استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي: النظام الجزائري ينحني أمام باماكو

أسيمي غويتا، رئيس جمهورية مالي ووزير دفاعها

في 13/07/2026 على الساعة 20:30

أعلن النظام الجزائري، يوم الجمعة 10 يوليوز، عبر بيانين مختلفين صادرين عن وزارتين، إنهاء إغلاق مجاله الجوي أمام الطائرات القادمة من مالي أو المتجهة إليها، والعودة الفورية لسفيره إلى باماكو. وردت مالي بالمثل باتخاذ الإجراءات نفسها. هل هذه نهاية أزمة مستمرة منذ عام 2020؟ لا شيء أقل يقينا من ذلك...

بلغت هذه الأزمة ذروتها في أبريل 2025، بقطع جميع العلاقات وتبادل اتهامات خطيرة بين البلدين. هل يبشر إعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بمصالحة؟ لا شيء أقل يقينا من ذلك، بالنظر إلى استمرار جميع الأسباب الجذرية للأزمة، وتراجع النظام الجزائري الآن أمام باماكو، لمجرد تخفيف قبضة العزلة التامة التي فرضها على نفسه مع معظم جيرانه.

تراجع النظام الجزائري واعترف بشكل ضمني بتدخله السافر في الشؤون الداخلية لجيرانه في منطقة الساحل، ولا سيما مالي. وإلا، فكيف لنا أن نفسر هذا التراجع المفاجئ من خلال الإعلان الرسمي عن إجراءين لصالح مالي؟

فقد أعلن النظام الجزائري، في البداية عبر بيان صحفي صادر عن وزارة الدفاع، تبعه بيان آخر صادر عن وزارة الخارجية، عن فتح المجال الجوي واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي.

وكان بيان وزارة الدفاع الجزائرية هو الأسبق في اتخاذ هذه الإجراءات، إذ أعلن أن «الجزائر قررت، اعتبارا من اليوم، الجمعة 10 يوليوز 2026، إعادة فتح مجالها الجوي الوطني بالكامل أمام حركة الطيران المالية. ويشمل هذا القرار جميع الرحلات الجوية من وإلى مالي عبر مختلف الوجهات الدولية». ومع ذلك، لم يحدد البيان الجهة التي اتخذت هذا القرار، ما يوحي بأن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق سعيد شنقريحة، هو من وقع هذا الإجراء، الذي يدخل في اختصاصاته بأي حال من الأحوال، إذ أن عبد المجيد تبون هو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع. على الأقل، هذا هو الوضع من الناحية الدستورية.

ومباشرة بعد هذا البيان الصادر عن وزارة الدفاع الوطني، صدر بيان وزارة الخارجية الذي يوضح أن «رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، قد أمر بعودة السيد كمال رتيب إلى باماكو، بصفته سفيرا مفوضا فوق العادة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى جمهورية مالي، اعتبارا من اليوم، 10 يوليوز 2026».

من قال إن جناح الرئاسة في قصر المرادية وجناح الجنرالات لا يتنافسان من أجل اتخاذ أهم القرارات في هذا البلد؟

من جانبها، ردت مالي على هذا الاستسلام من جانب النظام الجزائري ببيان واحد صادر باسم الحكومة المالية بأكملها. وجاء في البيان: «في إطار إعادة الدينامية لعلاقات التعاون والأخوة مع الجزائر، قررت الحكومة المالية اتخاذ الإجراءات التالية: عودة السفير المفوض فوق العادة لجمهورية مالي لدى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية إلى الجزائر، وإعادة فتح المجال الجوي الوطني أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية التي تسير رحلات جوية من وإلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية». إلا أن مالي لم تحدد موعدا لعودة السفير إلى الجزائر.

في الواقع، لا تزال جميع الأسباب الجذرية للأزمة بين البلدين متوفرة دون حل. إلى جانب حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية من قبل الجيش الجزائري ليلة 31 مارس إلى فاتح أبريل 2025، وهي طائرة أسقطت داخل الأراضي المالية أثناء قيامها، وفقا للرواية المالية، بملاحقة جماعات إرهابية، والتي أدت إلى استدعاء سفيري البلدين وإغلاق الجزائر مجالها الجوي مع مالي، فإن للأزمة الجزائرية المالية جذورا أعمق بكثير.

فبعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة الجزائرية، تجرأ عبد المجيد تبون على إدانة الانقلاب العسكري الذي وقع يوم 18 غشت 2020، والذي نفذه العقيد أسيمي غويتا في باماكو، على الرغم من أنه هو نفسه كان قد فرض في قصر المرادية من قبل قيادة الجيش الجزائري. وقد ندد محتجو الحراك الشعبي الجزائري بعدم شرعيته لعدة أشهر في شوارع الجزائر.

استند تبون إلى كون بلاده راعية لاتفاقيات الجزائر لعام 2015 بين مختلف الفصائل المالية للتنديد بالانقلاب في مالي. إلا أنه بعد أن بسطت الحكومة سيطرتها على معظم أنحاء البلاد عقب انسحاب القوات الفرنسية (عملية سرفال) وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (مينوسما)، أعلنت بطلان اتفاقيات الجزائر.

ورد النظام الجزائري بأعمال عدائية تجاه مالي، منها استضافة تبون لشخصيات معارضة مالية، من بينهم الإمام محمود ديكو، الذي كان شوكة في خاصرة حكومة باماكو، بالإضافة إلى بعض قادة الانفصاليين الطوارق. وهذا فضلا عن منح اللجوء في جنوب الجزائر لإياد أغ غالي، زعيم الجماعة الإسلامية في مالي، المطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

وأثارت هذه الاستفزازات الجزائرية ردود فعل قوية من السلطات المالية، بما في ذلك مسؤولين رفيعي المستوى مثل رئيس الوزراء عبد الله مايغا ووزير الخارجية عبدولاي ديوب، اللذين لم يترددا في اتهام النظام الجزائري برعاية الإرهاب في منطقة الساحل. وقد كرر الوزير الأول المالي هذا الاتهام في دورتين متتاليتين للجمعية العامة للأمم المتحدة. كما وصف المسؤولين الجزائريين، بحضور وفود من مختلف أنحاء العالم، بـ«المعتوهين دبلوماسيا».

ويرجح أن يكون فشل الهجوم العسكري المنسق الذي شنه الانفصاليون الطوارق في مالي وإرهابيو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (التابعة لتنظيم القاعدة) في 25 أبريل الماضي، هو السبب وراء محاولة التهدئة التي بدأتها الجزائر. كاد الانفصاليون الطوارق والجيش الإسلامي الجزائري أن يطيحوا بنظام أسيمي غويتا في أبريل الماضي، قبل أن يستعيد الجيش المالي زمام المبادرة في الأيام الأخيرة، ملحقا الهزيمة بخصومهم. ولذلك، وبسبب فشل النظام الجزائري في وضع باماكو تحت سيطرة تحالف طوارقي يدعمه عسكريا وسياسيا، يجد نفسه مضطرا لإعادة بناء العلاقات مع السلطات المالية، التي وجهت له ضربة قوية بسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية. إلا أن تحقيق أي مصالحة مع مالي يتطلب قرارات أخرى من النظام الجزائري، الذي يجب أن يضع حدا لدبلوماسية التخريب المسلح التي يمارسها ضد الدول المجاورة.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 13/07/2026 على الساعة 20:30