انعقاد جلسة محاكمة «أيقونة الحراك» الجزائري اليوم يتزامن مع ضغط دولي غير مسبوق؛ حيث كسر خبراء تابعون للأمم المتحدة صمتهم ببيان شديد اللهجة صدر في 28 أبريل الجاري، معربين عن قلقهم العميق إزاء إعادة فتح قضايا سبق البت فيها قضائيا.
وحذر الخبراء الأمميون من تعمد السلطات الجزائرية استخدام المادة 77 من قانون العقوبات لإضفاء صبغة جنائية ثقيلة على أنشطة تعبيرية سلمية، مشيرين إلى أن إعادة تكييف التهم لتشمل «الاعتداء والتآمر ضد سلطة الدولة» و«المساس بسلامة التراب الوطني» يفتح الباب أمام أحكام قصوى تصل إلى الإعدام.
واعتبر البيان الأممي أن هذه الملاحقات تشكل خرقا صريحا لمبدأ «عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن نفس الأفعال»، خاصة وأن تجاديت حوكم سابقا في مارس 2022 على خلفية الوقائع ذاتها، مما يعكس رغبة في استدامة احتجازه عبر «هندسة قانونية» تستهدف ترهيب الأصوات المنتقدة.
كرونولوجيا استهداف ممنهج
لا تبدو محاكمة اليوم سوى حلقة في مسلسل طويل من التضييق الممنهج الذي حول حياة الشاب الثلاثيني إلى رحلة تيه بين السجون. فمنذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى السلطة أواخر عام 2019، تكرر مشهد اعتقال تجاديت وإدانته لأكثر من خمس مرات، في مفارقة لافتة بين شعارات «الانفتاح» وواقع القمع الميداني:
دجنبر 2019: أولى العقوبات بالسجن لمدة 18 شهرا بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية»، تلاها عفو رئاسي في يناير 2020.
غشت 2020: اعتقال جديد بسبب قصيدة لاذعة انتقد فيها السلطة، وظل رهن الحبس المؤقت حتى مطلع 2021.
أبريل 2021: ملاحقة بتهمة «التشهير» عقب كشفه عن فضيحة اعتداء جنسي طالت قاصرا داخل مركز شرطة، وهي الواقعة التي كلفته السجن حتى أغسطس 2022.
يناير 2025: توقيف جديد انتهى بالحكم عليه بـ5 سنوات سجنا، خُففت لاحقا إلى عام واحد في الاستئناف، قبل أن يُعاد تشديد الخناق عليه مجددا بتهم «الإرهاب».
نونبر 2025 وحتى الآن: انطلقت الجولة الأعنف من الملاحقات، حيث استُخدمت المادة 87 مكرر (الخاصة بالإرهاب) لتشديد الخناق عليه، وتمت إدانته ابتدائيا بتهمة «الإشادة بأعمال إرهابية»، وهي العقوبة التي أيدتها محكمة الاستئناف في يناير 2026 لتستقر عند 3 سنوات (منها سنتان نافذتان)، ثم تلا ذلك إدراج تهم جنائية جديدة في محاكمة اليوم.
من شاعر إلى «إرهابي»
تكمن خطورة التوجه القضائي الحالي في توظيف قانون العقوبات الجديد لسنة 2024، الذي يصفه حقوقيون بأنه «الأكثر تقييدا للحريات». فمن خلال المادة 87 مكرر، تحولت كتابات تجاديت النقدية وقصائده بالدارجة الجزائرية إلى «جناية إشادة بأعمال إرهابية» و«استخدام تكنولوجيات الإعلام لدعم كيانات تخريبية».
إقرأ أيضا : الجزائر: محمد تجاديت شاعر «الحراك» الجريء يُسجن مجددا ويدخل في إضراب عن الطعام
هذا التحول القسري في توصيف النشاط السلمي من «جنحة رأي» إلى «جناية إرهابية» هو ما دفع منظمة العفو الدولية للمطالبة بالإفراج الفوري عنه، واصفة تهمه بأنها «مثيرة للسخرية» وتفتقر لأي أساس مادي.
إنها مأساة شاعر يصر النظام على معاملته كإرهابي، في وقت يرى فيه المتابعون أن الخوف الذي يثيره بكلماته هو الدليل الأكبر على قدرة الشعر على زعزعة أركان الأنظمة التعسفية.
تختزل حالة محمد تجاديت راهن الحريات في الجزائر؛ فالرجل الذي استنزف السجن من عمره أكثر من 66 شهرا منذ عام 2020، يجد نفسه اليوم واقفا على حافة عقوبة الإعدام في مواجهة قضائية غير مسبوقة.
إقرأ أيضا : هراوة القانون في «الجزائر الجديدة».. سعار أمني يطارد النخب ويسجن الكلمة
وبينما تتشبث السلطات بملفات قضائية قوامها النشاط الرقمي والتواصل عبر تطبيقات المراسلة، تؤكد منظمة العفو الدولية في موقفها الأخير أن هذا الشاب لا يعدو كونه محتجزا تعسفيا لمجرد ممارسته حقوقه المشروعة.
ويبقى الرهان اليوم، مع انطلاق محاكمته الجديدة، على مدى استجابة القضاء للمطالب الحقوقية بإسقاط التهم التي تفتقر إلى سند مادي، والتي لا تبدو في جوهرها سوى محاولة أخيرة لوأد «شعلة الحراك» التي يصر الشاعر على إبقائها متقدة بكلماته.. حتى وهو خلف القضبان.
