل باتت تترصد المواطنين والنشطاء العاديين والجامعيين بسبب تفاعل رقمي عابر أو تدوينة نقدية.
وتعتمد النيابات العامة ترسانة من النصوص الجنائية الفضفاضة، يتصدرها الفصل 87 مكرر من قانون العقوبات، لتكييف ممارسة الرأي السلمي ضمن خانات «المساس بوحدة الوطن» و«الترويج العمدي لأعمال إرهابية».
مقصلة شتنبر.. قمع سريع ومحاكمات بالجملة
شهد شهر شتنبر 2026 تصعيدا لافتا في مطاردة الأصوات الحرة عبر إجراءات التوقيف المباغتة والمحاكمات الفورية. استهلت المصالح الأمنية في الجلفة هذا المسار بتوقيف الناشط زبير المبخوت يوم 2 شتنبر، لتسارع النيابة العامة في اليوم الموالي، 3 شتنبر، إلى إحالته وفق مسطرة المثول الفوري، مع إصدار قاضي المحكمة أمرا بإيداعه الحبس المؤقت على ذمة التحقيق لمجرد آراء عبر عنها في حسابه على «فيسبوك».
واجه المبخوت مسارا قضائيا متسارعا تخللته مماطلة مقصودة عبر تأجيل جلسات المحاكمة من 10 شتنبر إلى 17 ثم إلى 23 من الشهر ذاته مع إبقائه خلف القضبان، لتطالب النيابة العامة بإنزال عقوبة قاسية بلغت سبع سنوات سجنا نافذا، قبل أن تصدر محكمة الجلفة يوم 23 شتنبر حكما يدينه بعامين حبسا، منها عام نافذ وآخر موقوف النفاذ، وغرامة قدرها 200 ألف دينار جزائري، في استمرار لسلسلة مضايقات سابقة طالته على خلفية نشاطه المدني.
وفي ولاية البويرة، لاحقت الأجهزة الأمنية أستاذة اللغة الأمازيغية والناشطة التربوية نادية موساوي، المعروفة في الفضاء الأزرق باسم «تمازيغت موساوي»، على خلفية تدوينة انتقدت فيها نتائج الانتخابات التشريعية المجراة يوم 2 يوليوز. إذ أمر قاضي محكمة مشدالة، يوم 6 شتنبر، بإيداعها الحبس المؤقت فورا بعد توظيف المادة 296 من قانون الانتخابات كأداة لتجريم تقييمها للمسار الانتخابي.
خضعت موساوي لجلسة محاكمة في 16 شتنبر التمست خلالها النيابة العامة حبسها سنتين نافذتين، وظلت محرومة من حريتها وبعيدة عن أطفالها لأكثر من أسبوعين حتى النطق بالحكم يوم 22 شتنبر، والذي قضى بحبسها عاما موقوف النفاذ؛ وهو تدبير يكشف استغلال الحبس المؤقت كعقوبة جسدية مسبقة تمارسها السلطات ضد المعلمين والمربين الذين يتجرؤون على نقاش الشأن العام.
ولم تسلم مدينة تلمسان من هذا السعار الأمني، حيث اقتحمت عناصر الشرطة منزل الناشط بومدين بوزيزة، الملقب بـ«ديدن هشام»، يوم الأربعاء 2 شتنبر واعتقلته فورا، قبل وضعه تحت الحراسة النظرية وتقديمه صبيحة اليوم الموالي أمام وكيل الجمهورية الذي رمى به مباشرة إلى المحاكمة وفق إجراءات التلبس، بسبب منشورات رقمية تنتقد الواقع العام.
إقرأ أيضا : أمنيستي تدين استخدام سلطات الجزائر لقانون الإرهاب لقمع المعارضين
وفي 3 شتنبر، أصدر قسم الجنح بمحكمة تلمسان حكما نافذا بالحبس 18 شهرا مع الإيداع الفوري في الجلسة وغرامة بقيمة 50 ألف دينار ضد بوزيزة، بعدما كيفت النيابة العامة تدويناته وفق منظومة تجريمية ثقيلة شملت المواد 53 و79 و96 و100 مكرر 2 من قانون العقوبات، ناسبة إليه تهم المساس بوحدة الوطن عبر تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والترويج العمدي لمنشورات تحريضية تضر بالمصلحة الوطنية، والتحريض على التجمهر غير المسلح.
وامتدت يد الملاحقة في عنابة لتخنق الفضاء الأكاديمي، حين استدعت الشرطة المركزية الباحثة في علوم الكيمياء والأستاذة الجامعية نسيمة صويلح يوم الثلاثاء 15 شتنبر، لتخضعها لتحقيق رسمي تمحور حول تدوينات تقاسمها حسابها على «فيسبوك». ورغم إخلاء سبيلها المؤقت، أحيلت صويلح صبيحة الخميس 17 شتنبر أمام وكيل الجمهورية بمحكمة الحجار، الذي دفع بملفها إلى المثول الفوري.
وطالبت النيابة العامة خلال الجلسة بتوقيع عقوبة السجن ثلاث سنوات نافذة في حق الباحثة الجامعية، لتصدر المحكمة في اليوم نفسه حكما بإدانتها بعام حبسا موقوف النفاذ وغرامة نافذة قدرها 50 ألف دينار جزائري؛ وهي خطوة تكرس محاصرة النخب الفكرية والعلمية وإشاعة الرعب داخل المدرجات الجامعية لمنع أي انخراط في نقد السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، أدانت «منظمة شعاع لحقوق الإنسان» هذا المنحى العقابي المفرط، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن الناشطين المعتقلين، مع الوقف التام لكافة المتابعات القضائية المترتبة عن ممارسة الرأي.
وشددت المنظمة الحقوقية الكائن مقرها في لندن على أن ممارسة التعبير السلمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي تشكل حقا أصيلا ومكفولا، ولا يمكن بأي حال تكييفه كموجب للاعتقال أو العقاب الجنائي، داعية إلى رفع يد الأجهزة الأمنية عن الفضاء الافتراضي وصون الحريات الأساسية للمواطنين دون ترهيب أو ملاحقة.
المادة 87 مكرر.. فزاعة التكييف الإرهابي
تندرج هذه الوقائع ضمن نسق أمني يستند إلى نصوص عقابية مطاطة تحول النص المدون إلى قرينة إدانة جنائية. وتُظهر تقارير المنظمات الحقوقية، كـ«منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» و«اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين»، أن السلطات وظفت المادة 87 مكرر لتجريد الأصوات الحرة من حمايتها الدستورية ودمغ الانتقادات المشروعة بجرائم أمن الدولة.
يعكس ملف الشاعر محمد تجاديت، المدان بخمس سنوات حبسا نافذا، هذا النهج الانتقامي، بعدما بنيت إدانته بالكامل على مقاطع مصورة وتدوينات تناولت اختناق الوضع المعيشي والسياسي.
وبالحدّة نفسها، استقر الناشط الطاهر العربي تحت وطأة حكم جائر بالسجن 15 عاما لمجرد منشورات إلكترونية اعتبرها خبراء الأمم المتحدة احتجازا تعسفيا يفتقر لأي ركن مادي للجريمة.
ويمتد الترهيب ذاته نحو المعتقلين رهن الحبس الاحتياطي، مثل عبد الوكيل بلام الذي يواجه تهما بالإرهاب استنادا إلى منشورات تضامنية مع المطالب الشعبية. وتتكامل الصورة بالمضايقات الممنهجة الموجهة ضد مدير إذاعة «سارباكان» عبد الكريم زغيلش عبر تلاحق المتابعات القضائية بتهمة المساس بالمصلحة الوطنية، والصحفي المستقل مصطفى بن جامع الملاحق بأحكام مع وقف التنفيذ وحظر من السفر بسبب دفاعه المستمر عن سجناء الرأي.
إقرأ أيضا : الجزائر: تبون يدشن سياسته الزائفة للتهدئة بحملة اعتقالات واسعة للنشطاء السياسيين
وتُرسخ ممارسات العسكر في الجزائر بيئة تفتقر لأبسط شروط الأمان الرقمي، محولة الحسابات الافتراضية إلى أدلة إدانة جاهزة. ويقود هذا الخنق الممنهج إلى إفراغ الفضاء العام بمختلف أشكاله من أي نقاش مدني، وتكريس سياسة الترويع التي تعاقب على الكلمة وتضع الشاشات تحت وصاية التحقيق الجنائي.
