مئات الكيلومترات من الامتداد الصحراوي، وعائلات تسكن الوجدان بين المهمة والأخرى.. تحديات استثنائية تواجه أفراد القوات المسلحة الملكية المرابطين بالمنطقة الجنوبية. شساعة المجال، وقسوة المناخ، وعزلة المواقع المتقدمة عن الحواضر، عوامل تجعل من هذه الجغرافيا امتحانا مستمرا للقدرات البدنية والنفسية.
وتواجه الوحدات العاملة هناك إكراهات مغايرة تماما لما تشهده بقية المناطق؛ إذ تعيش في بيئة وصفتها مجلة «القوات المسلحة الملكية» في عددها الأخير (رقم 432) بأنها محيط «يختبر باستمرار قدرات القوات المسلحة»، ما يفرض «التزاما كاملا وجاهزية تامة لتنفيذ المهام الموكولة إليها».
وأمام هذه الوضعية، أفرزت القوات المسلحة الملكية، عبر سنوات من التراكم، منظومة رعاية شاملة تطال مناحي حياة الجندي كافة؛ من تكوين، ولوجستيك، وإيواء، وصحة، وتغذية، واتصالات، فضلا عن التأطير النفسي والديني.. أبعاد يومية تحظى بمتابعة مؤسساتية دقيقة وممنهجة.
جغرافيا تفرض الكفاءة القصوى
يتطلب استيعاب طبيعة عمل القوات المسلحة الملكية بالجنوب فهم معنى المرابطة في تلك الربوع؛ فالدرجات القياسية للحرارة، والعواصف الرملية، والتضاريس الوعرة، والمسافات الشاسعة بين خطوط الانتشار ومراكز الدعم، تحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى معارك لوجستية معقدة.
إن تأمين الماء الشروب، والحفاظ على سلسلة التبريد، وضمان التغطية الهاتفية، أو حتى تنسيق دورية الرخص والبرامج التناوبية، عمليات تستوجب تعبئة موارد وتخطيطا صارما لا تحتاجه بقية البيئات العسكرية.
وتعاملت قيادة المنطقة الجنوبية مع هذه الإكراهات برؤية استشرافية دقيقة؛ إذ يخضع التناوب بين الوحدات لجدولة محكمة، توازن بين فترات الخدمة والراحة لخفض الضغط العملياتي عن الأفراد، مع مراعاة المؤهلات الفردية عند توزيع المهام.
Dans la zone Sud.
ويتحمل مكتب العمليات دور المحور المركزي في التنسيق، رابطا بين التخطيط الاستراتيجي والتدبير البشري الميداني، الأمر الذي «يسهم بفعالية في تحسين الظروف المعيشية للعسكريين والرفع من جودة أدائهم في مختلف مسارح العمليات»، وفق ما أوردته المجلة العسكرية.
ويمثل التكوين الحجر الأساس في هذه المنظومة؛ حيث طورت القوات المسلحة الملكية برامج تدريبية مخصصة للبيئة الصحراوية، تشرف عليها خلايا التكوين التابعة لمختلف الوحدات المستقرة بالمنطقة.
وتشمل هذه البرامج التأقلم مع البيئة الصحراوية، وتعزيز التحمل البدني، والإسعافات الأولية، والسلامة المهنية، تزويدا للمقاتل بالآليات الكفيلة بـ«حماية صحته والحفاظ على جاهزيته العملياتية أثناء تنفيذ المهام».
ولا يتوقف التكوين عند حدود الإعداد القتالي؛ بل يمتد لتمكين الجنود من متابعة تخصصات علمية ومواصلة دراستهم الجامعية بمختلف الكليات.
وتتكامل هذه الجهود مع حملات تحسيسية دورية تستهدف السلوكات المحفوفة بالمخاطر، وأي ثغرات قد تهدد سلامة الأفراد والمنشآت، عبر جلسات تفاعلية، وتوجيهات مركزة، وتمارين تطبيقية، غايتها «بناء إنسان متوازن» لا تقل «صحته النفسية والروحية أهمية عن كفاءته البدنية».
البنية الجسدية ركيزة قتالية
تحظى اللياقة البدنية بمتابعة مؤسساتية حثيثة؛ إذ وفرت القوات المسلحة الملكية قاعات رياضية مجهزة، وملاعب خارجية، وفضاءات ترفيهية داخل الوحدات المنتشرة بالمنطقة، مع إدراج حصص رياضية منتظمة ضمن البرامج التدريبية لمختلف الفيالق.
وتتنوع الأنشطة بين الرياضات الجماعية ككرة القدم، والتمارين الفردية لرفع اللياقة، المصممة للحفاظ على «القدرة على التحمل والمقاومة البدنية في الظروف المناخية الصعبة».
وشددت مجلة القوات المسلحة الملكية على الأثر النفسي للممارسة الرياضية، معتبرة إياها «متنفسا نفسيا يسهم في الاسترخاء، وكسر الروتين اليومي، وتفريغ شحنات الضغط». كما أن شعور الإنجاز المتولد عن النشاط البدني المنتظم «يعزز الثقة بالنفس، ويوطد العزيمة، ويخلق حالة من التفاؤل والمرونة النفسية»، ما يجعل الوحدات «قادرة على مواجهة التحديات بروح الفريق وبعزيمة قتالية عالية».
وفي عزلة الصحراء، يبرز التأطير الديني كعنصر بنيوي حرصت القوات المسلحة الملكية على مأسسته؛ حيث يتواجد مرشدون دينيون مؤهلون، جرى اختيارهم بعناية من قِبل القيادة، داخل المواقع المتقدمة، ليكونوا «آذانا صاغية، وموجهين، ومصدر دعم للجميع»، حسب تعبير المجلة.
ويشتغل البُعد الروحي على واجهات متعددة في الآن ذاته؛ إذ يمنح الجندي «الصبر والسكينة»، ويزكي فيه «الأمل حتى في أحلك الظروف»، كما «يقوي معنوياته بشكل ملحوظ».
أما الأثر الأكثر عمقا فيتجلى في البعد الجماعي؛ فالإرشاد القائم على قيم الإسلام «المبنية على التآزر، والتضامن، والأخوة»، يحول الأفراد إلى «أسرة متماسكة»، ويجعل «كل جندي يشعر بالمسؤولية تجاه زميله».
ويحمل تخصيص حيز زمني مؤسساتي لهذا التأطير رسالة واضحة لكل مجند بأن «صحته النفسية والروحية لا تقل أهمية عن كفاءته البدنية»، وأن «هذا الاستثمار هو الضمانة الحقيقية لجيش قوي ومتماسك روحا وجسدا».
بنيات تحتية تتحدى قسوة المناخ
شهدت ظروف الإيواء استثمارات هامة؛ إذ شيدت الثكنات وأعيد تأهيلها وفق معايير هندسية تراعي «خصوصيات البيئة الصحراوية»، لاسيما «العزل الحراري، وأنظمة التهوية الملائمة، وتقنيات الحماية من العواصف الرملية».
ودُعمت المخابئ العملياتية بمواد وتجهيزات «تضمن سلامة الأفراد وتوفر لهم بيئة مستقرة وآمنة»، مع تزويد كافة الوحدات بالأثاث، وأفرشة النوم، والمرافق الصحية الجماعية، ومعدات الحماية الفردية.
وعلى مستوى المسالك والطرق، بَذلت وحدات الهندسة العسكرية جهودا موازية لإصلاح المحاور الوعرة بالمناطق الجبلية الصعبة. وتتولى هذه الوحدات تطهير المناطق الملوثة بمخلفات الحروب والألغام المضادة للأفراد؛ وهي عمليات «تُنَفَّذ بدقة واحترافية عالية، بهدف تأمين محاور التحرك ومناطق الانتشار والمناورة».
وجعلت قيادة المنطقة الجنوبية «ضمان التزويد بالماء الشروب» في صدارة أولوياتها لتأمين الاستقلالية اللوجستية واستمرارية العمليات؛ فحُفرت الآبار، ووُزعت الصهاريج المتنقلة، وأُنشئت محطات المعالجة والتصفية لضمان تدفق المياه الصالحة للشرب نحو جميع المواقع، بما فيها الأشد عزلة.
ويتيح التنسيق المستمر مع وكالات الأحواض المائية بالمنطقة تدبير التوزيع بنجاعة، بالاستناد إلى دراسات هيدروجيولوجية «لضمان الاستدامة وحماية البيئة».
التموين.. غذاء للجسد والمعنويات
تتعامل القوات المسلحة الملكية مع التموين الميداني كمنظومة متكاملة لا مجرد عملية لوجستية جافة؛ إذ تسهر مصالح التموين على إعداد وتوزيع حصص غذائية متوازنة وعالية الجودة، تشمل المواد الطرية والجافة.
وتُنقل المواد الاستهلاكية كاللحوم، والدواجن، والأسماك عبر شاحنات مبردة مجهزة بأحدث تقنيات الحفظ، كما أعيد تأهيل المستودعات وغرف التبريد وفق آخر المعايير، مع اعتماد أنظمة رقمية لتسيير المخزون «لضمان الاستجابة الفورية لأي حاجة طارئة».
وتحرص القيادة على تنويع المكونات الغذائية «بما يدعم الطاقة البدنية للجنود ويعزز تركيزهم وجاهزيتهم الذهنية أثناء تنفيذ المهام».
وخلال شهر رمضان، تحظى وجبات الإفطار والسحور بعناية استثنائية تعكس التقاليد الأصيلة للمطبخ المغربي، بالرغم من إكراهات البُعد وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق؛ ليتحول التموين بذلك إلى «رافعة أساسية للأداء العملياتي، ودعامة للمعنويات، وسندا للصحة النفسية والبدنية للعسكريين».
ومن الميزات الفريدة لنظام القوات المسلحة الملكية بالمنطقة الجنوبية يبرز نظام «العشرة»، وهو خلية تضامنية تضم عشرة جنود يتشاطرون تفاصيل حياتهم اليومية؛ من وجبات طعام، وفترات راحة وخدمة. هذا النموذج الراسخ في التقاليد العسكرية المغربية «يحول مجموعة من الأفراد إلى عائلة متلاحمة»، ويزرع قيم التضامن والمسؤولية المتبادلة.
ويسهم الإعداد الجماعي للوجبات، انطلاقا من مواد أساسية قد يصعب توفيرها أحيانا، في «تنظيم إيقاع الحياة داخل المواقع المتقدمة، وتمتين أواصر الأخوة بين العسكريين، ومنحهم شعورا بالاستقرار الإنساني رغم قسوة الظروف».
وترى القيادة في هذا النظام دورا حاسما في «تعزيز الصمود العسكري» و«ترسيخ قيم التعاون والتلاحم بين الجنود، مما يمكنهم من مواجهة التحديات العملياتية في أفضل الظروف».
تكنولوجيا حديثة لكسر العزلة
يعد الفراق والابتعاد عن الأهل من أثقل التحديات النفسية التي يواجهها المرابطون بالمنطقة؛ ولتجاوز هذا العائق، استثمرت القيادة بقوة في البنية التحتية للاتصالات.
وعمل سلاح الإشارة، بالتنسيق مع الفاعلين في قطاع الاتصالات، على توسيع تغطية شبكة الهاتف المحمول، ونشر محطات الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية في المناطق التي تفتقر للتغطية.
وتتيح هذه الحلول للجنود الحفاظ على «اتصال منتظم ومباشر مع عائلاتهم»، والولوج إلى الخدمات الإدارية والبنكية عن بُعد، الأمر الذي «يخفف من الأعباء اليومية ويعزز الشعور بالاستقرار».
وبفضل هذه الجهود، تؤكد مجلة القوات المسلحة الملكية أن «التواصل مع العائلة أضحى أكثر سهولة وانتظاما، مما يرفع المعنويات ويخفف من وطأة العزلة التي تفرضها طبيعة الانتشار في المناطق الصحراوية»، موازاة مع تعزيز «التوازن النفسي للعسكريين، باعتباره عنصرا حيويا في الحفاظ على جاهزيتهم العملياتية».
وفي الشق الطبي، تشهد المنظومة الصحية العسكرية بالمنطقة تطورا مستمرا؛ حيث تحدّث المستشفيات العسكرية بنياتها التحتية وتقتني تجهيزات متطورة للفحص والجراحة. وفي هذا السياق، جرى برمجة مركز متخصص في علاج الصدمات الحادة «Trauma Center» بالمستشفى العسكري بوادي درعة بأكادير.
كما أُحدثت مراكز لطب القلب وقسطرة الشرايين بكل من أكادير وكلميم، مما يسمح بالتكفل بالحالات المستعجلة محليا. وتقلص هذه الاستثمارات آجال التدخل الطبي، و«تحسن بشكل مباشر فرص علاج الجنود في حالات الطوارئ الطبية»، دون حاجة لنقلهم صوب مراكز استشفائية بعيدة.
عقيدة محورها الإنسان
صاغ العدد 432 من مجلة القوات المسلحة الملكية المعادلة بوضوح: لا يمكن ضمان الأمن دون بناء إنسان متوازن. وتأتي هذه المنظومة بأكملها لتشكل الترجمة الميدانية لهذا التوجه.
لقد اختارت القوات المسلحة الملكية التعامل مع العنصر البشري باعتباره الثابت والأساس لكل كفاءة وقدرة عسكرية، لا مجرد متغير ثانوي؛ وهو ما يترجمه الاستثمار المستمر ومتعدد الأبعاد، الذي تقاس ثياره بجودة المهام المنفذة، وصون كرامة الرجال الذين يسهرون على إنجازها.




















