شهد الأسبوع الماضي حدثا ضخما كان العالم بأسره يترقبه؛ حدثا يفوق في أهميته قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، ويتجاوز زخم كأس العالم لكرة القدم. هذا الحدث لم يكن سوى الانتخابات التشريعية الجزائرية.
لكن، من التفت حقا إلى هذا الاستحقاق؟ أي محلل أو معلق توقف عند انتخابات الثاني من يوليوز في الجزائر؟
كان الرهان يكمن في اختيار 407 نواب للمجلس الشعبي الوطني؛ نواب يفترض أن يشرعوا القوانين ويراقبوا العمل الحكومي. غير أن الواقع في العاصمة الجزائر يسير في اتجاه آخر تماما؛ إذ لا يملك هؤلاء النواب أي سلطة فعلية، وتحول البرلمان إلى مجرد غرفة للتسجيل تبصم بالأغلبية المطلقة على مشاريع القوانين التي تحيلها إليها الحكومة.
لا توجد حكومة أطيح بها هنا، ولا ملتمس رقابة تم تفعيله؛ بل إن هذه التشريعيات، تماما كالرئاسيات، لا تعدو أن تكون مجرد «قرية بوتيمكين» لتزيين واجهة الديمقراطية الجزائرية. ولم تخرج النتائج الأخيرة عن السيناريو المتوقع، حيث تقاسم حزبا السلطة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، حصة الأسد من المقاعد.
ضجت منصات التواصل الاجتماعي يوم الاقتراع بصور حشود تنتظر تحت أشعة الشمس الحارقة فتح مكاتب التصويت. مشهد مألوف يتكرر مع كل موعد انتخابي، حيث توظف السلطة المجندين بملابسهم المدنية لملء الفراغ وإظهار حركية مصطنعة. فالنتيجة الفعلية لا تهم أحدا، والمؤشر الوحيد الحاسم هو نسبة المشاركة؛ إذ تعكس نسب التصويت المرتفعة عادة صحة المسار الديمقراطي واهتمام المواطنين ببناء مستقبل بلدهم. أما في الجزائر، فإن تراجع نسب المشاركة يعري واقع هذه الصحة الديمقراطية المعتلة، حيث استقرت النسبة الرسمية المعلنة لعام 2026 عند أقل من 21% (20,79% تحديدا).
«يفضل المواطن الجزائري المقاطعة لعلمه أن اللعبة محسومة سلفا، متسائلا عن جدوى التوجه إلى صناديق الاقتراع لتزكية نظام سياسي لا يقيم وزنا لأصوات الناخبين»
— كزافيي دريانكور
يسجل مؤشر المشاركة تراجعا مستمرا؛ فبعد أن كان مستقرا رسميا عند 65,6% عام 1997، هوى خلال حقبة بوتفليقة إلى 46% عام 2002 ثم 35,5% عام 2007. ورغم صعوده الطفيف إلى 43% عام 2012، عاد ليتراجع إلى 35,7% عام 2017، لتسجل أولى تشريعيات ما بعد الحراك نسبة لم تتعد 23%.
أذكر جيدا خلال فترة عملي الأولى كسفير في الجزائر كيف دخلنا في مراهنة داخل السفارة حول نسبة المشاركة والنتائج المرتقبة؛ وكانت المفاجأة أن أحد زملائنا، بفضل اتصالاته مع «الأجهزة»، توقع الرقمين بدقة متناهية، وهو ما يؤكد أن هذه الأرقام تطبخ مسبقا في دهاليز قصر المرادية.
أمام هذه الأرقام المصنوعة، يفضل المواطن الجزائري المقاطعة لعلمه أن اللعبة محسومة سلفا، متسائلا عن جدوى التوجه إلى صناديق الاقتراع لتزكية نظام سياسي لا يقيم وزنا لأصوات الناخبين.
لطالما نهجت السلطة تكتيكا محكما يهدف إلى إيهام البلدان الأوروبية، على وجه الخصوص، بوجود «لعبة ديمقراطية»؛ تكتيك يقوم على تشتيت الخريطة الحزبية وتفريخ تنظيمات سياسية بهدف خلق معارضات كرتونية يسهل رشوها وإفسادها، بالتزامن مع تفضيل الأحزاب التقليدية القديمة والمهيكلة، مثل جبهة التحرير التاريخية أو التجمع الوطني الديمقراطي إبان سنوات بوتفليقة وأويحيى. وهي خطة مجربة تسهل بلقنة الكتل البرلمانية وتفتيتها.
وفي خطوة لافتة، وبعد أن كانت إدارة الانتخابات موكولة لجهة توصف بالمستقلة وهي «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، تقرر في مارس من هذا العام سحب هذه الصلاحية منها وإعادتها إلى وزارة الداخلية، وإلى وزارة الخارجية فيما يتعلق بمكاتب التصويت في الخارج.
بدا نظام تبون متوجسا من النتائج هذه السنة، فعمد إلى إسقاط نحو ثلث الترشيحات تحت مبررات واهية، أبرزها وجود صلات مع أوساط المال والأعمال، مستندا إلى المادة 200 من قانون الانتخابات الجديد؛ وهو مقتضى فضفاض يتيح للسلطة إقصاء كل وجه غير مرغوب فيه، الأمر الذي ساهم مباشرة في تعميق عزوف الناخبين.
تظل نسبة المشاركة في منطقة القبائل تحت المجهر؛ فهذه الربوع التي تقف تاريخيا في صف المعارضة وترفض الأحزاب الموالية، عبرت عن موقفها بمقاطعة واسعة ترقى إلى مستوى المقاطعة الشاملة.
ورغم أن النسبة الرسمية المعلنة هناك ناهزت 15%، وهي نسبة تبدو مرتفعة مقارنة بالمعدلات المعتادة التي لا تتجاوز 2% في مثل هذه المواعيد، فإن النواب المنحدرين من المنطقة، البالغ عددهم نحو 40 نائبا من أصل 407، لا ينظر إليهم محليا إلا بصفتهم «قبائل الخدمة»؛ ومثل هذه المعطيات تؤكد أن هذا الاستحقاق كان حدثا بالغ الأهمية، وأن الصحافة الدولية أخطأت تماما حين تجاهلت التعليق عليه.
