تمثل هذه السلوكيات قاعدة ثابتة في الفيزياء السياسية لنظام الجزائر: فكلما اتسعت الهوة بين السلطة والشعب، وكلما فرغت صناديق الاقتراع، ارتفعت نبرة الهذيان التآمري لدى صناع القرار.
وأمام الهزيمة التاريخية في التشريعيات الأخيرة المجرية في يوليوز 2026، عجزت الطغمة العسكرية عن إيجاد مخرج يداري إفلاسها سوى بالعودة إلى أسطوانتها المشروخة، عبر اختلاق تهديد خارجي والتركيز الهوسي على شماعتها المفضلة، المغرب.
وفي هذا الفصل الجديد من مسرحية رديئة الإخراج، تحاول السلطات الجزائرية بشتى الطرق التغطية على اقتراع قاطعه السواد الأعظم من المواطنين، مشهرة فزاعة تحالف تخريبي مفترض بين المغاربة وقبائل منطقة «الماك». غير أن هذه المناورة التضليلية الفجة لم تعد تنطلي على أحد.
إقرأ أيضا : فضيحة الانتخابات التشريعية في الجزائر: بين مقاطعة الأحياء وتصويت الأموات
وبدت آخر صيحات النظام الجزائري للتغطية على الفضيحة الانتخابية مثيرة للشفقة والتهكم. إذ أصدرت وزارة الدفاع الوطني، يوم الاثنين 13 يوليوز 2026، بيانا رسميا تعلن فيه بلهجة حاسمة ومبالغ فيها تفكيك «خلية إجرامية» في ولاية تيزي وزو، عاصمة منطقة القبائل.
واستهدفت هذه العملية ستة أعضاء ينتمون إلى حركة تقرير مصير منطقة القبائل «الماك» ذات التوجه السلمي، والتي تصنفها الطغمة العسكرية تنظيما إرهابيا، من بينهم أربعة مواطنين مغاربة.
وحسب الدعاية الرسمية، فإنه «في إطار العمليات الميدانية الرامية إلى تأمين المواطنين، وبفضل الاستغلال الأمثل للمعلومات الاستخباراتية، فككت المصالح المركزية لأمن الجيش بولاية تيزي وزو مجموعة إجرامية تتكون من ستة أشخاص ينتمون إلى الحركة الإرهابية ماك، من بينهم أربعة رعايا مغاربة يقيمون بطريقة غير شرعية في الجزائر».
وتبلغ الكوميديا السوداء ذروتها حين تدعي وزارة الدفاع، دون خجل، أن هؤلاء الأشخاص الستة كانوا «ينشطون في المنطقة خلال الانتخابات التشريعية بهدف عرقلة السير العادي للاقتراع ومنع المواطنين من التصويت». ويسعى النظام بشتى الوسائل إلى تسويق هذا الإخراج الركيك كدليل على قوته وضبطه للأمور.
وزعم البيان أن «هذه العملية تؤكد يقظة مختلف الأجهزة الأمنية وقدرتها على إحباط المخططات الإجرامية من خلال توقيف كافة عناصر هذه المجموعة التخريبية التي كانت تستهدف المساس بأمن واستقرار البلاد». قد يدفع هذا الادعاء المرء إلى السخرية والتصفيق تهكما، إذ إن ربط المقاطعة الشعبية الشاملة لبلد بأكمله ولمنطقة واسعة بتحركات أربعة مغاربة مقيمين بطرق غير نظامية، يشبه سيناريو فيلم رديء أنتجته على عجل أجهزة أمنية منفصلة تماما عن الواقع المعيش.
أما الحقيقة الميدانية التي تحاول كذبة الدولة جاهدة حجبها، فتبدو قاسية جدا على قصر المرادية، وتؤكد أن الشعب الجزائري أعلن طلاقه البائن والنهائي مع حكامه. وحتى الأرقام الرسمية حصرت نسبة المشاركة الوطنية في حدود 20 في المائة فقط.
وفي ظل سلطة تحترف التلاعب بالأرقام وتضخيمها، تبدو الحقيقة أكثر قتامة. وللحصول على معطيات قريبة من الواقع في الجزائر، يتطلب الأمر عادة تقسيم الأرقام الرسمية على أربعة، ومع ذلك يظل الرقم المعلن أضعف نسبة مشاركة في تاريخ البلاد المعاصر.
المقاطعة وثيقة لإعلان الاستقلال
ويلخص المؤرخ الفرنسي المتخصص في الشأن الإفريقي، برنار لوغان، هذا الشرخ العميق في مقال رأي نشر يوم 14 يوليوز 2026 في موقع Le360 قائلا: إن ما يحدث هو «حراك صامت في الجزائر، حيث يبرهن 80 في المائة من الجزائريين، اقتراعا تلو الآخر، أن النظام يفتقد للشرعية في نظرهم».
وكان النظام قد رمى بكل ثقله في هذه المعركة، ودفع بعبد المجيد تبون إلى القيام بزيارة دعائية إلى منطقة القبائل لاستمالة السكان، لكنها كانت ضربة في الماء.
وفي هذا السياق، يوضح الناشط أكسيل بلعباسي أن «هذه الزيارة القسرية لم تسفر عن أي نتيجة، فالشعب القبائلي المحكوم عليه بالعيش في سجن مفتوح اختار التعبير بصمت مدو، والمقاطعة الممنهجة والواسعة لكل الاستحقاقات تبرهن بوضوح أنه يرفض الانخراط في أوهام العاصمة».
ويتجاوز هذا العزوف التاريخي مجرد الامتناع عن التصويت ليتخذ شكل وثيقة حقيقية لإعلان الاستقلال السياسي لشعب القبائل الرافض لمنح أي تزكية لنظام الجزائر. ويضيف بلعباسي مؤكدا أنه «منذ اعتلاء تبون سدة الحكم، قاطع شعب القبائل الصناديق للمرة الخامسة تواليا، وبالنسبة إلينا، يمثل كل اقتراع يجري مقاطعته استفتاء شعبيا لتقرير المصير، وتأكيدا على غياب أي شرعية لهذه السلطة فوق أراضينا».
دعوة إلى الحذر والحيطة
وفي غمرة هذا التحلل الشامل، تحول توجيه أصابع الاتهام إلى حركة الماك والمغرب إلى مسألة بقاء سياسي لجنرالات ثكنة بن عكنون. ولا تقتصر بارانويا السلطة على مجرد خطابات دعائية، بل تجاوزت ذلك لتهدد سلامة أشخاص أبرياء.
فبدل الاكتفاء بتحويل فضيحة الصناديق إلى رواية جاسوسية رخيصة، ذهبت الأبواق الإعلامية التابعة للنظام بعيدا في سلوكها التحريضي. وعقب صدور بيان وزارة الدفاع، بدأت مطابخ البروباغندا حملة شعواء ضد الجالية المغربية المقيمة هناك.
ولتسويق هذا الشحن العنصري وتبرير حملة الملاحقة، يروج كتّاب البلاط لرقم خيالي ومضحك يتحدث عن وجود «مليون مغربي في وضعية غير قانونية» يجوبون البلاد. ويهدف هذا الهذيان الإحصائي إلى زرع الرعب في نفوس رأي عام يئن تحت وطأة الأزمات المعيشية، من خلال تصوير عمال بسطاء كخلايا نائمة تخدم «تحالفا مغربيا صهيونيا» وهميا.
وتذهب هذه المنابر المحسوبة على العسكر بعيدا بسلوكها التحريضي، لتقارن بين الوضع المغاربي وأساليب تسلل الموساد في إيران، مطالبة بحملة تطهير واسعة النطاق ضد المغاربة.
ولم يتردد إعلام النظام، في سقوط أخلاقي جديد، في التباهي بصفحة سوداء من التاريخ المعاصر، متمثلة في الطرد الجماعي والتعسفي الذي نفذه هواري بومدين في دجنبر 1975، تزامنا مع يوم عيد الأضحى، في حق 350 ألف مواطن مغربي تم ترحيلهم قسرا وتشتيت عائلاتهم كرد فعل على المسيرة الخضراء.
إن استحضار هذه المأساة الإنسانية اليوم واعتبارها «نموذجا للحسم» والتهديد بتكرارها، يؤكد استعداد حكام الجزائر لتفعيل أسوأ أدوات إرهاب الدولة والتضحية بمصائر الناس من أجل تأمين بقائهم في السلطة.
إقرأ أيضا : الانتخابات التشريعية في الجزائر: مشاهد مضحكة تكشف عمق الفجوة بين الشعب والنظام
وفي ظل هذا المنزلق الخطير والبحث المحموم عن شماعات خارجية، وجه أكسيل بلعباسي نداء يتسم بالكثير من القلق والجدية إلى المغاربة المقيمين هناك. وقال بلعباسي في ندائه إنها «خطوة صعبة لكنها ضرورية لحماية إخواننا وأخواتنا المغاربة، إذ يتعين عليهم مغادرة الجزائر والمنطقة في أقرب وقت لحماية أنفسهم من بطش نظام مأزوم مستعد للتضحية بالأبرياء لخدمة مصالحه الضيقة».
وأردف المتحدث ذاته قائلا: «نأمل أن تتغير الأوضاع مستقبلا لنرحب بهم مجددا كإخوة في بلاد القبائل الحرة، لكن اللحظة الحالية تفرض توخي أقصى درجات الحيطة والحذر».
ويبدو أن مسرحية توقيف مغاربة بتهمة الانتماء لحركة مسلحة لا تعدو كونها عرضا جانبيا يعكس حالة التحلل المتقدم التي يعيشها النظام. فالعسكر الحاكم، العاجز عن تقديم أي أفق اقتصادي للشباب والمنبوذ شعبيا، بات يستمد استمراريته فقط من لغة الحديد والنار والعداء الممنهج للمملكة.
لكن الإفراط في تسويق المؤامرات الوهمية للتغطية على الفشل الذريع لم يعد يجلب للنظام سوى نفور جيرانه والرفض الصامت من مواطنيه، وهو الصمت الذي يحمل في طياته بذور تداعي البنيان وتفككه الحتمي.
